فإن قيل: فقد روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: يعتق الرجل من عبده ما شاء ويسترق منه ما شاء، وهذا يدل على جواز التبعيض.
قيل له: ليس في الخبر أن ذلك في العبد الواحد يجوز أن يكون المراد به في الغرض أن ذلك لا تكون محاباة مكروهة فقد كرهت المحاباة والتخصيص في كثير من المواضع يبين صحة ما قلناه أن زيداً روى عنه عليه السلام في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما أنَّه يقوم عليه بالعد فيضمن لصاحبه حصته فلو صح أن يبعض عتق ما يملكه، كان ذلك فيما لا يملكه من نصيب شريكه أولاً، فكان القياس أن يضمن المعتق نصيب شريكه معسراً كان أو موسراً وحكى ذلك عن عثمان، حكاه أبو بكر الجصاص والأقرب أنَّه مذهب الناصر على ما حكى عنه في الألفاظ وفيه عن الناصر أنَّه لا سعاية على العبد لكنا عدلنا عن القياس فيه لإجماع العلماء على خلافه، وللسنة التي رواها قتادة عن رجاله، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة في إيجاب السعاية على العبد إذا كان المعتق معسراً؛ ولأن الأخبار التي وردت في تضمين المعتق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأكثرها وعامتها اشتراط اليسار فنبهت تلك الأخبار على أن تضمين المعتق إنَّما هو بشرط اليسار وخرجت به السنة التي رواها قتادة، فوجب القول به والقياس الذي عدلنا عنه ما ثبت من أنَّه مستهلك نصيب شريكه، فوجب أن يضمنه كما يضمن سائر ما يستهلك من أموال غيره، فصح ما ذهبنا إليه من أن لا ضمان على المعسر ولا يبعد أن يكون الصَّحيح أن الضمان كان عند المعتق لكنه لما كان معسراً انتقل بالسنة إلى العبد كما انتقلت ديته الخطأ إلى العاقلة للسنة الواردة فيه.
فإن قيل:
ففي بعض الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تضمين المعتق من غير شرط اليسار.(94/11)
قيل له: هذه الأخبار كلها واردة عن طريق ابن عمر وأكثر ما روى فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشتراط اليسار، فلا يبعد أن يكون الرواة حذفوا ذلك اختصاراً على أن الزيادة من حكمها أن تقبل ويضاف إلى الأصل سيما إذا كان أكثر الأخبار واردة مع الزيادة.
مسألة
قال: ولو كان عبد صغير بين رجلين فأعتق أحدهما نصيبه ولم يعتق الآخر وكان المعتق موسراً انتظر بالعبد بلوغه ثُمَّ استسعى في نصف قيمته يوم أعتقه، وهذا قد مضى شرحه وبيانه ولا فضل بين هذه المسألة وبين التي قبلها إلاَّ أن في هذه المسألة إن كان المعتق معسراً انتظر بلوغ الصبي للإستسعاء؛ لأنَّه لا يحكم عليه ما لم يبلغ ويقوم قيمته يوم عتق؛ لأنَّه استهلك يومئذ فهو بمنزلة من يغصب شيئاً، ثُمَّ استهلكه أنَّه يضمن قيمته يوم استهلكه وغصبه.
مسألة، قال: وكذلك إن ملك شقصاً من ذي رحم محرم عتق المملوك وقد مضى في باب الإماء من كتاب النكاح الكلام في عتق من يملكه ذو رحم محرم ونعيد طرفاً منه، وقول أبي حنيفة وأصحابه فيه مثل قولنا، قال الشافعي: لا يعتق إلاَّ آباؤه وأمهاته وأولاده وحجتنا الأخبار الواردة في هذا الباب منها ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <من ملك ذا رحم محرم فهو حر>، وروى أبو الحسن الكرخي بإسناده عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله: إني دخلت السوق فوجدت أخي يباع فاشتريته وأنا أريد أن أعتقه، فقال: <فإن الله تعالى قد أعتقه>، وروى الطحاوي فيه أحاديث كثيرة منها عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <من ملك ذا رحم محرم فهو حر>، وعن قتادة عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <من ملك ذا رحم محرم فهو حرٌ>.
فإن قيل: فسمرة يروي مرة ذا رحم فقط ومرة ذا رحم محرم فقط.(94/12)
قيل له: يحتمل أن تكون روايته ذا رحم محرم كما رواه علي وابن عمر، لكنه اقتصر مرة على أحد اللفظين ومرة على الأخرى تعويلاً على أن المقصد فيه معلوم، ورواه أيضاً موقوفاً عن عمر وابن مسعود، وحكى عن بعض الناس أن من ملك أباه لم يعتق عليه حتى يعتقه تعلقاً بحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا يجزي ولد عن والده إلاَّ أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه> وهذا معناه فيعتقه بالشراء لدلالة سائر ما رويناه ويقيس مع الشافعي على الولد والأبوين بعلة أن بينهما رحماً محرماً أو بأن التناكح بينهما محرم من أجل النسب ونقيس الأخل على الجد بعلة أنَّه عصبة يدلي بالأب وليس لهم أن يعتبروا الشهادة لأنا نقبل شهادة الابن لأبيه وشهادة الأب لابنه، فإذا ثبت ذلك وثبت ما قلناه من قبل أن العتق لا ينقض ثبت أن من ملك شقصاً من ذي رحم محرم عتق أجمع عليه.
