باب القول في المكاتبة
يستحب مكاتبة من يطلب المكاتبة من المماليك إن علم فيه الخير، والخير هو التقوى والدين والوفاء، ذك لقول الله عز وجل: {وَالَّذِيْنَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ} الآية وحكي عن الظاهري أن ذلك واجب تعلقاً بقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ..}؛ لأن ذلك أمر والأمر يقتضي الإياب، ونبه يحيى عليه السلام على أنها ندب بقوله: والكتابة أن يتراضى العبد والسيد ولو كانت واجبة لصح فيها الإجبار، ولم يعتبر فيها التراضي، ووجه صرفه إلى الاستحباب هو القياس على سائر المعاوضات؛ إذ ليس في شيء منها واجب فخص ظاهر الإيجاب بقوله عز وجل: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ..} وقوله: <لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه> قال يحيى بن الحسين عليه السلام في قوله تعالى: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيْهِمْ خَيْراً} من جملة الخير إلاَّ بقاء لمن كاتب الإيفاء لا يكون إلاَّ بأن يكون له كسب يرى أنَّه يتوصل به إلى الوفاء فيجري ذلك مجرى الكسب أو غير ذلك مما يغلب على الظن أنَّه يتوصل به إلى أداء مال الكتابة.
فصل(96/1)
لم يذكر يحيى بن الحسين في الإيتاء نصاً ولم يوجب على مولاه أن يحط شيئاً أو يعطيه شيئاً لا في كتاب المكاتب ولا في كتاب الزكاة في تفسير قوله عز وجل: {وَفِي الرِّقَابِ} فبان أنَّه غير واجب عنده خلافاً لما قال الشافعي: وقد نبه على ذلك عند ذكر مال الكتابة، فإذا أدى ذلك فقد صار حراً فلم يوقع الحرية إلاَّ بأداء ما كوتب عليه، ولو كان الحظ واجباً في شيء منه لم يقل ذلك، ثُمَّ قال بعد ذلك: فإن عجز عن شيء من كتابته كان مكاتباً مردوداً في الرق، وهذا نص في أنَّه لا يجب حط شيء منه؛ لأن ذلك لو وجب لم يصح أن يقول: إن عجز عن شيء منه رد في الرق بل كان يجعل ذلك محططاً عنه ويمضي عتقه وما ذهبنا إليه به قال أبو حنيفة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} ومال الكتابة مال السيد العبد فلا يحل للعبد منه شيء إلاَّ برضاه، ويدل على ذلك قوله: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهِا إِلَى الْحُكَّامِ}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: دلا يحل مال امرء مسلم إلاَّ بطبية من نفسه>.
فإن قيل: فقد أوجبه الله تعالى عز وجل بقوله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِيْ آتَاكُمْ}.
قيل له: المراد به عندنا هو أن يعطوا من مال الصدقات يستعينوا به على أداء الكتابة، وهو الذي ذكره الله تعالى في آية الصدقات حيث يقول: {وَفِيْ الرِّقَابِ} وما يطوع به الإنسان عليه من الإعطاء، والدليل على صحة أن ما نذهب إليه هو المراد بالآية، أن الله عز وجل خاطبنا أجمعين بقوله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِيْ آتَوكُمْ}.
قيل: هو خطاب للموالي؛ لأنَّه عطف به على قوله فكاتبوهم.(96/2)
قيل له: لا يجب حمل الخطاب بعضه على بعض إذا كان كل واحد منه يستقل بنفسه بل يجب حمل كل واحد منه على عمومه، ويدل على ذلك قوله من مال الله والدنيا والآخرة كلها وإن كانت لله فإطلاق مال الله متوجه على أموال القرب، فبان أن المراد به الصدقات، الغرض منها والتطوع، ويدل عليه قوله تعالى:{وَآتُوهُم} والإيتاء هو الإعطاء، والحط والإبراء لا يسمى اعطاءاً، فبان أن المراد هو أن يدفع إليهم شيء من أموال القرب ويدل عليه قوله: {مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِيْ آتَاكُمْ} وما في ذمة العبد بعد لم يؤتناه الله عز وجل؛ لأنَّه لم يحصل في قبضنا، والإعطاء لا يكون في الحقيقة إلاَّ ما يصل إلى المعطي، ونحن نجوز أيضاً تلف العبد وسقوط ذلك فكيف يصح أن يكون ذلك من جملة ما أعطانا الله عز وجل، وأيضاً لو كان الحط واجباً لكان الموجب له عقد الكتابة هو الموجب لجميعه، فكيف يجوز أن يكون عقد واجب يوجب شيئاً ويسقطه بعينه وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه كان يستحب أن يحط عن المكاتب ربع الكتابة ويتلو: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِيْ آتَاكُمْ} وفيه دليل على ما قلناه من وجهين: أحدهما على أصله وهو أنَّه قوله، والثاني أنَّه لم يرو عن غيره من الصحابة خلافه فجرى مجرى الإجماع سيما وقد روي عن عمر وعثمان الزبير أنهم لم يكونوا يرون الحط واجباً.
