قيل له: هو معلوم على الجملة وإن كان فيه ضرب من الجهالة والأصل فيه المهر بل قد دللنا عليه في كتاب النكاح أن دخول الجهالة في المهر لا يفسده وهي أنَّه بدل ما لا يفسد بفساد البدل، ألا ترى أن النكاح لا يفسد بفساد المهر، فكذلك مال الكتابة؛ لأنَّه بدل مالا يفسد بفساد البدل إذ لا خلاف أن العتق لا يفسد بفساد عوضه، فكذلك الخلق عندنا أعلم، قوله على أنَّه حر متى وفر على سيده ما كوتب عليه لم يذكره في الأحكام وأظنه مذكور في المنتخب وترك ذكره في الأحكام يدل على أنَّه يجيز صحة المكاتبة من غير اشتراط هذه اللفظة وإن هذه اللفظة مما استحب شرطها للتأكيد ولإزالة الخلاف كما استحب ذكر ما بعده من الشرط على ما بينه، قال الشافعي: لا بد من ذكر هذا الشرط، وعند أبي حنيفة شرط أو لم يشرط كما دل عليه قول يحيى، ووجهه أن المكاتبة لفظة في الشرع معروفة تفيد عتقاً مخصوصاً، وقد كانت هذه اللفظة أيضاً معروفة عند العرب من جهة لغاتهم قبل الشرع كالبيع أنَّه لفظة معروفة شرعاً ولغة تفيد تمليكاً مخصوصاً وكالهبة والنكاح فكما أن المتبايعين يكفيهما أن يقول البايع بعت ويقول القابل قد اشتريت، ولا يحتاج أن يقول البائع هذا التمليك المخصوص، فكذا في الهبة والنكاح لتكون الفائدة بهذه الألفاظ معلومة مشهورة شرعاً ولغة، فكذلك الكتابة؛ إذ هي لفظة شاركت سائر ما ذكرنا من الألفاظ فيما ذكرنا.
فإن قيل: المكاتبة تحتمل المخارجة التي لا تؤدي إلى العتق فلا بد من لفظ يبني عن العتق.(96/6)


قيل له: ذلك غير معروف؛ لأن من قال: فلان كاتب عبده أو فلان مكاتب لم يعقل في الشر، واللغة إلاَّ هذا الأمر المخصوص المؤدي إلى العتق، وذلك الإحتمال إنَّما هو بأن يصرف عن ظاهره، وقوله: فإن عجز فهو مردود في الرق، وكذلك إن كان وفر أكثر ما عليه، وبه قال أكثر العلماء مثل أبي حنيفة وأصحابه والشافعي، ولا يحكي فيه الخلاف إلاَّ عن المتقدمين واختلفت فيه أقاويل الصحابة فروي عن عمر مثل قولنا، وروي أنَّه إذا أدى النصف فهو غريم، وروى نحو قولنا عن عائشة وأم سلمة وابن عمر وزيد بن ثابت وروي عن عبد الله أنَّه إذا أدى قيمة رقبة فهو غريم، وروي عنه إذا أدى ثلثاً أ ربعاً فهو غريم، كل ذلك رواه الطحاوي في شرح الآثار عنهم، وحكى غيره عن ابن عباس أنَّه يعتق بالعقد ويكون ماله ديناً والأصل فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: <المكاتب عبدٌ ما بقي كتابته درهم>، رواه الطحاوي بإسناده يرفعه عن نافع عن ابن عمر، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <المكاتب عبد ما بقي من كتابته درهمٌ>، وروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <أيما رجل كاتب عبداً له على مائة أوقية فأداها إلاَّ عشرا أواقي، وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلاَّ عشرة دنانير فهو عبد> ومن جهة النظر أن المشتري لا يستحق قبض المبيع إلاَّ بتوقية جميع الثمن، وكذلك الراهن لا يستحق أخذ الرهن إلاَّ بقبض جميع ما تعلق به من الدين، فكذلك المكاتب لا يستحق العتق إلاَّ بأداء ميع ما عليه من مال الكتابة والعلة أن كل واحد منهما استحق بالعقد حقاً ولم يجب أن يتم إلاَّ بقبض ما هو عوض عنه، فكذلك المكاتب ويشهد له النكاح أن المرأة لا يلزمها تسليم نفسها إلاَّ باستيفاء مهرها، فكذلك وأيضاً قد حصل الإجماع منهم على أنَّه لا يعتق إلاَّ بأداء شيء إلاَّ ما يحكى عن ابن عباس وهو شاذ غير معروف فثبت(96/7)


