قيل له: يملكه بالإرث بأن يلم عنده لم يقع باختياره، ونحن نمنعه من استدامة الملك عليه وتصرفه في البيع إنَّما هو لإزالة حكمه عنه ورفع تملكه له فلم يقع في شيء له علق عليه وليس كذلك وإن ملكه بالشراء؛ لأنَّه يبتدئ التملك له باختياره وفعله، فلم يتشابه الأمران على أن ما ذكرتموه تخصيص، ونحن استدللنا بالظاهر ولا خلاف أن الظاهر يجوز تخصيصه ولا خلاف أنَّه يجيز على بيعه، فليس يخلو ذلك من أن يكون لمنع ملكه أو لمنع تصرفه فيه بالاستخدام، ولا يجوز أن يكون لمنع تصرفه فيه بالاستخدام؛ لأنَّه لو استخدمه على سبيل الإجارة لجاز، وكذلك لو استأجر الحر المسلم لجاز فثبت أن المنع إنَّما هو من التملك، فوجب أن نمنعه من التملك ابتداءاً.
فإن قيل: فهذا ينتقض بالإرث وبإسلامه عنده.
قلنا: نحن نعلل لما صيح المنع فيه، وذلك مما لا يصح منعه منه؛ لأنَّه لا يحصل بفعله واختياره، والإنسان إنَّما يمنع من فعله دون ما ليس بفعلٍ له وتحرير القياس فيه أن نقول: لا يجوز أن نختار ابتداء تملكه لما فيه من الإعتلاء عليه دليله استدامة تملكه لما فيه من الاعتلاء عليه، على أنا وجدنا الاستدامة للأحوال أخف من الابتداء فيها؛ لأنا وجدنا في الأصول ما يجوز الاستدامة له ولا يجوز الابتداء به، ألا ترى أن المحرم له استدامة النكاح بالإجماع وفي ابتدائه خلاف، ويجوز استدامة نكاح المعتدة بالإجماع ولا يجوز ابتداء نكاحها بالإجماع، ولم نجد ما لا يجوز فيه الإستدامة ويجوز الابتداء، وإن وجدنا مالا يجوز ابتداؤه ولا استدامته كالنكاح مع الرضاع ونحوه.
فإن قيل: إسلامه لا ينافي ملك الذمي.
قيل له: ليس هذا موضع الخلاف وموضع الخلاف ابتداء تملكه له على سبيل الاختيار وعندنا أن إسلامه مانع منه.
مسألة(94/21)
قال: وإذا كان العبد بين ثلاثة أنفس، فكاتبه أحدهم ثُمَّ دبره الآخر ثُمَّ أعتقه الثالث أو دبره الأول أو أعتقه بطل ما فعل الشريكان بعده ثانياً وثالثاً وضمن الشريك الذي أعتق أولاً أو دبر أو كاتب لشريكين ما لهما في العبد قد مضى الكلام فيمن أعتق نصيبه من عبد بينه وبين شريكه وما يختاره وما فيه من الاختلاف والفرق بين الموسر والمعسر، فلا حاجة إلاَّ إعادته، وأما إذا دبر أحدهم نصيبه فأبو حنيفة يذهب إلى أن لشريكه فيه خمس خيارات إن شاء دبر هو أيضاً نصيبه، وإن شاء ضمن لشريكه قيمة نصيبه، وإن شاء سعى له العبد في قيمة نصيبه، وإن شاء أعتقه، وإن شاء تركه ليكون نصيبه مملوكاً كما كان، قال أبو يوسف ومحمد: يصير مدبراً لمن دبره ويضمن هو لشريكه قيمة نصيبه موسراً كان أو معسراً، وهو ما نذهب إليه؛ لأنَّه إذا صار مدبراً لم يجز فيه تصرف شريكه، ولم يفصل يحيى عليه السلام فيه بين الإعسار واليسار ونكتة الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة أن التدبير عند أبي حنيفة يتبعض كما يتبعض العتق، وعندنا لا يتبعض كما لا يتبعض العتق؛ أنا وجدنا تبعيض التدبير ومات المدبر وجب أن يكون العبد يعتق منه بمقدار نصيب المدبر، فكان تبعيض العتق وفي فساد ذلك فساد القول بتبعيض التدبير، وإذا ثبت ذلك ثبت أن العبد كله قد صار مدبراً لمن دبره وانتقل إلى نصيب شركيه باستهلاكه إياه فلزمه الضمان معسراً كان أو موسراً؛ لأن العبد في ملكه بعد ولم يحصل في يد نفسه فلم يجب تضمينه السعاية؛ لإعسار المدبر واستوت حالتا إعساره ويساره وبطل عتق شريكه ومكاتبته؛ لأنَّه أعتق أو كاتب والعبد منتقل نصيبه إلى شريكه على ما بيناه، فأما إذا كانت بعض الشركاء فعند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أن لشركائه فسخ كتابته مالم يقع الأداء والذي يقتضيه مذهبنا أن لهم ذلك مالم يقع شيء من الأداء وذلك أنَّه إذا لم يقع شيء من الأداء فالعبد كما كان وللشريك فسخه؛ لأنَّه يؤدي إلى إبطال حقه من(94/22)
