قال أبو حنيفة وأصحابه: لا شيء على الشاهد، وفي قول أبي يوسف ومحمد وزفر في المشهود عليه ومثل قولنا مع تصديق العبد، ووجهه ما ذهبنا إليه إن شهادة أحد الشريكين بمنزلة قوله: إني جعلت نصيبي حراً؛ لأنَّه لما شهد على صاحبه بالعتق فإن شهادته تضمنت أمرين، أحدهما الشهادة عليه والثاني الإقرار على نصيبه بالعتق الحادث فجاز إقراره وسقطت شهادته فكأنه أحدث عتق نصيبه فوجب أن يضمن نصيب المشهود عليه إن كان موسراً على ما مضى القول في أحد الشريكين إذا عتق نصيبه وإن كان معسراً وجب أن يسعى العبد عنه نصيب المشهود عليه إن كان موسراً على ما مضى القول في أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه، وإن كان معسراً وجب أن يسعى العبد عنه نصيب المشهود عليه كما قلنا في الشريك إذا أعتق نصيبه وهو معسر، وإن كان المشهود عليه موسراً فلا ضمان عليه؛ لأنَّه لم يقر بحصول العتق من جهته، ولا حراماً يلزمه ذلك من طري الحكم كما لم الشاهد ولا سعاية أيضاً على العبد؛ لأن العبد لا يسعى عن الشريك المؤسر على ما مضى، فإن كان المشهود عليه معسراً لزم العبد السعاية للشاهد؛ لأنَّه مقر أن المشهود عليه لمه ضمان ما انتقل إليه لإعساره فلزمه إقراره فيما عليه كان يقر رجل لرجل أني قد ضمنت لك ألف درهم عن رجل بحق واجب والمضمون عليه منكر فإن المقر يلزمه المال للمقر له؛ لأن إقراره تضمن لزوم المال له ولزومه المضمون عنه فلزمه إقراره ولم يلزم المضمون عنه ونكتة الباب أن العتق حصل في الظاهر من جهة الشاهد، فعلى هذا بنينا المسألة والله أعلم.
مسألة(97/2)
قال: وإذا شهد رجلان على رجل بعتق مملوك له وأنكره المملوك والمشهود عليه بطلت الشهادة، وكان العبد مملوكاً بإقراره، وبه قال أبو حنيفة: قال أبو يوسف ومحمد الشهادة مقبولة، ووجه المسألة أنا وجدنا الشهادة على ضربين: شهادة الحسبة وشهادة الحقوق ومعنى قولنا شهادة الحسبة هي الشهادة التي تقع على لأمر يجب على المسلمين المنع منه أو الحمل عليه وشهادة الحقوق هي الشهادة المتعلقة بحقوق بني آدم التي لا يجب فيها غير الإقامة، وقد ثبت أن هذه الشهادة لا يجب أن تسمع إلاَّ إذا كان الخصم يدعي، فإذا كان المشهود عليه وله ينكرانها فيجب أن يبطل، وقد ثبت أن هذه الشهادة هي شهادة الحقوق؛ لأنها شهادة تتعلق بحقوق العبد وليست شهادة الحسب؛ لأن ما يستبيحه السيد إنَّما هو الاستخدام والتصرف في منافعه، وليس في جملته ما يجب على المسلمين على طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المنع منه ولا حمل العبد على الامتناع منه، وإن كان؛ لأن جميع ذلك مما يجوز للحر أن يبدله من نفسه لمن شاء.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون التصرف في منافعه على وجه الاسترقاق مما يجب المنع منه.
قيل له: قولكم التصرف على وجه الاسترقاق لا يخلوا من أن يكون المراد هو التصرف في المنافع أو المقصود المضامنة لذلك؛ إذ ليس هاهنا أمرٌ ثالث يعقل والتصرف مما لا يجب المنع منه المقصود مملا يتأتى منا المنع فيها ولا الحمل عليها؛ لأه يصح أن يحمل الإنسان على أن يصلي ولا يصح بل يتعذر أن يحمله على أن يقصد به التقرب إلى الله عز وجل، وأن لا يتقرب به إلى الشيطان فلم يبق تحت هذه العبارة معنى يصح.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يتصرف فيه بالبيع والانتفاع بثمنه وذلك مما يلزم المنع منه.(97/3)
قيل له: لا يصح التصرف في الحر بالبيع؛ لأن البيع قول يجري بين المتناومين وإنما يقول: أنَّه تصرف في المبيع من جهة الحكم؛ لأنَّه نقل ملك مالكٍ، فأما ما لم يكن ملكاً ولم يصح نقله من مالكٍ إلى مالك لا يكون تصرفاً فيه ولهذا المشهور عليه أن يبذل التمكين من التصرف في منافعه لغيره كما له أن يبذله للأول وأكل الثمن أيضاً كذلك؛ لأنَّه ليس بثمن له؛ لأن الحر لا ثمن له؛ لأنَّه مال الغير، فإذا بت هذه الجملة صح أن الشهادة ليست بشهادة الحسبة، وإنها تبطل إذا تناكرها المشهود عليه، وله على أن شهادة الحقوق أكثرها تدخل فيها على سبيل البيع ما يتعلق به الحسبة لكن لا معتبر بها، وإنما المعتبر بم تناوله الشهادة، قال: وإن كان المشهود عليه يعلم أنَّه قد أعتقه لم يحل له إمساكه، وهذا صحيح؛ لأنَّه إذا عرف من نفسه ذلك إثم في استرقاقه فيما بينه وبين الله وباء بوزر.
