قيل له: هذا قائم إذا رضي به الأولياء معها، ولاخلاف في جوازه، على أن المهر الذي يقصر عن مهر المثل لا يعتبر به، الا ترى أن امرأة لو زاد في مهرها من تزوج بها رغبة فيها أضعافاً مضاعفة، لم يعتبر ذلك في مهور نسائها، وكذلك لو أن رجلاً باع سلعة بدون ثمن مثلها، أو فوق ثمن مثلها؛ لغرض من الأغراض، لم يعتبر ذلك في قيمة تلك السلعة إذا استهلكت عليه، فوضح سقوط هذا السؤال، يؤكد ما ذهبنا إليه ما اتفقنا عليه من أن تصرفها في مهرها بالإسقاط وبالإستيفاء والإستهلاك والإخراج له عن ملكها بعوض وغير عوض جائز، فوجب ألا يعتبر فيه رضى الأولياء، وأن لا يثبت لهم فيه حق.
مسألة [في أقل المهر]
قال: وأقله عشرة دراهم.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2)، وبه قال القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وحكى عن مالك أنَّه ما يقطع به السارق، وهو عنده ربع دينار، وقال الشافعي: هو كل ما يصح أن يتمول من قليل أو كثير من غيرتقدير.
والدليل على ذلك: حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم، لا يكون النكاح الحلال مثل مهر البغي>.
وأخبرنا أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى، أخبرنا علي بن محمد بن مهرويه، حدثنا ابن أبي خيثمه، حدثنا زكريا بن الحكم، حدثنا ابن المغيرة، عن مبشر بن عبيد، عن حجاج، عن عطاء، وعمرو بن دينار، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: < لا يَنكح النساءَ إلاَّ الأكفاء، ولا يزوجهم إلاَّ الأولياء، ولا مهر دون عشرة دراهم>.
وقد روي عن علي عليه السلام هذا القول، وما صح عنه، لم يجز عندنا خلافه.
وعند الشافعي المهر هو: ما جاز أن يكون ثمناً في المبيع(3) أو أجرة في الإجارة، صح أن يكون مهراً، سواء كان كثيراً أو قليلاً.
__________
(1) انظر الأحكام 1/348.
(2) انظر المنتخب 132.
(3) في (أ): البيع.(52/71)
فإن قيل لنا: فقد قال الله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا /67/ بِأَمْوَالِكُمْ}، وقال: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، وذلك يقع على القليل والكثير.
قيل له: لا خلاف بيننا وبينكم في أن العام يُبني على الخاص، فما ذكرتموه مبني على ما استدللنا به، على أن استدلالنا أولى؛ لأن الخبر ورد في ذكر المقدار وبيانه، وفيه وقع الخلاف، فكان الإستدلال به أولى، على أن اسم المال لا ينطلق من جهة العرف على التافه اليسير، فلو استدللنا بالآية، كنا أسعد.
فإن قيل: قال الله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلُ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيْضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}، فإذا فرض لها خمسة دراهم، لم تستحق بالطلاق قبل الدخول إلاَّ نصفها بظاهر الكتاب.
قيل له: نصف هذا المسمى لا خلاف في استحقاقه، وإنما(1) الخلاف فيما زاد على ذلك، فالزيادة لا ذكر لها ف الكتاب، فهي موقوفة على الدلالة، على أنَّه لا يبعد على أصولنا أن نقول إن تسمية الخمسة كَلاَ تسمية، فإذا طلقها قبل الدخول، كان لها المتعة، ونقول: إنها ممن لم يفرض لهن فريضة، فلم يشتمل عليها ظاهر الكتاب، وإن كان أبو العباس الحسني ـ رحمه الله تعالى ـ خرَّج على المذهب أن من سمى دون عشرة دراهم يبلغ به عشرة، ولا يزاد عليها، فيجب أن يكون المعتمد على هذا الجواب هو الأول.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه زوَّج رجلاً بما معه من القرآن.
وروي أن عبد الرحمن بن عوف أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه تزوج قال: <ما أصدقتها؟>، قال: وزن نواة من ذهب، قال: <أولم ولو بشاة>.
وحديث أبي الزبير، عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <من أعطى في صداق امرأة مِلْءَ كفه سويقاً، أو تمراً، فقد استحل>.
__________
(1) في (ب): وإن.(52/72)
وروي عنه أنَّه قال: <لا جُناح على امرء أن يتزوج من ماله بقليل أو كثير إذا أشهد>.
قيل له: أما ما روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم زوج رجلاً بما معه من القرآن، فلا دليل في ظاهره، ولا بد فيه من التأويل؛ لأن أحداً لا يقول: إن نفس ما معه من القرآن يكون مهراً، وقد ثبت عندنا أنَّه لا يجوز أن يتناول على التعليم أجره؛ لأن تعلم القرآن لا يجوز أن يستحق عليه أجرة، لما بيناه في مسألة أخذ الأجرة على الأذان، وتأويله أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم زوجه لذلك، لا أنَّه جعله مهراً، كما أن الرجل الدِيِّن يزوَّج لدينه، لا أن الدِين يكون مهراً.
وأما قول عبدالرحمن بن عوف إني أصدقتها وزن نواة من ذهب، فيجوز أن يكون كان ذلك الذهب عشرة دراهم، وأن تكون النواة التي وزن بها، كان وزنها، يبلغ ديناراً، ويحتمل أن يكون ذلك /68/ مما قدمه، ولم يكن جميع المهر، وحديث جابر: <من أعطى في صداق امرأة مِلْءَ(1) كف من سويق، أو تمر، فقد استحل>، فلا يتناول موضع الخلاف، لأنَّه لا خلاف أن الإستحلال حاصل، فهو الذي تضمنه ظاهر الخبر، والخلاف في جواز الإقتصار به على ذلك القدر، وليس ذلك في الخبر، وهكذا الجواب إذا تعلقوا بما روي (( لا جناح على امرء أن يتزوج من ماله بقليل أو كثير)).
