قيل له: أما الأثر ما رواه أبو بكر الجصاص بإسناده عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <المدبر لا يباع ولا يشترى وهو حرٌ من الثلث> فنفى عمومه بيع المدبر في جميع الأحوال وما رويناه عن علي عليه السلام من طريق زيد أنَّه سأله رجل، فقال: إني جعلت عبدي حراً إن حدث بي حدث، أفلي أن أبيعه؟ قال: لا. وقوله عندنا حجة، وأما النظر فهو أن عتقه يجب بموت مولاه على الإطلاق، فأشبه أم الولد في أنَّه لا يجوز بيعها وأيضاً قد ثبت أن عتقه ليس يجري مجرى العتق بصفة، وذلك أن من قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حرٌ فدخل العبد الدار مع موت السيد لم يعتق؛ لأن حصول الشرط صادف زوال ملك المعتق، فلو كان التدبير يجري هذا كان يجب أن لا يعتق بموته؛ لأن الشرط وهو الموت يكون مصادفاً زوال ملكه، وكان يجب أن يكون بمنزلة أن يقول: إذا بعتك فأنت حر، فلا يعتق؛ لأن حصول الشرط صادف زوال الملك فثبت أنَّه عتق مستحق قبل الموت كعتق أم الولد، وأنه لا يجري مجرى العتق على الصفة، كعتق المكاتب على ما مضى القول فيه، فأما عتقه من الثلث فقد قلنا: إنَّه لا خلاف فيه وروينا النص فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي رواه أبو بكر، وقال الكرخي: أنَّه من الثلث مروي عن علي عليه السلام وعتق ولد المدبرة، حكى أبو الحسن الكرخي أنَّه من الثلث مروي عن ابن مسعود، وعن شريح، وعن مسروق وعطاء وطاو س ومجاهد وابن جبير والحسن وقتادة.
مسألة(95/3)


قال: وإن كانت مملوكة جار له وطؤها وله أن يكاتبه ويعتقه في كفارة اليمين وفي الظهار وكل ذلك؛ لأن ملكه باق عليه، وأنه لم يخرج إلى العتق فجاز الوطء وصحة المكاتبة؛ لأنَّه يتوصل بها إلى تحصيل العتق، وكذلك العتق في الكفارات ولست أحفظ في شيء من ذلك خلافاً، وكذلك يجوز استخدامه، والأذن له في التجارة ثُمَّ الحجر عليه وتجوز إجارته وإنكاحه، ويجوز فيه كلما يجوز في العبد البيع، فإنه على ما بيناه، وكذلك الرهن والهبة وإن يجعل مهراً.
قال: ولا فرق بين أن يدبره في صحته أو مرضه؛ لأنَّه يخرج من الثلث فاستوى فيه خال الصحة والمرض؛ لأن ما يكون عتقه على جميع الأحوال من جميع المال كالمكاتب وأم الولد أن يكون عتقه على جميع الأحوال من الثلث فلا فرق بين أن يقع الموجب لعتقه في الصحة والمرض.
مسألة(95/4)


قال: فلو أن رجلاً بر عبده، ثُمَّ فسق العبد، كان له أن يرده في الرق ويبيعه، ووجب عليه أن يشتي بثمنه رقبة مؤمنة يدبرها، فإن تاب العبد بعدما رد في الق واشترى بثمنه غيره لم يكن مدبراً، وكان تدبير الثاني ماضياً معنى قوله: يجوز أن يرده في الرق ويبيعه: أنَّه يجوز له بيعه لا أنَّه يرده في الق بالقول، ثُمَّ يبيعه بأن يكون البيع هو الرد في الرق؛ لأن أضعف حالة أن يكون عتقاً على صفة ولا يجوز الرجوع عنه بالقول ووجهه أن مذهبه أنَّه لا قربة في عتق الفاسق على وجه من الوجوه، والغرض في العتق وفي إمضاء ما يجوز إمضاؤه هو القربة، فإذا فسق العبد صار مولاه عاجزاً عن التقرب به؛ إذ لا يصح ذلك فيه وصل أيضاً مضطراً إلى أن يكون متقرباً به فيحصل معنى الضرورة فيجوز له بيعه على ما سلف القول فيه، فأما ما صرف ثمنه في آخر وتدبيره مكانه فهو على وجهين: إن كان نذراً قد لزمه فهو واجب وصرف الثمن استحباب؛ لأن له أن يشتري الثاني بغير ذلك الثمن، ووجهه الاستحباب أنَّه ما جعله قربة فيستحب له المضي فيه، وإن لم يكن نذراً فالتدبير استحباب؛ لأنَّه لا قربة في عيوبه الفاسق كل الظهور ولو صح ذلك أيضاً فوقوع التدبير على وجه القربة لا يغيره فسق العبد بعده، وقوله: إن تاب لم يعد في التدبير أراد بعد البيع؛ لأنَّه قبل البيع لا يخرج من التدبير، وأن يخرج منه بالبيع.
مسألة(95/5)