قال: وإن شهدا على أمة بالعتق فأنكرته الأمة والمشهود عليه ثبتت الشهادة وعتقت الأمة وهذا ما لا خلاف فيه؛ لأن الشهادة قد تعلقت بالحسبة وهي مما يسمع وإن لم يكن خصم، وذلك أنَّما يستبيحه السيد منها يدخل في جملتها ما يلزم المسلمين المنع منه وحمل المرأة على المنع منه وهو الوطء وما دونه من سائر وجوه الاستماع إذ جميع ذلك محظور أن يجري إلاَّ بين الزوج والزوجة أو بين المالك وما ملكت يمينه، وإذا ثبت أنها شهادة الحسبة قبلت من دون خصم كما تقبل الشهادة على الزنا والشرب وسائر ما يجري مجراه. تمت والله أعلم وأحكم بالصواب.(97/4)
باب القول في الولاء
الولاء لمن أعتق لا يباع ولا يوهب فإن بيع أ وهب كان باطلاً والأصل فيه قول الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوانَكُمْ فِيْ الدِّيْنِ وَمَوالِيْكِمْ وَمَا مَلَكَتْ} روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: <الولاء لحمة كلحمة النسب> وروي: <لا يباع ولا يوهب>، وروي عنه: <الولاء لمن أعتق>، وهذه الجملة لا خلاف فيها.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً باع عبداً أو اشترط الولاء لنفسه فأعتقه المشتري كان الولاء لمن أعتق وبطل الشرط، وذلك لأن عائشة اشترت بريرة واشترطت الولاء للبائع فأبطل رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم شرطها، وقال: الولاء لمن أعتق وقد روى هذا الخبر بألفاظ مختلفة ولم يختلف العلماء في قبوله وإنما اختلفوا في لفظ تفرد بروايته هشام بن عروة عن أبيه وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعائشة: اشترطي لهم الولاء فإن أولا لمن أعتق. فقوله: اشترطي لهم الولاء مما تفرد به هشام ومن العلماء من ينكر هذه اللفظة ويقول: إن هذا يجري مجرى الأمر بالتغرير إذ في الخبر أن عائشة قالت: يا رسول الله: إنهم يلون بيعها إلاَّ أن اشترط لهم الولاء والنبي صلى الله عليه وآله وسلم منزة عن ذلك وقد قيل: إن هشاماً كان خولط في عقله في آخر عمره ومنهم من لم ينكر اللفظ، ولكن تأوله فقال: يجوز أن يكون قال لها ذلك على سبيل التهديد، كقوله عز وجل: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنْ مَصِيْرَكُمْ إِلَى النَّارِ} وكقوله: {وَاجْلُبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرِجْلِكَ} وذلك أن يكون بمعنى النهي، قالوا ويدل على ذلك ما روي أنَّه عليه الصلاة والسلام غضب وصعد على المنبر فقال: ما بال أقوام يشترطون شرطاً ليس في كتاب الله وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ومنهم من قال: إن تأويله اشترطي عليهم الولاء كما قال الله عز وجل لهم اللعنة أي عليهم، وقالوا: إن حروف الحفص كثير منها يقول بعضها مقام بعض لتقارب(98/1)
معانيها، فأما حمله على الظاهر فمما يجب أن ينزه عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يجوز أين يظن به، وذكر يحيى عليه السلام هذا الخبر في الأحكام، فلم يذكر هذه اللفظة فدل ذلك على أنَّه لم يصححها.
مسألة
قال: وإذا أعتق العبد حرٌ ولا ابنه ومعناه أن يتزوج العبد بإذن سيده فيولد له ولد يبقى بعد موت أبيه فيكون ولاه لمعتق أبيه فيكون أبو هقد جرَّ ولاه وإنما قلنا أن الولاء لمعتق أمه بقوله: <الولاء لحمة كلحمة النسب> أفاد ذلك أن له لحمة من مولى أمه؛ لأن لأمه لحمة من مواليها، قال أبو بكر الرازي: وروى نحوه عن جماعة من الصحابة على أنَّه لم يكن بد من ولاء للصبي، فلما لم يوجد من قبل الأب؛ لأنَّه من فوق جعل ولاه من قبل أمه، فإن أعتق أبوه جرّ ولاه؛ لأن الولاء هو التعصيب والأب أولاً بالتعصيب فصار أولى فجره؛ لأن الضرورة التي ألحقت الولاء بالأم قد زالت؛ ولأن الولاء بالتعصيب قد حصل واللحمة التي ذكرنا من أول المسألة إلى آخرها بها، قال أبو حنيفة والشافعي: وإن كان الأب مات رقيقاً وأعتق الجد أبو أبيه لم يجز ولاه وبه قال أبو حنيفة والشافعي: وذلك أن الجد يجوز التعصيب بالأب الذي هو ابنه فإذا لم يثبت له الولاء لم يجزه أبوه وذلك أن الولاء كالنسب ومعلوم أن نسباً لم يثبت للابن لا يجوز ثبوته لأبيه، فكذلك ولاه لم يثبت لابنه فلا يجوز ثبوته لأبيه وهذا لا نص فيه يحيى بن الحسين وإن كان قد نبه عليه بقوله في الأحكام وهو يعني الولاء لحمة النسب.
مسألة(98/2)