ونصف نصيب الأنثى؛ لأنَّه يحتمل أن يكون أنثى ويحتمل أن يكون ذكراً وأيضاً قد ثبت في الأعيان كالدار والدابة أن ثلاثة إذا استووا في ادعاء شيء منها وجب أن يقسم بينهم أثلاثاً، وكذلك الحرية فإنها وإن كانت حكماً فهو في هذا بمعنى العين، فأما القرعة فإنها لا تميز بين الحر والعبد وهو من جنس القمار في هذا الباب، وإنما يجوز استعمالها في تطييب النفوس وما جرى مجرى ذلك من إزالة التهم وعلى هذا لو استعملها في القسمة لا أنها تفرق بين الحق والباطل وعلى هذا ما روي أن رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم أقرع بين نسائه لما أراد أن يسافر بواحدة منهن وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان له أن يخرج من شاء منهن ففعل ذلك تطييباً لأنفسهن وعلى هذا يحمل قول الله عز وجل: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} إن ذلك كان على وجه تطيب النفوس، وكذلك قوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَظِيْنَ} يحتمل أن يكون ساهم لتطيب نفوس القوم، وأما إلقاؤه نفسه في البحر فلا يجوز إلاَّ بأمر الله عز وجل إذ لا خلاف أن مثل تلك الحالة إن عرضت في مثل هذا الزمان لم يحمل لأحد أن يلقي نفسه في البحر بالقرعة بل لا يحل تعريض النفس للتلف إلاَّ بإذن شرعي، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى أن لا يفعل ذلك إلاَّ بأمر الله تعالى.(94/16)


وأما ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرع بين ستة أعبد وأعتق اثنين، فليس في الحديث كيف كان أمر القرعة ويحتمل أن يكون معنى أقرع بينهم ضرب بينهم السهام؛ لأن القرع هو الضرب، ومنه اسم المقرعة، وقوله: أعتق اثنين، المراد به الثلث من الستة فعبر عنه بالاثنين، فإذا احتمل ذلك لم يكن حمله على مذهبهم بأولى من حمله على مذهبنا بل حمله على ما ذهبنا إليه أولى للأدلة التي ذكرناها، ونذكرها على أن القرعة لو جاز أن نحكم بها في العتاق لجاز أن نحكم بها في الطلاق، كما حكى ذلك عن أبي ثور وحكى عنهم أنهم أجازوا إدخال القرعة في البينات كان يشهد شاهدان أن رجلاً طلق امرأته زينب في حال مات عقيبها وشهد شاهدان آخران أنَّه بعينه في تلك الحال طلق امرأته هنداً، وعلى هذا يلزمهم إدخال القرعة في جميع الأحكام الملتبسة حتى يخرجوا عن دين الإسلام، فإذا بطلت القرعة وثبت ما قلناه وجب أن يسعى كل واحد منهم في ثلثي قيمته؛ لأنَّه استحق ثلث الحرية وحصل الثلثان على وجه السراية فوجبت السعاية بما ذكرناه على أن كل من أبي القرعة، قال فيه بالسعاية وقد بطلت القرعة فوجبت السعاية، قال: فإن لم يمت السيد كان مخيراً في عتق أيهم شاء وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ووجهه أن كل من أوجب حقاً في ماله غير معين فالتعيين إليه مثل أن يقول: نصف ما في هذا الكيس من العين صدقة أو ثلثه أو جزء منه فعليه التعيين، فكذلك من اشترى شيئاً بألف فعليه تعيين الألف من ماله وكذلك من أستلف فيما يكال أو فيما يوزن أو في الثياب فإليه التعيين في ذلك، وكذلك قال أصحابنا فيمن له حق على رجل فتعذر عليه استيفاؤه: أنَّه ليس له أخذ ذلك من ماله إن ظفر به؛ لأن له الخيار في تعيين ذلك وكذلك زكاة الشاء والبقر، فلما ثبتت هذه الأصول وواقع هو العتق في غير معين من ماله كان خيار التعيين إليه، ويدل على ذلك أنَّه من باع فقيراً من صبرة من برٍ كان تعيين الفقير إليه، فكذلك تعيين(94/17)