مسألة(96/3)
وقال: والمكاتبة أن يتراضى السيد والعبد على شيء معروف يدفعه إلهي في أوقات معروفة من سنين أو أشهر وأيام ونحو ما بنجمة في كل نجم. كذا أو كذا على ما يتفقان عليه أنَّه حر متى وفر على يسده ما كوتب عليه على ما شورط فإن عجز فهو مردود في الرق، وكذلك إن كان وفرَّ أكثر ما عليه وإن وفاه ما كاتبه عليه عتق قد بيناه أن قوله المكاتبة أن يتراضى السيد والعبد على شيء معروف فيه تنبيه على أن لا إجبار في الكتابة خلافاً لأصحاب الظاهر بما لا معنى لإعادته وبينا أن قوله إن وفاه ما كاتبه عليه عتق يدل على أنَّه لا يوجب أحط للإيتاء وقوله يتراضيان على شيء معروف يدفعه إليه في أوقات معروفة أو نجوم منجمة على أنَّه يجوز أن ينجما نجماً واحداً وكل من قال ذلك رجع إلى الحال؛ ولأن النجم الواحد لا يقتضي التأجيل بل يجوز أن يكو حالاً خلافاً للشافعي أنها لا تصح على أقل من نجمين والدليل على ذلك قوله فكاتبوهم ولم يشترط فيه الحلول ولا الأجل ولا النجوم ولا النجمين فصح جميعه نحو العموم مثل قوله عز وجل: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} فدل ظاهره على جواز البيع نقداً أو مؤجلاً بأجل واحد وأجل عدة.
فإن قيل: هذا عقد يتضمن الكتاب في غالب الأحوال والندب بالكتاب من الله تعالى واقع في الحقوق المؤجلة.
قيل له: ومن يسلم لك أن هذا العقد يتضمن الكتاب في غالب الأحوال بل عقد الكتابة عقد نقل بين الناس، فكيف يعتبر فيه العرف وغالب الأحوال قرب ففيه أو عدل أو فاصل لعمر سبعين سنة ولا يكون رأي بعينه مكاتباً واحداً ولا شهد على كتابة ولا أفتى فيها ولا حكم فيها.
فإن قيل: الاسم يدل عليه.
قيل له: لا خلاف أن الكتاب لا يجب فيه، وإنما هو اسم موضوع لهذا الأمر المخصوص، كما أن الدابة اسم للبهيمة المخصوصة، وكما أن الغائط اسم لقضاء الحاجة والعذرة اسم للنجاسة.
فإن قيل: في الكتابة الخال تضيق على العبد وموضع الكتابة توفير حط العبد والنظر له.(96/4)
قيل له: هو ..... نفسه فربما يعلم أنَّه يمكنه أن يستقرض أو يستوهب أو يؤاجر نفسه مدة طويلة ولا يجوز أن يكاتب قبل غروب الشمس على نجمين أحدهما إذا غابت الشمس والثاني إذا غابت الحمرة من الشفق.
فإن قيل: لا يمكنه الأداء حالاً.
قيل له: يمكنه بالوجوه التي ذكرناها على أن ذلك كمبايعة المعدم بثمن معجل فيجب أن يجوز؛ لأنَّه يتمحل كما يتمحل المعدم؛ ولأنه عقدٌ يتعلق به العتقا فاز معجلاً ومؤجلاً كالعتق على مالٍ ولا عقد لا يجب التعجيل في ثمنه فيجب أن لا يكون التأجيل شرطاً في تمامه دليله عقود البياعات وأيضاً عو عقد يتناول رقبة العبد بمال يثبت في الذمة فوجب أن يكون معجلاً ومؤجلاً كبيع العبد من الأجنبي، وقوله يتراضيان على شيء معروف يدفعه إليه يدل على أنَّه يجوز الكتابة بالورق والعين وغيرهما من العروض والحيوان بعد أن يكون معلوماً وهو صحيح لقول الله عز وجل فكاتبوهم ولم يقل على ماذا فصحت الرواية على جميع ما ذكرنا بحكم العموم، وهذه الجملة لا خلاف فيها، واختلف قول أبي حنيفة والشافعي في المكاتب على ما لا يجوز السلم فيه كنحو الوصيف وبما جرى مجراه فعند أبي حنيفة يصح الكتابة على ذلك كما تصح في المهر وعند الشافعي لا تصح كما لا تصح عنده في المهر ومذهب يحيى عليه السلام أن ذلك صحيح ي المهر قد نص عليه في كتاب النكاح، فكان الأولى أن يصح في الكتابة كما صح في المهر، وقوله على شيء يدفعه إليه معروف وأيضاً يقتضي جواز ذلك؛ لأنَّه لم يحص شيئاً من شيء.
فإن قيل: وقوله: شيء معروف يمنع ذلك؛ لأنَّه مجهول.(96/5)