أنَّه لا يعتق بالعقد ولا بد من الأداء فليس أداء بعض أولى من أداء بعه.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: أنَّه يعتق بقدر ما أدى.
قيل له: قد ثبت بما قدمناه أن العتق لا يتبعض فسقط هذا القول.
فإن قيل: فقد روي ذلك عن علي عليه السلام.
قيل له: تأويله عندنا أنَّه يحكم عليه بحكم الحر في ذلك، لا أنَّه يعتق على ما نبينه بعد هذا في موضعه، وقوله إن وفاه ما كاتبه عتق صحيح لا خلاف فيه.
مسألة
قال: ويشترط إن عجز فهو مردود في الرق ويشترط لولا وكل ذلك استحباب، لا أنَّه إن لم يشترط تغير الحكم في ذلك، أو أن اشتراطه شرطٌ في صحة الكتابة على ما بيناه من رده في الرق إن عجز، وعلى ما نبينه في حكم الولاء وجه الاستحباب فيه أنَّه أبعد من التغرير ووقوع الالتباس؛ لأن العبد إذا عرف ذلك دخل فيه على بصيرة.
مسألة
قال: وإن رد في الرق لعجزه كان ما دفع إلى ولاه مما أعانه به الإمام والمسلمون مأخوذاً منه مصروفاً في العون على الرقاب على ما يراه الإمام ، وما كان مما اكتسبه العبد فهو لمولاه المراد بقوله: ما أعانه عليه الإمام والمسلمون مأخوذاً منه هو ما دفع إلهي من جملة الصدقات والزكاة التي جعلها الله للرقاب؛ لأن تملكه لم يستقر على ذلك ولا جاز أن يملكه مولاه من جهته؛ لأنَّه لا قوام لهم صفات مخصوصة، فلما كان ذلك كذلك وجب أن يرد في أهل تلك الصفات، فأما ما أعانه الإمام والمسلمون تبرعاً ووهبوه منه، فذلك له بمنزلة كسبه، ألا ترى أنهم لو تبرعوا به على العبد الذي لم يكاتب كان مملوكاً لمولاه إذا قبله العبد والمكاتب لا يكون أسوأ حالاً منه وقد نبه على ذلك في الأحكام بقوله: هو وما ملك ن شيء لمولاه، وأما ما اكتسبه فلا إشكال أنَّه لمولاه، ولا خلاف فيه.
فصل(96/8)


قال في الأحكام: وإذا طلب المكاتب الإقالة والرجوع في الرق من غير إضرار من سيده به جاز ذلك، فدل ذلك على أن السيد لا يجوز له أن يضر به وأنه إن أضر به فيعجز لذلك لم يرد في الرق والإضرار به إن يمنعه من التصرف أو يطالبه قبل حلول نجمه، وأما إذا أخل العبد بأداء نجم من نجومه ولم يكن له وجه ينتظر به يومين أو ثلاثة، كما قلناه في حال الشفيع، فذلك عجزٌ ويجب أن يرد في الرق، قال أبو يوسف: لا يكون العجز حتى يتوالى عليه نجمان ما قلناه، فقد روي عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: لا يقضي بعجز المكاتب حتى يتوالى عليه نجمان ولا معنى لما قال؛ لأن النجم الثاني كالثالث، والعجز في الأول كالعجز في الثاني، وقال أبو حنيفة مثل قولنا ومحمد، قال الشافعي: لا يجب إمهاله إلاَّ قدر ما يبيع سلعة إن كانت له.
مسألة
قال: ويجوز مكاتبة الأمة كما تجوز مكاتبته العبد وما ولدته المكاتبة في حال كتابتهما فهو مكاتب بكتابة أمه له ما لأمه وعليه ما عليها من الرق والعتق ولا يجب أن يؤدي عنه شيء لا خلاف أن العبد وما ولدته المكاتبة في حال كتابتهما الأمة كالعبد في جواز الكتابة، وقوله واللذين يبتغون الكتاب يشتمل على الذكر والأنثى كسائر الآيات الواردة في الأمر والنهي والإباحة أنها تشمل على الذكر والأنثى لا خلاف أيضاً أن ولد المكاتبة في حكمها وما ينتهي إليه أمرها من الرق والعتق إلاَّ الشافعي ففيه عنه قولان، وذلك أن الولد في حكم الأم في الرق والحرية، فكذلك الكتابة.
مسألة(96/9)


قال: وإن كان المكاتب أو المكاتبة كاتب عن نفسه وأولاده جاز ذلك فإن أدى ما كوتب عليه عتق وعتقوا وإن عجز استرق واسترقوا، وذلك لقول الله عز وجل: {فَكَاتِبُوهُمْ} ولم يقل كل واحد منهم عن نفسه فاقتضى ظاهره جواز الكتابة عن نفسه وعن غيره وأيضاً الكتابة عقد معاوضه كالبيع فكما جاز أن يعقد الشراء على الأولاد جاز أن يعقد الكتابة وتشهد له الإجازة، فإن أدى الكتابة عن نفسه وعن غيره عتق وعتقوا؛ لأنَّه بمنزلة المشتري إذا أوفى الثمن استحق قبض السلعة، ولأن الأب وجب عتقه لأدائه مال كتابة انعقدت عليه، فكذلك الأولاد لهذه العلة وإن عجز استرق واسترقوا؛ لأن العجز يوجب فسخ الكتابة وفسخ الكتابة يوجب كونهم أرقاء كما كانوا قبل الكتابة.
مسألة
قال: ولو أن مكاتباً اشترى أم ولده مع الولد أو أولدها بعد ذلك، ثُمَّ مات وقد بقي عليه بعض الكتابة كانت الأمة وولدها منه بمنزلته، فإن أدى هي أو بعض أولادها ما بقي من كتابته عتقت وعتقوا وإن عجزوا رد في الق ولا يسترقوا إلاَّ بالعجز عن الإيفاء.
واعلم أن المكاتب إذا اشترى أمه لم يكن له وطؤها؛ لأن المكاتب لم يثبت له الملك بعد، وإنما يثبت حق الملك ولا يحل الوطء إلاَّ في ملك، وتصحيح المسالة قد مضى في كتاب النكاح وهو أن يكون المكاتب قبل كتابته تزوج بأمه ثُمَّ اشتراها بعد الكتابة فله أن يطأها بالنكاح المتقدم؛ لأن الملك لما لم يستقر لم يبطل النكاح، فهذا تفسير قوله أولدها بعد الشراء.(96/10)

105 / 149
ع
En
A+
A-