وقال: وإذا مات المكاتب المولى كان العبد مكاتباً كما كان لورثته، وهذا ما خلاف فيه؛ لأن موت المولى لا يوجب عجزه الفسخ عند أحدٍ وإن اختلفوا في موت العبد المكاتب، وذلك أنَّه قد استحق العتق بالعقد ولا يرتفع حكمه إلاَّ بالعجز وموت المولى لا يوجب عجزه، فذلك لم يغير حكمه في الكتابة.
مسألة
قال: وإذا مات المكاتب وقد أدى كتابته عتق بمقدار ما أدى كتابته عتق بمقدار ما أدى وورث بمقداره، وكان باقي المال لسيده، فكذلك إن قتل أو قطع عضو منه ودي على حساب ما أدى منه مكاتبته وما بقي فعلى حساب قيمته، قال أبو حنيفة والشافعي: هو عبدٌ في جميع أحكامه، إلى أن يؤدي عنه بعد وفاته جميع الكتابة فيكون حراً عند أبي حنيفة على ما مضى القول فيه وهو عند الشافعي عبدٌ كما كان وما قلناه هو قول زيد بن علي عليه السلام.
اعلم أن تحصيل مذهب يحيى بن الحسين عليه السلام في هذا الباب هو أن المكاتب إذا أدى شيئاً من مكاتبته صار في ذلك القدر في حكم الحر حياً وميتاً لا أن ذلك القدر منه يصير حراً لوجهين أحدهما أن قوله: أن العتق لا يتبعض على ما مضى القول فيه والثاني أن من مذهبه أنَّه يرد في الرد ولا يجري على الحر في دار الإسلام، وروي عن علي رواه زيد بن علي عليهم السلام أنَّه لا يقضي بعجز المكاتب حتى يمضي عليه نجمان فنبه على أنَّه يرده في الرق بالعجز ولو صار بعضه حراً على الحقيقة لم يكن لذلك معنىً فدل ذلك على أن مذهبه أيضاً هو ما حصلناه في هذا الباب والأصل في هذا الباب حديث عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: يؤدي المكاتب بحصة ما أدى، وروى نحو هذا في المواريث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، فصار ذلك أصلاً في الأحكام التي يصح فيها التبعيض ما يختلف فيه حكم العبد وحكم الحر.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يحكم ... بحكم الحر في بعضه وهو عبد عندكم؟(96/16)
قيل له: لا يمتنع ذلك، ألا ترى أنَّه حين يكاتب يصير في كثير من الأحكام في حكم الحر ويخرج عن أحكام العبد وذلك في الشراء والبيع والتصرف على ما يرد وفي قصور يد صاحبه عن استخدامه ومنعه ن التصرف، فإن كانت أمته لم يحل له وطأها، فإذا جاز أن يصير في حكم جميع ذلك حكمه حكم الأحرار، وإن كان عبد أو لا يكون أدرى من الكتابة شيئاً، فلم لا يجوز أن يصير في الأحكام التي ذكرنا بمنزلة الحر في مقدار ما أدى للسنة الموجبة لذلك.
فإن قيل: إذا كان الخبر ورد في الدية فلم ألحقتم بها سائر الأحكام؟
قيل له: لأن كثيراً من الأحكام قد روي فيها عن علي عليه السلام مثل ما قلناه وقوله عندنا حجة؛ ولأن أحداً من الأمة لم يفرق بين شيء م تلك الأحكام على أنا نقيس على ذلك سائر ا ذهبنا إلهي بعلة أنَّه مما يختلف فيه حكم الحر والعبد ويصح تبعيضه فوجب أن يحكم على المكاتب فيه بحكم الحر على مقدار ما أدى قياساً على الدية.
فإن قيل: فابن عباس هو راوي الحديث ويروي عنه أنَّه قال: يقام على المكاتب حد المملوك.(96/17)
قيل له: يحتمل أن يكون أراد به قبل أداء شيء من مال الكتابة أو يكو قال ذلك؛ لأنَّه لم يقس كما قسنا في هذا الموضع ويقال لأبي حنيفة: إذا جاز أن يحكم عليه بحكم الحر في مقدار ما أدى فيما ذهبنا إليَّ قال: وكذلك يحد إن لزمه شيء من الحدود، وكذلك إن أوصى جاز من وصيته بمقدار ما أدى من كتابته ووجهه ما مضى، وذكر يحيى بن الحسين عليه السلام في الحدود أن ذلك قول أمير المؤمنين علي عليه السلام، فأما ما لا يصح فيه التبعض كالقود والنكاح والوطء بالملك فيجب أن يحكم عليه في جميعه بحكم العبد؛ لأن الأثر ورد فيما يصح فيه التبعيض، فالذي يجب فيما أخذه بسبب حكم الحرية من إرث أو زيادة إليه على ما كان يأخذه لو كان عبداً، فإنه يرده إن عجز ورد في الرق على قياس قول يحيى عليه في إيجابه عليه الرد مما أخذه من الزكاة والعشور والصدقات، إذا رد في الرق لعجزه وما فاته من ذلك لعدم كمال الحرية لم يأخذه وإن تم بالأداء عتقه؛ لأنَّه أخذ عام ما استحقه يوم أخذ وهو عبدٌ.
