ووجهه: أنها إذا كانت غريبة مجهولة النسب، فلا سبيل إلى معرفة أوليائها من ذوي الأنساب إلاَّ من جهتها، فيجب أن يكون قولها في ذلك مقبولاً، وأما الاستحلاف فعلى سبيل الاحتياط إن رأى الحاكم ذلك.
مسألة [في المرأة ينكحها وليان لرجلين]
قال: ولو أن وليين أنكحا [بامرأة] (1) رجلين، وكان أحدهما أقرب في النسب، ثبت عقده دون عقد الأبعد، فإن استويا، صح العقد المبتدأ به، فإن عقدا معاً، أو التبس أي العقدين كان أولاً، ابتديء العقد بمن(2) ترضى به المرأة.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3) ومروي فيه نحوه عن القاسم عليه السلام.
قال أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى، هذا إذا كانا زوجاها بإذنها، وهذا كما قال: لأن الهادي إلى الحق عليه السلام قال في (الأحكام) (4): ((إلاَّ أن ترضى المرأة بأحدهما وتسخط الآخر)). فثبت أن(5) النكاح بينها وبين من ترضى به، ولا يجب إعادة النكاح، /59/ وهذا قول أبي حنيفة.
ما قلناه من أنَّه لا يجوز إنكاح الأبعد مع الأقرب، وقلنا: ان الوليين المتساويين إذا أنكحاها من رجلين، صح العقد المبتدأ به: لما رواه أبو داود في (السنن) (6) بإسناده، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <أيما امرأة زوجها وليان، فهي للأول منهما، وإيما رجل باع بيعاً من رجلين فهو للأول منهما>. ولأن أحد الوليين إذا زوجها من رجل بإذنها، ثبت العقد بينها وبينه، وصارت مزوجة، فلم يقع عليها إنكاح الثاني غير عالم بعقد الأول، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (أ): لمن.
(3) انظر الأحكام 1/348.
(4) انظر الأحكام نفس الصفحة.
(5) في (أ): فيثبت النكاح.
(6) أخرجه أبو داود في السنن 2/237.(52/66)
وحكي عن مالك، أنَّه قال: إذا دخل بها الثاني غير عالم بعقد الأول، فهو أولى بها، وإن دخل مع العلم، أو لم يدخل بها، فهي للأول، وهذا الفرق لا معنى له لما بيناه، ولأنه قد وافق أنَّه إن لم يدخل [بها] (1)، أو دخل بها مع العلم فهي للأول، والجهل لا يزيل النكاح الثابت، ولا خلاف أن الأختين لو تزوج الرجل إحداهما بعد الأخرى، ثُمَّ دخل بها غير عالم بالحال أن النكاح الأول هو الثابت دون الثاني، فكذلك ما اختلفنا فيه، والعلة أنَّه نكاح فاسد عرض بعد نكاح صحيح، فلم يجب أن يفسد الصَّحيح، ويصح الفاسد؛ للدخول على سبيل الجهل، فأما إذا وقع العقدان معاً، أو لم يدر أي العقدين وقع أولاً، وقد كانت المرأة أذنت لكل واحد من الوليين بالإنكاح، فوجه إبطالنا العقدين أن ثبوتهما ممتنع لا يصح، وليس أحدهما بالبطلان أولى من الآخر، فوجب أن يبطلا جميعاً، كما أن رجلاً لو تزوج أختين في عقد واحد، أو تزوج خمس نسوة في عقد، بطل نكاح الجميع؛ للوجه الذي ذكرناه، وأما إذا زوجها بغير إذنها، لم يكن واحد من العقدين ثابتاً، وكانا جميعاً موقوفين، فثبت ما ترضى به المرأة، وهذا لا يشبه ما قلناه من فساد العقدين إذا كانت قد أذنت لكل واحد منهما، لأنه لا مزية هناك لأحد العقدين على الآخر، والذي ذكرناه أخيراً لأحد العقدين مزية على الآخر، لأن رضى المرأة به يتم العقد، وقد حصل مع أحدهما، وهناك قد حصل رضاها مع كل واحد منهما.
مسألة [في تزويج المرأة غير الكفؤ مع كراهة الأولياء]
قال: وليس للمرأة أن تتزوج غير الكفؤ [مع] (2) كراهة الأولياء، والكفؤ في الدين والنسب جميعاً. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3)، وقد استقصينا في هذه الجملة الكلام فيما مضى من كتابنا فلا وجه لإعادته.
مسألة [في تولي المرأة عقد النكاح]
__________
(1) سقط من (أ).
(2) سقط من (أ).
(3) انظر الأحكام 1/366 ولفظه: وإن كرهوا أحداً لم يلزموا ما كرهوا.(52/67)
ولا يصح نكاح تعقدة المرأة، فإن ملكت امرأة عقدة النكاح بالولاء أو الملك، وكلت رجلاً بعقده.
ويستحب أن تستشار الأم في إنكاح ابنتها، وإن لم يكن لها من التزويج شيء. وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) (1).
أما ما ذهبنا إليه من أنَّه لا يصح نكاح بعقدة المرأة، فهو قول الشافعي، وأجاز ذلك أبو حنيفة.
والأصل فيه حديث علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <أيما امرأة تزوجت بغير ولي، فنكاحها باطل>، وحديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: <البغايا اللاتي يزوجن /60/ أنفسهن بغير ولي>، وقد مضى إسنادهما.
