فإن قيل: فقد قال تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِيْنَ}، فجعل ذلك خالصاً له صلى الله عليه وآله وسلم، دون ما سواه.
قيل له: قد قيل في معنى قوله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ} أن المراد به خالصة من غير مهر؛ لأن غيره صلى الله عليه وآله وسلم لا تحل له المرأة إلاَّ بمهر، ويدل عليه ما تقدم من قوله تعالى: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِيْ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ}، ثُمَّ قال: {وَامْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيَ}، فبين أن النكاح جائز له بالمهر وبغير المهر، لأن الأجور هي المهور، وقد قيل [عنه] (1) أن المراد به خالصة لك، فلا تحل لأحد من المؤمنين(2) بعدك، أو بعد فراقك إن فارقت، واستدلوا عليه بأنه لم يتقدم هذه اللفظة ما يجب تأنيثه غير المرأة، فوجب أن يرجع قوله سبحانه: {خَالِصَةً لَكَ} إلى ذاتها دون ما سواها، وإذا كان الأمر على ما بينا لم يصح أن يقال: إن المراد العقد بلفظ الهبة، وأن ذلك هو الذي خلص(3) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من دون المؤمنين.
ويدل على ذلك: ما رواه هناد أن محمد بن كعب القرظي، وعمر بن الحكم، قالا: إن التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ميمونة بنت الحارث امرأة من بني بكر.
ورى هناد بإسناده، عن جابر، عن الحكم، عن علي بن الحسين، أو الحسن بن علي عليهم السلام أن التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أم شريك الدوسية [و] (4)بإسناده عن هشام، عن أبيه، قال: كان يقول: إن خولة بنت حكيم(5) من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فهذه الأخبار تدل على أن الهبة كانت له عقداً صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا ثبت ذلك له، ثبت لسائر أمته على ما بيناه.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (أ): المسلمين.
(3) في (ب): يخلص.
(4) سقط من (ب).
(5) في (ب): حكم.(52/51)


وروي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله، إني وهبت نفسي لك، قال: (مالي في النساء حاجة)، فسأله رجل أن يزوجه إياها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرجل: (قد ملكتكها على ما معك من القرآن).
فدل ذلك على أن النكاح يقع بلفظ التمليك كالبيع، ولا /51/ خلاف أن الطلاق يقع بالتصريح والكناية، والعلة أنَّه عقد يختص منافع البضع، وأيضاً يملك بلفظ الهبة بضع الأمة، فوجب أن يملك به بضع الحرة، والعلة أنَّه من لفظ التمليك، ويعضد قياسنا أن البيع موضوع لتمليك المنافع والأعيان، والنكاح موضوع لتمليك المنافع دون الأعيان، فلما ملك بالبيع الأعلى، كان أن يملك به الأدنى أولى.
وأيضاً قياسنا يفيد شرعاً، فوجب أن يكون أولى، ولا يعترض ما ذهبنا إليه لفظ الإباحة والإحلال، لأنهما لا يقتضيان التمليك.
مسألة [في المشرك يسلم وعنده أكثر من أربع]
قال: ولو أن مجوسياً تزوج امرأتين في عقدة واحدة، ثُمَّ ثلاث نسوة في عقدة، ثُمَّ أسلم، وأسلمن، ثبت نكاح المرأتين، وبطل نكاح الثلاث، فإن كان تزوج ثلاث نسوة في عقدة، ثُمَّ امرأتين، صح نكاح الثلاث، وبطل نكاح المرأتين، وعلى هذا القياس كل من شاركت الخامسة في العقدة، بطل نكاحها، ونكاح الخامسة.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وروى نحوه عن قتادة.
قال محمد، والشافعي: يختار منهن أربعاً، وحكى أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى، عن محمد بن يحيى عليهما السلام أنَّه إن تزوجها بغير شهود، ثُمَّ أسلما، فهما على نكاحهما إذا كان ذلك جائزاً عندهم.
قال أبو العباس الحسني: وكذلك إذا تزوجها بغير ولي، قال: فإن كان نكحها وهي في عدة، ثُمَّ أسلما، فُرِّق بينهما، قال أبو حنيفة: لا يُفَرَّق بينهما.
__________
(1) انظر الأحكام 1/393.(52/52)