مسألة
قال: وإن اشتراه وهو يعلم أنَّه يعتق إذا ملكه ضمن لشريكه ماله فيه وإن لم يعلم استسعى العبد فيه، أما القول في التضمين على حسب اليسار والإعسار، فقد مضى وهذه أيضاً يجب أن يجرى على ما مضى فيمن أعتق نصيبه من مملوك بينه وبين غيره؛ لأنهما جميعاً معتقان أحدهما بالقول والآخر بالشراء ولا فصل بينهما، فأما اعتبار العلم في هذا الباب فهو ما يضعف جداً على ما بيناه في كتاب الشفعة، وهذه المسألة أبين ضعفاً؛ لأنَّه ضمن ما ضمن لاستهلاك مال الغير ومن استهلك مال غيره فلا فصل في باب الضمان بين أن يستهلك عالماً أو جاهلاً، فكذلك في هذا الموضع فأما وجه اعتبار العلم في هذا فهو أن يقال: إن هذا الباب قد خص من سائر الإستهلاكات، بأن وضع ضمانه على المستهلك الجاهل وينقل إلى العبد لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <وضع عن أمتي الخطأ والنسيان> وهذه المسألة جرت في كتاب النكاح من كتاب الأحكام فاعتبر فيها العلم وذكرها في كتاب النكاح ونص فيه الإعسار واليسار على ما سلف القول فيه.(94/13)
فصل
وهذا إن ملكه بالشراء أو بأن وهب له فقبله؛ لأن الإستهلاك وقع بفعله، فإن اشترياه معاً أو وهب منهما فقبلاه معاً أو غنماه معاً أعني ذا الرحم وشريكه فعند أبي حنيفة لا يضمن ويستسعى العبد في حصة شريكه، وهذا قياس قول يحيى عليه السلام حين نقول: إن كان أحد الشريكين أذن لصاحبه في أن يعتق نصيب نفسه سقط عنه الضمان واستسعى العبد في نصيب الأذن، وذلك أنهما إذا اجتمعا على الشراء والقبول والاغتنام فكان كل واحد منهما راض يفعل صاحبه، أذن له فيه، قال أبو يوسف ومحمد: يضمن وإن كان شراؤهما وقبولهما معاً، فأما إن ملكه بالإرث فلا يضمن نصيب شريكه لا خلاف فيه وذلك أنَّه لا فعل له في استهلالك نصيب شريكه فوجب أن لا يضمن وإذا وهب شقصاً منه من صبي لم يبلغ وهو معدم وقبله له وليه فإنه يعتق عليه ولا ضرر يلحقه، وإن كان موسراً لم يقبله؛ لأنَّه يدخل غرامة الضمان عليه وفي ذلك إتلاف ماله بلا عوض وليس ذلك لولي الصغير إلاَّ أن يرى صلاحه في ذلك.
مسألة(94/14)
ولو أنَّه قال: أحدٌ مماليكي حرٌ وله ثلاثة مماليك، ثُمَّ مات ولم يبين الحر منهم عتقوا كلهم ولزم كل واحد منهم أن يسعى الورثية في ثلثي قيمته وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي: يقرع بينهم لتعيين الحر منهم بالقرعة، أما عتق المجهول فجائز لا أحفظ فيه خلافاً، وذلك أنَّه يجوز أن يعلق على الأحظار على ما بينا القول فيه ف التدبير وما جرى مجراه وليست الجهالة أعظم من تعلقه على الأخطار على أن في تعلقه على الخطر ضرباً من الجهالة فيمكن أن يقاس عليه غيره من الجهالات ويجوز أن تثبت في الذمة رقبة مجهولة كما تثبت في الظهار والقتل والنذر ويجوز أن يعتق كل مملوكٍ له وإن لم تعلم أعيانهم ولا عددهم على أنَّه يجوز أن يعتق كل مملوك في البيع قريب منه وهو أن يبيع فقيراً من صبرة من بر فالبيع صحيح وعلى البائع تعيينه، فإذا صح ذلك ومات المولى قبل أن يبين استحق كل واحد منهم ثلث الحرية؛ لأنَّه يثبت له الحرية في حال ويثبت عليه الرق في حالين، ألا ترى أنَّه إن كان هو المراد فهو حرٌ، وإن كان المراد أحد صاحبيه فهو عبد، وكذلك إن كان المراد صاحبه الآخر فهو عبد فهو حر في حالة وعبد في حالتين، فوجب أن يثبت لكل واحد ثلث الحرية، وكذلك القول في صاحبيه، وقد ثبت اعتبار الأحوال بما روي عن جرير بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمرهم بنصف العقل وذلك أنَّه لما احتمل أن يكون سجودهم لإظهار الإسلام وقبول ما دعوا إليه واحتمل أن يكون ذلك منهم تفادياً من القتل وعلى ما يفعله الشرك بعظمائهم وداهم وأسقط النصف لما استحقوا الدية في حال ولم يستحقوها في حال وثبت عن علي عليه السلام أنَّه راعى الغرقى في الأحوال لما جاز في كل واحد منهم أن يكون مات قبل صاحبه وجاز أن يكون مات بعد صاحبه، ولهذا قلنا في خنثى لبسة أن له نصف نصيب الذكر(94/15)