قيل له: إن ابن عمر لم ينف أن(1) يكون أجيز يوم أحد على وجه من الوجوه، وإنما نفى أن(2) يكون أجيز يوم أحد في المقاتلة، فيجوز أن يكون أجير يوم أحد على سبيل الرضخ، ولم يجز في المقاتلة، فلما(3) كان يوم الخندق، أجيز في المقاتلة، فيكون ذلك جمعاً بين الخبرين.
ومما يدل على ذلك أنا وجدنا مرور الزمان الذي يكون في الأغلب زمان الحيض يقوم في التي لم تحض مقام الحيض، ألا ترى أن الأغلب في ثلاث حِيَض أنها تكون في ثلاثة أشهر، فجعل ثلاثة أشهر في التي لم تحض قائمةً مقام ثلاث حيض، فوجب أن يكون مضي خمس عشرة سنة يقوم فيها مقام حصول الْحَيْض، والعلة أنَّه زمان يكون في الأغلب زمان الْحَيْض، وكذلك الإحتلام لما كان في الذكور في باب البلوغ جارياً مجرى الحيض في الإناث، وجب أن يكون قضي زمان يكون في الأغلب زمان الإحتلام قائماً مقام الإحتلام في معنى(4) البلوغ، ومما يؤكد ذلك ويوضحه أن الأصل فيمن ثبت عقله وتمييزه أنَّ تصرفه له وعليه جائز، مالم يمنع الشرع منه، وكان هذا الإعتبار موجباً أن يكون المرأة والغلام إذا استكملا عقولهما، وعُرِف منهما التمييز أن يصح تصرفهما لها وعليهما، إن(5) لم يبلغا خمس عشرة سنة، إلاَّ أنا لم نقل ذلك للإجماع، ولما ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجزِ عبدالله بن عمر ـ وهو ابن أربع عشرة سنة ـ مجرى الرجال، فأما إذا بلغ خمس عشرة سنة، زال ذلك المانع الشرعي، فوجب أن يقال يصح(6) تصرفهما لهما وعليهما، وهذا يمكن أن يجعل قياساً /46/ مجرداً بأن يقال: لا خلاف أن من بلغ ثماني عشرة سنة رشيداً، صح تصرفه له وعليه، فكذلك من بلغ خمس عشرة سنة رشيداً، والعلة حصول العقل من دون منع شرعي من ذلك، وليس يتهيأ لهم أن يقولوا إن هاهنا شرعاً يمنع من صحة تصرفه إذا بلغَ خمس عشرة سنة، على أن
__________
(1) في (ب): أنه.
(2) في (ب): أنه.
(3) في (أ): فلما.
(4) في (ب): معنى.
(5) في (ب): فإن.
(6) في (ب): يجوز.(52/41)
التقدير ثماني(1) عشرة لم يجر في شيء من الأصول ولم يرد توقيف به ولا وجه في التقدير فيه (2)، والتدقير ما ذهبنا إليه، ووجد في الأصول وورد به(3) الأثر، فهو الأولى، ألا ترى أن المخالف يجعل خمس عشرة أقل الطهر، وأقل الإقامة خمس عشرة، والشافعي يجعله أكثر الحيض، فلا خلاف أنه يقدر به الإبل في دية المنقلة خمس عشرة نجب، وورد به النص، فصار ما ذهبنا إليه أولى وأقوى.
مسألة [في الصغيرة تموت أو زوجها قبل الخيار]
قال: وأيهما مات قبل الخيار، ورثه صاحبه، والنفقة واجبة لها من يوم العقد.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(4) و(المنتخب) (5).
وإنما أوجب التوريث(6) بينهما، لأن الزوجية قد ثبتت على ما بيناه، فثبت(7) التوارث، لقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}، وقوله: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ}، وأوجبنا أيضاً النفقة على ما نبينه في كتاب النفقات(8).
مسألة [في الصغيرين يعقد لهما ابواهما]
قال: والأب إذا زوج(9) الصغيرة لم يكن لها الخيار إذا بلغت، بكراً كانت أو ثيباً، وكذلك(10) القول في الذكر الصغير إذا زوجه أبوه، وعلى الأب المهر إن ضمن عنه(11).
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (12).
وتحصيل المذهب أن الأب إذا زوج البالغة بغير إذنها، فلها الخيار، بكراً كانت أو ثيباً، والإعتبار عندنا إنَّما هو بالصغر والكبر، وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: يزوج الأب البكر، بالغة كانت أو غير بالغة، ولا اعتبار برضاها، ولا يزوج [الأب] (13) الثيب إلاَّ بإذنها، واعتبر البكارة والثيوبة.
__________
(1) في (أ): بثماني.
(2) في (أ): به.
(3) في (ب): في.
(4) انظر الأحكام 1/3472 ولكنه لم يذكر النفقة.
