قيل له: لأن الوكيل مُعبِّر عن غيره، وليس كذلك الوصي، ألا ترى أن الموكِل إذا مات، بطلت وكالة الوكيل، وليس كذلك الوصية، لأنها لا تستقر إلاَّ بعد موت الموصي، ويدل على ذلك أنَّه قد ثبت أن الولاية حق للأولياء بدلالة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الأيم أحق بنفسها في غير كفؤ)، ولما ثبت عندنا أن الكبيرة مع صحة تصرفها في سائر حقوقها لا يصح تصرفها في ولاية النكاح من دون الأولياء، فإذا /56/ ثبت ذلك، وجب أن لا يصح تصرف الوصي، كما لا يصح تصرفه بحقوق الورثة الكبار، والعلة أنَّه حق بالغ رشيد، فوجب أن لا يصح تصرف الوصي فيه، ويؤكد ذلك أن الوصي لا غضاضة عليه فيما يكون من المرأة من وضعها نفسها في غير كفؤ، وليست(1) له الولاية العامة، ولا التعصيب، فوجب ألا يجوز إنكاحه كسائر الأجانب.
فإن قيل: أليس يحيى عليه السلام أجاز نكاح الوصي في كتاب الوصايا من (الأحكام) (2)؟
قيل له: أجاز ذلك إذا لم يكن أحد من العصبة، فأجراه مجرى غيره من المسلمين، على أنَّه لا يمتنع أن يقال: إن تقديمه يستحب على غيره إذا لم يكن أحد من العصبة، ولم يوجد حاكم، كما نص على ذلك في ذي الرحم.
مسألة [في ولاية الكافر على المسلمة والمسلم على الكافرة والمدبر والمكاتب وقريب الرضاع]
قال: والمسلم لا يكون ولياً للكافرة والكافر لا يكون ولياً للمسلمة، لا في النكاح، ولا في السفر، ولا ولاية في النكاح للمملوك، ولا المدبر، ولا المكاتب، ولا لذوي الأرحام، ولا لمن يقرب بالرضاع، ويستحب تقديم ذي الرحم في الإنكاح على الأجنبي، ولا يجب.
جميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام) (3) إلاَّ ما ذكرناه في ذوي الأرحام فإنه منصوص عليه في (المنتخب) (4)، على أنَّه قال في (الأحكام) (5) (الأولياء هم العصبة) فنبه على أن لا ولاية لذوي الأرحام.
__________
(1) في (أ): ليست.
(2) انظر الأحكام 2/429.
(3) انظر الأحكام 1/373.
(4) انظر المنتخب 126.
(5) انظر الأحكام 1/347.(52/61)


ما ذكرناه من أنَّه لا ولاية للمسلم على الكافرة ولا لكافر على مسلمة مما لا أحفظ فيه خلافاً، وقد قال الله تعالى: {َلا تَتَوَلُّوا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلِيْهِمْ}، وقال سبحانه: {لا يَتِّخِذَ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِيْنَ أَوْلِيَاءَ، مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِيْن}، فمنعنا أن نتخذهم أولياء أو نكون أولياء لهم، وقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، وقال في الكافرين: {بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، فدل على أن ولايتهم مقصورة عليهم، وأن ولايتنا مقصورة علينا.
وقلنا: إن الكافر لا يكون ولياً للمسلمة في السفر؛ لأنَّه لا يؤمَن عليها، ولا يوثَق بدينه.
وقلنا: العبد لا ولاية له؛ لأنه لا يلي نفسه، فوجب أن لا يلي غيره كالصغار والمجانين، ولأنه لا سهم له في الغنيمة، ولا يقلَّد القضاء، فأشبه الصغير، وكذلك المكاتب والمدبر، للوجه الذي ذكرناه.
فإن قيل: فالمكاتب يتصرف؟
قيل له: تصرفه يجري مجرى تصرف العبد المأذون له في التجارة؛ لأنه لا يلي نفسه، على أنا قد بينا أن الولاية مقصورة على التعصيب، فأوجب ذلك صحة ما قلناه في ولاية المسلم والكافر والعبد؛ لأنَّه لا تعصيب لهم.
وأما ذوو الأرحام، فقد قال أبو حنيفة: إنهم يكونون أولياء إذا لم يكن [هناك] (1) عصبة، وما بيناه من أن الولاية مقصورة على التعصيب، فوجب(2) أن ذوي الأرحام لا ولاية لهم، وأنهم بمنزلة الأجانب.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَأُلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (أ): يوجب.(52/62)


قيل له: حُكى عن المفسرين أنها نزلت في معنى الميراث، وذلك أنَّه روي أن المسلمين كانوا يتوارثون بالهجرة لقول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَالَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى /57/ يُهَاجِرُوا} فنسخت هذه الآية، وهذا الحكم، بقوله تعالى: {وَأُلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}، على أنا لا نمتنع أن نقول: إن ذوي الأرحام أولى من سائر المسلمين على طريق الاستحباب، إذا لم يكن أحد من الأولياء، وصارت ولايتها إلى جميع المسلمين، فتحمل الآية على ذلك.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [أنَّه قال] (1): (الخال ولي من لا ولي له).
قيل له: هذا الخبر ـ وإن صح ـ لم يفد موضع الخلاف؛ لأنا نقول: إنَّه ولي، ولكن ولايته كولاية واحد من المسلمين إذا لم تكن عصبة، ولا سلطان، يؤكد ما ذكرناه أن ولاية النكاح من حكمها ان لا تستقر للبعيد مع القريب إذا كانا جميعاً من أهل الولاية الخاصة، فلو كان الخال ولياً؛ لوجب أن لا يكون لابن العم معه ولاية، وهذا فاسد بالإجماع، ولا يلزم عليه الإرث؛ لأن الإرث قد يحصل للبعيد مع القريب، ألا ترى أن ابن العم يرث مع الابنة، وابنة الابن، ومع الأخوة لأم.
وقلنا: يستحب تقديم ذوي الرحم على غيره من المسلمين لمزية القربى التي له، ولقول الله تعالى: {وَأُلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}، ولأن الإحتياط مستحب في المناكحات إذا أمكن.
مسألة [في مدة انتظار الولي المسافر]
قال: وأقصى الغيبة التي يجب معها انتظار الولي للإنكاح أن يكون الولي على مسيرة شهر، إلاَّ أن يكون البلد الذي هو فيه لا ينال.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (2).
__________
(1) سقط من (ب).
(2) انظر المنتخب (128).(52/63)