قال: ولو أن رجلاً قال لعبده: إذا جاء فلان من سفره أو إذا كان رأس السنة أو غير ذلك مما أشبهه فأنت حر، كان حراً إذا كان ذلك وحكمه في أنَّه لا يجوز بيعه قبل ذلك الوقت إلاَّ من ضرورة حكم المدبر، فإن باعه قبل حصول الشرط بيسير أو كثير جاز بيعه ولم يلزمه عتقه قوله: إن حكمه في أنَّه لا يجوز بيعه إلاَّ من ضرورة حكم المدبر الكراهة لبيعه قبل واستحباب تركه إلى حصول الشرط، فأما الإيجاب فلا معنى له وهو خلاف إجماع المسلمين؛ ولأن حكم العتق لم يستقر فيه بدلالة أنَّه لا خلاف في أنَّه لا يسري إلى الولد فإن سيده لو مات قبل الشرط بيسير أو كثير جاز بيعه، يدل على أن البيع يثبت مع الكراهة وفي أصحابنا من أظنه يحمل هذا على ظاهره وهو بعيد جداً لما فيه من مخالفة الإجماع؛ ولأن العتق لم يصر مستحقاً له بقوله قبل الشرط كما يستحقه المدبر على ما بيناه.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال لمملوكه: أخدم أولادي عشر سنين، فإذا مضت هذه السنون فأنت حر وجب عليه أن يخدمهم حيث شاءوا، فإن وهب له بعض الأخوة خدمته خدم الباقين وحاضهم في كل سنة فإذا كان بعد عشر سنين عتق وذلك أنَّه أعتقه بعد عشر سنين فلا يقع العتق قبل ذلك كأن يقول له: إذا كان صف الشهر أو نحوه فأنت حر، فإن العتق لا يقع قبل ذلك الوقت والخدمة واجبة للأولاد؛ لأنَّه قد جعل خدمته لهم فهو جائر بمنزلة العارية وبعض الأولاد إن ترك نصيبه لم يستحقه الباقون ولم يكن لهم إلاَّ خصصهم كما كان في الأصل كمن وهب شيئاً لرجلين فقبل أحدهما ولم يقبل الثاني أن الذي يقبل لا يستحق إلاَّ نصيبه دون نصيب صاحبه، فكذلك ما قلناه.
مسألة(95/6)


قال: ولو أنَّه قال لعبده: إذا خدمت أولادي أياماً كثيرة فأنت حر، صار حراً إذا مضت سنة واحدة وقد يل في ذلك أسبوع، وقيل عشرة أيام، وقد ذهب عليّ أسامي قائليه من أبي حنيفة وأصحابه، ووجهه ما ذهب إليه يحيى عليه السلام أن الأيام الكثيرة احتمل أيام السنة واحتمل ما دون ذلك فلم يكن العتق إلاَّ مع اليقين؛ لأن الرق المتيقن لا يرتفع إلاَّ بتيقن العتق ولم ير الدليل قام على دون ذلك فجعله حراً؛ لأنَّه أكثر ما قيل فيه هو كما قال أن الغيبة المنقطعة للولي مارد على مسيرة شهر؛ لأنَّه يقين أو ولايته لا حكم لها؛ لأن ذلك أكثر ما قيل فيه، ولا دليل على ما دونه، تمت والله أعلم وأحكم بالصواب.(95/7)

103 / 149
ع
En
A+
A-