[قلنا هذا محتمل وقد فسر القليل بعشرة دراهم، الخبر الذي رويناه] (2) وسائر ما يتعلقون به مما يجري مجراه، فالجواب عنه على الطريقة التي بيناها.
ولا خلاف بيينا وبين الشافعي أن اليد لا تقطع إلاَّ في مقدار من المال، فوجب أن لا يملك الدفع إلاَّ بمقدار من المال، والعلة أنها استباحة عضو محظور لا يستباح إلاَّ بمال، على أن الدلالة قد دلت عندنا على أن لا قطع إلا في عشرة دراهم، فوجب أن يكون أقل المهر عشرة دراهم؛ للإعتبار الذي قدمناه.
__________
(1) في (ب): وخل.
(2) ما بين المعكوفين ساقط من (ب).(52/73)
ويدل على ذلك أنَّه حق لله تعالى وجب ابتداء من غير نذر، ولا استهلاك، فوجب أن يكون له تقدير، كالزكوات والكفارت، ويبين أنَّه حق لله سبحانه وتعالى أن الزوج والزوجة لو تراضيا على أن المهر لم يصح ذلك، ووجب أن يثبت المهر، واعتبارنا أولى من اعتبارهم ذلك بالبيوع والإجارات؛ لأنا قد اعتبرنا ما لله سبحانه فيه حق بما له سبحانه فيه حق، وما لا بد من دخول المال فيه، ولأن اعتبارنا يفيد شرعاً مجدداً، و يستند إلى النصوص القاطعة.
مسألة [في النكاح على دون مهر المثل بغير رضى الزوجة]
قال: ولو أن ولياً، أباً كان أو غيره، زوَّج حرمته على دون مهر مثلها بغير رضاها، كان لها مهر مثلها، إلاَّ أن يزوج الأب ابنته الصغيرة، فإن حكمه جائز عليها.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
وقول أبي حنيفة في تزويج ابنته الصغيرة بدون مهر مثلها مثل قولنا، وأباه أبو يوسف، ومحمد، والشافعي.
ووجه ما ذهبنا إليه: أن البالغة إذا زوَّجها وليها بدون مهر مثلها، أو إذا زوج الصغيرةَ وليها ـ ما لم يكن الولي الأب ـ بدون مهر مثلها، أن لها الخيار في فسخ عقدة النكاح عليها؛ لأن المهر ليس بأوكد من عقدة النكاح، فإذا افتقرت عقدة النكاح إلى رضاها، افتقرت عقدة المهر إلى ذلك.
ووجه قولنا: إن الأب إذا زوج ابنته الصغيرة بدون مهر مثلها، جاز ذلك، أنا قد علمنا أنَّه لو زوَّجها بدون مهر مثلها برضاها وهي بالغة، أجزأ ذلك، فكذلك إذا زوَّجها به وهي صغيرة، دليله عقدة النكاح، لَمَّا كان إذا زوَّجها برضاها وهي بالغة، كان العقد ماضياً، كذلك إذا زوَّجها وهي صغيرة، والمعنى أنَّه عقد يستباح به بضعها.
__________
(1) انظر الأحكام 1/369.(52/74)
يبين صحة هذا: أن سائر العقود لايستباح به بضعها لاستواء الأمر بين أن يعقد عليها وهي صغيرة، وبين أن يعقد عليها برضاها وهي كبيرة، وعقد النكاح لما كان يستباح به بضعها، استوى الأمران فيه، ولا يجب أن يكون سبيل المهر سبيل بيع مالها بدون قيمة مثله؛ لأن القصد بالبيع الثمن، فلم يجز أن يبخسها حظها فيما هو المقصود، وليس المقصد بالنكاح المهر، بل المقصد فيه أن يختار لها موضعاً لا يضع منها، ولا يحصل لها به أذيَّة، يكشف ذلك أن سائر /96/ العقود من البياعات والإجارات لما كان المقصد بها الأعواض، لم يراع فيها حال العاقد، فبان أن المقصود ما سواه، وإنما وجب حصول العوض فيه للتعبد، لا أنَّه المقصود.
وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوَّج ابنته فاطمة صلوات الله عليها على صداق خمسمائة درهم، وهي سيدة النساء، وقد علمنا أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ليبخسها حظها، وقد ذكرنا ما روي من قول عمر: ألا لا تغالوا بصداق النساء.
وروي أنَّه قال ذلك في خطبته، فلم ينكر عليه، فبان أن سبيله لو كان سبيل أثمان السلع، لجازت المغالاة فيه، بل يجب ذلك إذا كان للصغيرة أو الصغير ما أمكن، فبان به الفرق بين المهر وبين أثمان السلع.
مسألة [في النكاح على حاكم زائل العقل وفي عدم تسمية المهر]
قال: ومن تزوج، أو زوَّج على حكم زائل العقل، كان للمرأة مهر مثلها، وكذلك لو تزوج الرجل المرأة ولم يذكر المهر.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، ونص (2) أيضاً في (المنتخب) (3) على أن ذلك فيمن تزوج ولم يسم مهراً.
__________
(1) انظر الأحكام 1/369.
(2) في (أ): ونص أصحابنا أيضاً.
(3) انظر المنتخب 130.(52/75)