وحكي عن أبي يوسف أن الغيبة المنقطعة مثل ما بين بغداد والري، وعن محمد مثل ما بين الري والكوفة، وروي عنه ما بين الرقة والبصرة، وهذا قريب من تحديد يحيى عليه السلام.
ووجه ما ذهبنا إليه أن الولاية حق للولي ثابت فلا ينقطع إلاَّ بالتوقيف، ولا توقيف فيما دون ما ذهبنا إليه؛ لأن الناس قد اختلفوا فيه، ولم يَرِد فيه أثر، وماذكرناه قد أجمع على أن الولاية تنقطع معه، فقلنا به.
فإن قيل: فهذا مما يلحق المرأة عنه ضرر.
قيل له: ولو قلنا غير ذلك ألحقنا الضرر بالولي لبخس حقه من الولاية وامتات حرمته عليه، على أن الضرر إذا كان فيما يوجبه الشرع، فيجب ان يحتمل، ألا ترى أن امرأة المفقود يلزمها الصبر على ما يلحقها من الضرر.
وقلنا: أن لا(1) يكون الولي في بلد لا ينال؛ لأن ذلك في الحكم أبعد من البلد الذي بينه وبينها مسيرة شهر، لأن ذلك ينال في شهر، وما ذكرناه لا ينال.
مسألة [في المرأة لس لها وي أو نقيب أو يأبى تزويجها]
وإذا لم يكن للمرأة ولي، أو غاب غيبة منقطعة، أو أبى تزويجها من الكفؤ، كان إمام المسلمين وليها، أو من يلي من قبله، فإن لم يكن إمام، فرجل من المسلمين ترضى به المرأة.
وقد نص في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3) على ذلك جملة.
لا خلاف أن المرأة إذا لم يكن لها ولي، كان الإمام وليها، أو من يقوم مقامه، وكذلك إن غاب غيبة منقطعة، أو عضلها.
وقد دل على ذلك ما قدمناه من حديث علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله /58/ وسلم قال: (أيما امرأة تزوجت بغير ولي، فنكاحها باطل، وإن لم يكن لها ولي، فالسلطان ولي من لا ولي له).
وفي حديث عائشة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : <فإن تشاجرا، فالسلطان ولي من لا ولي له>.
__________
(1) في (أ): إلا أن يكون.
(2) انظر الأحكام 1/345، 346، 406.
(3) انظر المنتخب 126، 128.(52/64)


واختُلِفَ إذا لم يكن سلطان، فمن الناس من قال: عليها أن تصبر، وقال أبو ثور مثل قولنا مع فقد الأولياء والحاكم، وزاد فقال ذلك مع وجود الأولياء.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه، قول الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وِالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، فأثبت لبعضهم الولاية على بعض، فوجب بظاهره أن يكون كل مؤمن ولياً لكل مؤمنة، إلاَّ حيث يخص الدليل، وإذا ثبت ذلك، وثبت أن الولاية العامة لا تكون مع الولاية الخاصة، خصصنا الولاية العامة ما وُجِدَت الولاية الخاصة، فإذا فُقدت، وجب إثبات الولاية العامة بظاهر الآية، ويدل على ذلك قول الله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِيْنَ مِنْ عِبَادِكُمْ} [النور:32]، وهذا عام في العصبات، والأقارب، والأجانب.
ويدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:<إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه}، ولم يشترط ان يكون المزوج قريباً أو بعيداً.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: <لا نكاح إلاَّ بولي>، وكل من ولته المرأة أمرها يتناوله اسم الولي، فوجب أن يصح إنكاحه(1)، ولا خلاف في البالغة إذا كان لها إخوة، أنها إذا فقدت ولاية الأب، لم تعدم ولاية غيره، فكذلك التي لا أقارب لها إذا فقدت ولاية الإمام، وجب أن لاتعدم ولاية غيره، والعلة أنها أيم افتقدت أبداً. فوجب أن لا تعدم ولاية غيره، يوضح ذلك أنها لما انقطعت منها ولاية الأقارب، حصلت لها ولاية الإمام، فكذلك يجب أن يحصل لها ولاية سائر المسلمين؛ لئلا يلحقها الضرر بفقدها من يُنكحها، فإذا ثبت بما بيناه أن ولايتها تحصل للمسلمين، فأيهم رضيت به المرأة، جاز إنكاحه لها.
مسألة [في المرأة تدعي ألاَّ ولي لها]
قال: ولو أن امرأة غريبة ادعت أن لا ولي لها، فأكثر ما عليها أن تُستحلف على ذلك.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (2).
__________
(1) في (ب): نكاحه.
(2) انظر المنتخب 134.(52/65)

97 / 142
ع
En
A+
A-