مسألة، قال: ولو أن رجلاً قال للملوكه: إن أعطيتني مائة درينا فأنت حرٌ فأعطاه خمسين ديناراً ثُمَّ مات سيده، كان العبد مملوكاً ولم يكن مكاتباً، وذلك إن قوله إن أعطيتني مائة دينار فأنت حرٌ عتق على مال يدفعه إلهي، وهو عتق على صفة فمتى حصلت الصفة بعد موت السيد لم يجب عتقه ولم يكن حكه حكم المكاتب؛ لأنَّه لم يستحق العتق بقوله: إن أعطيتني كذا فأنت حرٌ كما استحقه المكاتب بالمكاتبة، وهذا مالا خلاف فيه، فإما أعطاه ذلك ي حياته وجب أن يعتق كما أنَّه لو قال: إن قدم فلان من سفره فأنت حر، فإن قدم وهو في ملكه فهو حرٌ، وإن قدم والملك زائل بموت صاحبه أو بالبيع أو الهبة لم يعتق لا خلاف فيه، فأما إذا أعطاه ذلك في حياته وجب أن يعتق كما أنَّه لو قال: إن قدم فلان من سفره فأنت حرٌ، فإن قدم وهو في ملكه فهو حرٌ، وإن قدم.
فصل(96/18)
قال في كتاب النكاح من كتاب الأحكام: إذا أراد الرجل يعتق أمته ويتزوجها ويجعل عتقها مهرها فراضاها على ذلك ثُمَّ قال لها: قد جعلت عتقك مهرك، فأنت على ذلك حرة فقد عتقت فإن تزوجته وإلا سعت له في قيمتها، فدل ذلك من قوله على أن الرجل إذا قال لعبده: أنت حرٌ على ألف درهم فرضي العبد به وأنه يعتبر حراً ويلزمه لسيده ألف درهم ووجهه إنَّهما تعاقدا عقد معاوضة فوجب أن يحصل العوض لكل واحد من المتعاقدين ويجب أن يكون قبل العبد في المجلس؛ لأنَّه بمنزلة عقد البيع، وإن لم يقبل العبد ذلك بطل ذلك، وكان العبد عبداً، قال يحيى بن الحسين فيه: فإن قال قد أعتقتك وجعلت عتقك مهرك عتقت الجارية ولم يلمها، قال: لأنَّها تعتق بقوله: أعتقك ويكون قوله لها بعد ذلك وجعلت عتقتك مهرك قولاً معلقاً فدل ذلك من قوله على أنَّه لو قال لعبده: أنت حر وعليك ألف درهم أنَّه يعتق بغير شيء، وبه قال أبو حنيفة: قال أبو يوسف ومحمد: إن قبل العبد كان حراً وعليه ألف درهم ووجهه ما ذكره يحيى عليه السلام من أن العتق يحصل بقوله: أنت حرٌ وما بعده كلام مبتدأ غير معلق بالأول يكشف ذلك أن الواو في هذين الموضعين أعني مسألة العبد ومسألة الأمة جعل للاستثناء، فيجري مجرى قوله: أنت حر وأنت مكتسب أو أنت ضعيف في أن شيئاً من ذلك لا يكون شرطاً في العتق؛ لأنَّه كلام مستأنف مستقل بنفسه من حيث هو ابتداء وخبرٌ، وعند أبي يوسف ومحمد بمنزلة أن يقول الرجل للحمال: احمل هذا إلى منزلي ولك درهم في أنَّه أجرة مشروطة والفرق بين ذلك وبين ما اختلفنا فيه أن ذلك عادة جارية في استئجار من ذكر ولم يجر العادة بمثله؛ لأن العتق لم يكثر كما كثرت الإجارات، فلم يحصل له عادة يبنى عليها ما هو شرط فيه وجب الرجوع إلى حكم صريح اللفظ.(96/19)
باب القول في الشهادة على العتق
إذا كان عبد بين رجلين فشهد أحدهما على صاحبه أنَّه أعتق نصيبه وأنكر ذلك المشهود عليه، كان العبد حراً وسعى العبد لمن شهد بعتقه في حصته إن كان معسراً وضمن الشاهد للمشهود عليه حصته من قيمة العبد إن كان موسراً وإن كان معسراً سعى العبد في حصته كما سعى في حصة الشاهد.
اعلم أن هذه المسألة مبنية على أن يكون العبد مصدقاً للشاهد وتحصيلها أن الشاهد يضمن للمشهود عليه نصيبه إن كان موسراً، وإن كان معسراً سعى العبد عن الشاهد وهذا معنى قوله سعى العبد لمن شهد بعتقه في حصته أي سعى عنه؛ لأن الضمان كان عليه فانتقل إلى العبد لإعساره كما أن العاقلة إذا أدت عن الجاني، وقوله: إن كان المشهود عليه معسراً عسى عنه للشاهد، وقوله: إن كان معسراً في آخر الفصل هو راجح إلى المشهود عليه وإيضاحه أنهما أعني الشاهد والمشهود عليه إن كانا معسرين فعلى العبد أن يسعى لكل واحد منهما وإن كانا موسرين فلا سعاية على العبد والشاهد يضمن نصيب المشهود عليه والمشهود عليه لا يضمن نصيب الشاهد، فإن كان أحدهما معسراً سعى العبد عنه لصاحبه، فإن كان العبد... له فلا شيء للشاهد ولا سعاية على العبد.
مسألة(97/1)