التصرف فيه، فأما إذا وقع شيء من الأداء فإنه عندنا يصير بمنزلة الحر في ذلك القدر فلا سبيل إلى فسخ الكتابة عنه ما لم يجز المكاتب ذلك ولا يجوز تبعيض الكتابة كما لا يجوز تبعيض التدبير؛ لأنَّه يؤدي إلى تبعيض العتق، وقد ثبت فساده، فوجب أن يضمن هو حصص الشركاء، وإن تنتقل الحصص إليه كما بيناه في التدبير، ويجب أن يستوي فيه إعسار المكاتب وإيساره على ما سلف القول؛ ولأنه مستهلك لحصصهم والعبد لم يعتق بعد فلا وجه للسعاية.(94/23)
باب القول في التدبير
إذا قال الرجل لمملوكه أنت حر بعدي، كان مدبراً يعتق إذا مات الرجل من ثلث ماله، وليس أن يبيعه في حياته÷ إلاَّ من ضرورة، ولا خلاف أنَّه يعتق بعد موته، وأنه يعتق من الثلث واختلف الناس في بيعه في حياة المدبر، قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز بيعه على وجه، وبه قال الناصر، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن عل عليهم السلام أن رجلاً أتى علياً فقال: إني جعلت عبدي حراً إن حدث بي حدث، أفلي أن أبيعه؟ قال: لا. ومعناه عندنا إذا لم يكن هناك حال ضرورة وحكى عن مالك، قال: لا يباع إلاَّ في الدين ويشبه أن يكون قوله مثل قولنا، ولما روي عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلاً دبر غلاماً له لا مال له غيره، وروي وعلي دين، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: من يشتريه. فاشتراه نعيم النخام، وفي بعض الأخبار: <إذا احتاج أحدكم فليبدأ بنفسه>، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنَّه باع مدبراً في دين الذي دبره فإذا ثبتت هذه الأخبار قلنا: طريقان أحدهما ما بيناه مشروحاً في كتاب البيوع، وهو أن التدبير حق غير مستقر قبل الموت، فكانت حال التدبير قبل الموت حال الوصية بعد الموت وأيضاً التدبير يوجب عتقاً من جهة القول سرى إلى الولد فوجب أن لا يجوز بيعه إلاَّ لعجز، ما دليله المكاتب لما كان عتقه من جهة القول، وكان يسري إلى الولد لم يرق إلاَّ بعز ما.
فإن قيل: التدبير لا يسري إلى الولد في أحد قولي الشافعي.(95/1)
قيل له: أما في أحد قوليه فإنه يسري ونحن ندل على صحة ذلك فنسقط قوله الآخر، فالدليل عليه ما روي عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وعثمان ولد المدبرة بمنزلة أمه لم يرو خلاف ذلك عن أحد من الصحابة فجرى مجرى الإجماع منهم فوجب ما قلناه، وأيضاً هو عتق يحصل مع زوال لك المعتق عنه بموته بسبب أوجبه في حياة فأشبه الكاتب والطريق الثاني أن نقول: أن الدلالة قد دلت على أن المدبر لا يجوز بيعه من جهة الأثر والنظر ثُمَّ ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر ببيع المدر لدين كان على المدبر، وروي أن رجلاً دبر عبداً له مال له ساه فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيعه فخصصنا بالأثر وعدنا في تلك الحال وهي في حال الضرورة عن القياس.
فإن قيل: ما ذلك الأثر وما ذلك النظر.(95/2)