وحديث ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا تُنْكِح المرأةُ المرأةَ، ولا المرأةَ نفسَها>، وفي بعض الحديث ((فإن الزانية التي تزوج))، وفي بعضها <التي تُنكح نفسها> فكل ذلك تصريح بما ذهبنا إليه، وعن ابن عباس: ((البغايا اللاتي يتزوجن(2) بغير ولي)).
وحديث عبدالرحمن بن القاسم، عن عائشة، أنها أنكحت رجلاً من بني أخيها، جارية من بني أخيها فضربت بينهم بستر، ثُمَّ تكلمت حتى إذا لم يبق إلاَّ النكاح، أمرت رجلاً فأنكح، ثُمَّ قالت: ليس إلى النساء النكاح، وقد ذكرنا إسناد هذين الحديثين فيما مضى من كتابنا هذا، ولم يرو خلاف ذلك عن غيرها، فجرى مجرى [بذلك] (3) الإجماع.
وأيضاً هو أمر يفتقر إلى الشهود فوجب أن يكون إمضاؤه لا يجوز للنساء، دليله الحكم.
فإن قيل: فأنتم تجوزون للمرأة إذا ملكت عقد نكاح بالملك أو الولاء أن توكل من يعقده، وهذا يدل على أن لها أن تعقد.
__________
(1) انظر الأحكام 1/375 ـ 376.
(2) في (أ): تزوجن.
(3) سقط من (أ).(52/68)
قيل له: لها أن تستنيب فيما لا يصح فعله منها، كالحائض تُحج عن نفسها، وفي الحج الطواف، ولا يصح طوافها لو طافت وهي حائض، والرجل قد يملك غيره بالبضع الذي لا يملكه، على أن العقد إن كان للإنسان، فلا يمنع أن يعقد(1) بنفسه وبغيره، فكان ذلك هو الأصل في عقد النكاح إذا ملكته المرأة لأن لها أن تستوفيه بنفسها وبغيرها، فلما منعها الشرع من استيفائه بنفسها، وجب أن يكون استيفاؤه بغيرها جائزاً على ما كان عليه، فلهذا قلنا: تُولي من يعقد عنها على أمتها ومولاتها.
وقلنا: إنَّه يستحب أن تستشار الأم في إنكاح ابنتها تعظيماً لحقها، لقول الله تعالى: {وَوَصِّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً}، وقوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِيْ وَلِوَالِدَيْكَ}، ولأن ذلك أقرب إلى الألفة والإلتئام، وأذهبُ في طريقة صلة الرحم، وقد ندب الله إليها وبعث عليها.
باب القول في المهور
[مسألة في ماهية المهر]
المهر ما تراضى عليه الزوج والزوجة.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2)، والمراد به إذا كان كل واحد منهما بالغاً رشيداً، وهو قول [أبو حنيفة و] (3) أبي يوسف ومحمد، والشافعي، قال أبو حنيفة إن كانت رضيت بدون مهر مثلها، فللأولياء أن يمنعوا ذلك.
ووجه ما ذهبنا إليه: أن المهر حق للمرأة يصح منها الانفراد باستيفائه وبإسقاطه، فوجب أن لا يعتبر فيه سخط الأولياء ولا رضاهم.
دليله سائر حقوقها من البيع، والإجارة، والشفعة، وغيرها مما يجري مجراها.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <أدوا العلائق، قيل: وما العلائق؟ قال: ما تراضى به الأهلون>.
قيل له: الأهلون الزوج والزوجة بالدلالة التي مضت.
فإن قيل: فإن الأولياء تلحقهم غضاضة بتقصيرها في المهر، كما يلحقهم في وضعها نفسها في غير كفؤ، فوجب أن يكون لهم المنع منه، كما كان لهم المنع من وضعها نفسها في غير الكفؤ.
__________
(1) في (أ): يعقده.
(2) انظر الأحكام 1/348.
(3) سقط من (أ).(52/69)
قيل له: لسنا نسلم أن التقصير في المهر غضاضة حتى يقال: إنها تلحق الأولياء، يكشف ذلك أنها لو ابرأت زوجها من جميع مهرها بعد استحقاقها إياه، لم يكن فيه غضاضة، بل ذلك منها تفضل وإحسان، وكذلك إذا رضيت في الإبتداء بدون مهر /606/ مثلها بعد استحقاقها إياه لم يكن فيه غضاضة، بل تفضل وإحسان، ومما يكشف ذلك: ما رواه أبو داود في (السنن)(1) بإسناده عن عمر أنَّه قال: ألا لا تغالوا بصداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله تعالى، كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لامرأة من نسائه ولا امرأة من بناته، أكثر من اثني عشر أوقية.
وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام ما نكح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة من نسائه إلاَّ على اثنتي عشرة أوقيه، فبان أن المغالاة لا جمال فيها، فوجب أن يكون التقصير لا غضاضة فيه، ألا ترى أن الأكفاء في الدين والنسب، لَمَّا كان في فقدهما غضاضة كلما كان الزوج أرفع حالاً فيهما، كان أتم في الجمال.
فإن قيل: فإن مهرها قد يعتبر به مهور نسائها من بعدها، فمتى حصل فيه التقصير، لحقهن الضرر، فوجب أن لا يجوز ذلك.
__________
(1) أخرجه أبو داود في السنن 2/241 وفيه بصُدق النساء، ولا أصدِقتِ امرأة من بناته.(52/70)