والأصل في ذلك ما أجمعنا عليه من أنَّه لو تزوج بذات رحم محرم، ثُمَّ أسلما، وجب التفريق بينهما، وكانت العلة فيه أنهما تناكحا على وجه لو تناكحا عليه في الإسلام، لم يكن للإجتهاد مسرح في تثبيت نكاحهما، فوجب أن يكون ذلك حكم من تزوج خمساً في عقدة، وحكم من تزوج اختين في عقدة، ولا يلزم عليه لو تناكحا بغير ولي وشهود، لأن هذا التناكح مما للإجتهاد فيه مسرح في تثبيته.
ويدل على صحة هذا الإعتبار ما يثبت(1) أن حكمنا وحكم الكفار سواء في الشرع فيما يحل ويحرم، وإن كنا نتركهم على كثير مما هو محرم عليهم وعلينا، إذا كان جائزاً في دينهم؛ للعهد الذي لهم، فإذا ثبت ذلك، ثبت أن الأنكحة التي ذكرناها وقعت فاسدة باطلة، وإذا وقعت فاسدة باطلة، لم يصححها طرو الإسلام عليها، فوجب أن لا تقرر مع الإسلام، وليس كذلك النكاح بغير ولي وشهود، وما جرى مجراهما، لأنه حين وقع، لم يقع على وجه يطلق القول فيه بأنه باطل، ألا ترى أن المسلمَين لو عقداه، لم يلزمنا أن نتبعهما بالفسخ، ولو وجب أن نخلي بينهما وبين اجتهادهما، وكذلك لو حكم حاكم، لم يجب فسخه، فلم يمتنع أن يستقر مع طرو الإسلام عليه.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: إن نكاح ذات رحم محرم لم يجز أن يُقَر مع الإسلام؛ لأنَّه يستوي فيه حال ابتداء النكاح وحال بقائه، فلا يلزم عليه النكاح في العدة؛ لأن العدة تمنع من ابتداء النكاح، ولاتمنع من بقائه؟
قيل له: هذه العلة لا تنافي علتنا، فنقول لهما: وإن كانت علتنا أعم من هذه وأقوى للإعتبار الذي ذكرناه، فنحتج بهذه العلة، وبعلتنا التي قدمناها، على الشافعي ومحمد للمنع من مقارتهم إذا أسلموا على أن يختاروا أربعاً من خمس إذا كان العقد الواحد جمعهن، ومِن أن /52/ يختاروا واحدة من الأختين إذا كان العقد الواحد جمعهما.
__________
(1) في (أ): ثبت.(52/53)


ونحتج لقياسنا الأول خصوصاً على من خالفنا في نكاحهم في العدة، وأيضاً لو أن امرأة كان لها زوجان تزوجاها معاً في الشرك، ثُمَّ أسلمت، وأسلما، وجب فسخ ذلك النكاح، فكذلك ما اختلفنا فيه؛ للعلة التي ذكرناها، فوضح بذلك أيضاً ما ذهبنا إليه.
فإن استدلوا بما روى معمر(1)، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خذ منهن أربعاً).
وبما روي عن الحارث بن قيس، قال: أسلمت وتحتي ثمان نسوة، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أختار منهن أربعاً.
وما روي عن فيروز الديلمي، قال: أسلمت وعندي أختان، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (طلق إحداهما)، وفي بعض الأحاديث(2): (طلق أيهما شئت).
قيل لهم: الكلام في هذه الأحاديث من ثلاثة أوجه:ـ
أحدها: أن هذه العقود يجوز أن تكون كانت قبل تحريم الجمع بين الأختين، وتحريم الجمع بين الخمس، فلا تكون وقعت باطلة يوم وقعت، وتقرير ما هذا سبيله في الإسلام مما لا نأباه(3).
وقد دل على ذلك: ما أخبرنا به أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا خلاد بن محمد،[ حدثنا محمد] (4) بن شجاع، عن يزيد بن هارون، حدثنا سعيد بن أبي عروبه، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوه كان تزوجهن في الجاهلية، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خذ منهن أربعاً)، فبين أن نكاحهن كان في الجاهلية، فبان أنَّه كان قبل استقرار الشرع، وتحريم الجمع بين أكثر من أربع، وكذلك قوله لفيروز الديلمي: (طلق إحداهما)، يدل على أن النكاح كان وقع صحيحاً، لأن الطلاق لا يكون إلاَّ بنكاح صحيح، وهذا يوجب أن وقوعه كان قبل تحريم الجمع بين الأختين.
__________
(1) في (أ): عن معمر.
(2) في (أ): الأخبار.
(3) في (أ): يأباه.
(4) ما بين المعكوفين سقط (أ). أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/254.(52/54)


والوجه الثاني: أنَّه يجوز أن يكون المراد بقوله: (اختر) أي بنكاح جديد(1).
والوجه الثالث: أنَّه يجوز أن يكون المراد اختر الأوائل منهن.
فصل [في الزواج بأكثر من أربع]
نص في (الأحكام) (2) على أنَّه لا يحل الجمع بين أكثر من أربع، ولا خلاف فيه بين العلماء من أهل البيت عليهم السلام، وسائر الفقهاء، ويحكى عن قوم مجاهيل أنهم أجازوا ذلك، وإجماع المسلمين يحجهم.
ثُمَّ ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله لغيلان حين أسلم وتحته عشر نسوة: (خذ منهن أربعاً)، وكذلك حديث الحارث بن قيس، وما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ}، قصر الرجال على أربع من أجل أموال اليتامى.
مسألة [فيمن تزوج امرأتين في عقدة إحداهما محرمة عليه]
قال: ولو تزوج امرأتين في عقدة واحدة، فوجد إحداهما ممن لا يحل له نكاحها، ثبت له نكاح الأخرى دونها.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3).
ووجهه أنَّه عقد نكاح انطوى على صحة وفساد، فوجب ألا يفسد الصحيح، كما أنَّه لو تزوج على خمر، أو خنزير، لم يفسد النكاح، ولا يجب أن يكون سبيله سبيل من اشترى عبداً و حراً بثمن واحد؛ لأن عقد البيع تفسده الشروط الفاسدة والغرر، والإنطواء على أي فساد كان، وليس كذلك عقد النكاح.
فإن قيل: أليس من تزوج بخمس في عقد واحد كان نكاح الجميع فاسداً، فما أنكرتم أن يكون /53/ ذلك سبيل من تزوج بأجنبية، وذات رحم محرم؟.
__________
(1) في (أ): صحيح جديد.
(2) انظر الأحكام 1/339.
(3) انظر الأحكام 1/378.(52/55)

95 / 142
ع
En
A+
A-