(5) انظر المنتخب 127، 128، 1219.
(6) في (أ): الموارثة.
(7) في (أ) :فوجب.
(8) في (ب): النفقة.
(9) في (أ): وإذا زوج الأب.
(10) في (أ): وكذا.
(11) في (أ): عليه.
(12) انظر المنتخب 126، 128.
(13) سقط من (أ).(52/42)
والأصل فيه: ما قدمنا بإسناده من حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وحديث ابن عمر، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينزع النساء من أزواجهن، ثيبات وأبكاراً، إذا كرهن ذلك بعد ما يزوجهن آباؤهن وإخوانهن، فدل ذلك على أن تزويج الأب لا يقطع خيار البالغة(1) وإن كانت بكراً.
وأخبرنا أبو بكر المقري، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا أبو صالح الحكم بن موسى، قال: حدثنا شعيب بن إسحاق الدمشقي، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر، أن رجلاً زوج ابنته وهي بكر بغير أمرها، فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ففرق بينهما.
وهذا صريح ما ذهبنا إليه، ولا وجه لمن اعترض(2) هذا الحديث بأن يقول: إن غير أبي صالح رواه عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يذكر فيه جابراً؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّه يجوز أن يكون أبو صالح حفظ مالم يحفظ غيره.
والثاني: أنَّه لو كان لم يذكر جابراً، وذكر عن عطاء مرسلاً، لصح عندنا، فإنا نقبل المراسيل.
__________
(1) في (ب): العاقلة.
(2) في (أ): يعترض.(52/43)
وأخبرنا المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا أبو زرعة عبدالرحمن بن عمر الدمشقي، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: قال /47/ رسول(1) الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد رضيت، فلو أنكرت، لم تكره). والمراد به البكر؛ إذ لا خلاف أن السكوت لا يكون أذناً لغير بكر، فيجب أن يكون ذلك سبيل كل بكر، سواء كان المزوج لها أباً أو غيره، وليس لأحد أن يتعلق بأن يقول قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اليتيمة)، يدل على أن لا أب لها، لأنَّه لا خلاف أن لايتم بعد البلوغ، والمراد به البالغة بدلالة أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم جعل سكوتها أُذُناً ، وعلق الحكم به، وذلك لا يكون إلاَّ في البالغة، فكان المراد بقوله: (اليتيمة) المفردة عن الزوج، وهو جار مجرى قولنا: الأيم.
وأخبرنا المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا ربيع المؤذن، قال: حدثنا أسد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعيد، عن عبدالله بن الفضل أنَّه سمع نافع بن جبير، يحدث عن ابن عباس، بأن(2) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر)، فأوجب استئمار البكر، ولم يفصل بين أن يكون المزوج أباً أو غيره.
وأخبرنا أبو بكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (لا تنكح الثيب حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن)، قالوا: فكيف(3) أذنها يا رسول الله؟ قال: (الصمت). فمنع صلى الله عليه وآله وسلم من إنكاح البكر إلاَّ من بعد استئذانها، ولم يفصل بين إنكاح الأب وغيره، فدل ذلك على صحة ما قلنا.
__________
(1) في (أ): النبي.
(2) في (أ): أن.
(3) في (أ): كيف.(52/44)
وروى أبو بكر الجصاص في (شرح المختصر) بإسناده، عن أنس، قال: جاءت جارية بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: إن أبواي زوجاني ولم يستأمراني، فهل لي من شيء؟ فقال لها: (توقي أبويك) [أي تجنبي مخالفتهما] (1)، مرتين يرددها عليها، قالت: قد خرجت من عنده، ففرق بينهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ورد نكاحها](2).
وروى أبو بكر بإسناده عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلاً زوج ابنته بكراً، فكرهت، وأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرد نكاحها.
ورى أيضاً بإسناده عن خنساء بنت محرام ، قالت: كان أنكحني أبي وأنا بكر، أكرهني، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (لاتُنكحها وهي كارهة).
وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تستأمر البكر في نفسها)، قالوا: فإن البكر تستحي. قال: (أذنها صماتها).
والأخبار في هذا الباب كثيرة، ولو تتبعناها لطال الكتاب، وكل ذلك دال على صحة ما [ذكرنا و] (3)ذهبنا إليه.
فإن قيل: روي أن(4) ابن عمر خطب ابنة عبدالله بن النحام، فأبى أن يزوجها إياه، وزوجها ابن أخيه، وكان هوى الجارية و[هوى] (5) أمها في عبدالله بن عمر، فذهبت امرأة عبدالله بن النحام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبرته أن عبدالله بن النحام أنكح ابنته ولم يؤامرها، فأجاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم نكاحها.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) سقط من (أ).
(3) سقط من (أ).
(4) في (ب): عن.
(5) سقط من (أ).(52/45)