العتق الذي ذكرنا.
مسألة
قال: وإن أوصى بثلثه لقوم بأعيانهم وجعل مملوكه كأحدهم في الوصية أو أوصى بثلثه أو دون ذلك لمملوكه عتق المملوك وسقط من قيمته ما يخصه من الوصية ولزمه السعي في باقيها للورثة، فإن كان ما يخصه يستغرق قيمته فلا سعاية عليه وعلى هذا إن زادت الوصية على قيمته عتق هو ولا شيء عليه ودفعت الزيادة إليه ووجهه أنَّه لما أوصى بثلث ماله أو بشيء من ثلث ماله له منفرداً أو مع جماعة بأعيانهم استحق هو من رقبته بمقدار ذلك وملكه فعتق؛ لأنَّه لا يجوز أن يملك نفسه بل ملك نفسه يوجب عتقه إذ لا يجوز أن ينتقل إليه الرق الذي يملكه المولى؛ لأنَّه لو انتقل إليه لقام فيه مقامه فثبت أن تمليكه إياه نفسه إنَّما هو عتقه فله ثلاثة أحوال، أما أن يكون الذي وقعت فيه الوصية له به مثل قيمته سواء، فإنه يعتق كفافاً لا شيء عليه ولا شيء له سوى عتقه أو تكون قيمته زايدة على ما رجعت الوصية به إليه فإنه يعتق سائره بعتق بعضه، ووقع العتق في ملك الورثة؛ لأن ما زاد من قيمته على قدر الثلث كان ملكاً للورثة، وكان المالك بالموت قد بطلت ذمته فصار بمنزلة من لا مال له فلزمه أن يسعى للورثة بمقدار ما زاد من قيمته على الموصي له بمنزلة الشريك الفقير يعتق نصيبه فيجب على العبد أن يسعى للشريك الذي لم يعتق بقيمة نصيبه على ما مضى القول فيه أو تكون قيمته دون ما وقعت الوصية له به فعتق ويذهب مقدار قيمته من الوصية ويستحق ما فضل عن ذلك يدفع إليه لتكون الوصية قد وصلت إليه كملاً، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وعلى هذا إن ظهر على الميت دين يحيط بجميع ماله بطلت الوصية وبقي العبد مملوكاً ويباع ولا شيء له في الدين، وكذلك إن لم يقبل العبد الوصية بطلت الوصية وبقي هو عبداً، قال: وإن أوصى لأقوام لا بأعيانهم وجعل مملوكة كأحدهم في الوصية لم يعتق وذلك كان يجعل ثلثه للفقراء، وقال: اجعلوا مملوكي كأحدهم لا يعتق؛ لأنَّه لا يستحق من رقبته شيئاً(94/18)


معلوماً ويجب أن تبطل الوصية أيضاً؛ لأنَّه لم يسم شيئاً معلوماً ولا يجوز أن يأخذ بالفقر.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال لعبيده: أثلاثكم أحرارٌ ولا مال له غيرهم عتقوا وسعوا له في ثلثي قيمتهم هذا على رواية المنتخب في منع الإنسان في الهبة والقربة مجاورة الثلث من ماله على ما ذكر، قال بذلك في صحته أو في مرضه، فأما على رواية الأحكام وهو الصَّحيح الذي نأخذ به ونعمل عليه فللصحيح أن يعمل في ماله ما شاء، فهذا يكون على ما قال المريض إذا قال له الذي مات فيه وقد نص على ذلك في الأحكام أنَّه قال فيه: إذا قال في حال مرضه كان كالوصية، والوصية لا تصح إلاَّ في الثلث، فكأنه أوصى بعتقهم ولا مال له سواهم، فإنهم يعتقون ويسعون في ثلثي قيمتهم كل واحد منهم في ثلثي قيمته، ولا فضل عنده بين أن يقول: أثلاثكم أحراراً وإن نقول: أنتم أحرار على ما مضى من أن العتق لا يتبعض، وإن عتق بعض العبد يوجب عتق جميعه، قال: وإن كانت قيمتهم ثلث ماله أو ونه عتقوا ولا سعاية عليهم وذلك أن عتقهم إلى الثلث جائزٌ على الأحوال كلها والرواية جميعها لا خلاف في ذلك.
مسألة(94/19)


قال: سواء أسلمت أم ولد الذمي سعت له في قيمتها ولم ترد إليه ووجهه مالا خلاف فيه بين المسلمين من أن الذمي لا يجوز أن يملك المسلم، وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك، فإذا لم يجز للذمي إمساكها بعد إمساكها بعد إسلامها، وكان لا يجوز بيعها عليه وجب أن تسعى في قيمة نفسها كالمكاتب لتخرج بأداء قيمتها من رقة، قال: فإن أسلمت أمته حكم عليه ببيعها من المسلمين، هذا لا خلاف فيه؛ إذ لا خلاف أنَّه لا يجوز له إمساك المسلمة على سبيل الرق، فإذا لم يكن ذلك حكم عليه ببيعه من المسلمين؛ لأن بيعه من المسلمين جائز لا خلاف فيه، قوله: حكم عليه ببيعه من المسلمين تنبيه على أنَّه لا يجوز بيعه من أهل الذمة خلافاً لأبي حنيفة من أن بيعه من الذمي يجوز ويمنع من إمساكه ويؤخذ ببيعه، وقول الشافعي: إنَّه لا يجوز وأظن أنَّه أحد قوليه، والدليل على ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلُ اللهُ لِلْكَافِرِيْنَ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ سَبِيْلاً} ومن أعظم السبيل يتمكن من تملك رقابهم وامتهانهم بذلك، وروي عن النبي صلى عليه وآله وسلم أنَّه قال: <الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ومن الغلو أن يتملك رقبته باختياره ويتصرف في ذلك>.
فإن قيل: أليس يملكه بالإرث وبأن يسلم عنده ويجوز التصرف فيه بالبيع.(94/20)

101 / 149
ع
En
A+
A-