قيل له: المراد [به](1) البوالغ منهن، بدلالة أن استئمار الصغار لا معنى له، وكذلك إن تعلقوا بقوله: (الأيم أحق بنفسها من وليها)، كان محمولاً على البالغة، بدلالة أن الصغيرة لا تملك أمر نفسها، ولاخلاف في أن للأب أن يزوجها، وكذلك الشافعي يوافق على أن للجد أن يزوجها، فكذلك سائر الأولياء، والمعنى أنَّه ممن يجور الإرث بالتعصيب، فوجب أن يجوز إنكاحه للصغيرة إذا لم يمنع منه مانع، يبين صحة هذه العلة أنَّه لو لم يكن ممن يجور الإرث بالتعصيب، لم يجز إنكاحه نحو أن يكون عبداً أو كافراً، إذا كانت الابنة مسلمة، وكذلك إن كان ممن يجور الإرث بالرحم، لم يجز إنكاحه، وكذلك لو كانت أختاً أو ابنه لَمَّا لم تكن ممن يجور /43/ الإرث(2) بالتعصيب، فإذا ثبت لها التعصيب مع غيرها، لم يجز إنكاحها، فلما تكاملت الأوصاف التي ذكرنا، صح إنكاحه، فبان أن العلة ما ذكرنا، على أن ما بيناه من جواز النكاح، الموقوف يقتضي جواز هذا النكاح إذ لم يفرق أحد بينهما.
فإن قيل: ألستم تجوزون إنكاح الحاكم لها، وإن لم تحصل هذه الأوصاف له؟
قيل له: هذا لا يفسد علتنا؛ لأنَّه إثبات للحكم مع عدم العلة وإنما يفسدها وجود العلة، ولا حكم، ومما يؤكد قياسنا أن الأب والأخ لما استوى حالهما في الإنكاح بعد بلوغهما، وجب أن يستوي حالهما فيه قبل بلوغهما؛ لكون كل واحد منهما ولياً في النكاح.
وقلنا: إن للزوج أن يدخل قبل البلوغ، لأنَّه لا خلاف فيه بين كل من أجاز النكاح، فإذا ثبت بما بيناه جواز(3) النكاح ثبت جواز الدخول، ولأنه نكاح ثابت لا يُراعى فيه في الحال رضى المعقود عليها وسخطها، فوجب أن يجوز الدخول بها، دليله لو كانت بكراً زوجها أبوها، أو بالغة زوجها وليها بإذنها.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (أ): بالإرث.
(3) في (أ): من جواز.(52/36)


وقلنا: إن لها الخيار إذا بلغت، خلافاً لأبي يوسف؛ إذ قال لا خيار لها، لأنا وجدنا ولاية الأب على الابنة في حال كبرها، لما كانت أضعف من ولايته عليها في حال صغرها، كان لها الخيار في رفع ما عقد عليها الأب في حال كبرها، فكذلك سائر الأولياء، لما كانت ولايتهم أضعف من ولاية الأب، وجب أن يكون للمرأة الخيار في دفع(1) ما عقدوا عليها في الوقت الذي يصح لها الخيار، وتبين(2) أن ولاية الأب عليها في حال كبرها أضعف من ولايته عليها في حال صغرها أنَّه يجبرها على النكاح في حال الصغر، وليس له أن يجبرها عليه في حال الكبر، وله أن يزوجها عندنا بدون مهر مثلها بغير رضاها في حال الصغر، وليس له ذلك في حال الكبر، وتبين أن ولاية سائر الأولياء أضعف من ولاية الأب أنهم ليس لهم أن يزوجوا الصغيرة بدون مهر مثلها، وللأب أن يفعل ذلك، وأنهم لا ولاية لهم مع ولاية الأب، ولأن أصل الولاية عندنا موضوعة على التعصيب، وقد علمنا أن تعصيب الأب يسقط تعصيب سائر الأولياء، فوجب أن تكون ولايته أقوى؛ لكون سببها أقوى، وإذا ثبت أن ولايتهم أضعف، وجب أن يثبت لها الخيار في رفع عقدهم، كما ثبت لها الخيار في رفع عقد الأب حين صارت ولايته أضعف، وقد حكى إثبات الخيار لها عن ابن عمر، وطاووس، وعطا، والحسن.
وقلنا: إنها إن اختارت الفسح كان المهر لها إذا كان قد وطئها، لأنَّه لا خلاف فيه، ولأن الوطء الواقع بالشبهة إذا أوجب المهر، كان الوطء الواقع في النكاح الصَّحيح أولى بذلك، لأن كل وطء يقع في غير ملك اليمين لابد فيه من حد أو مهر.
مسألة [في البالغة تُنكح غير عالة أن لها الخيار]
قال: والبالغة إذا لم تعلم أن لها الخيار حتى دخل بها زوجها كان لها الخيار إذا علمت، فإن لم تختر نفسها، فلا خيار لها بعد ذلك.
__________
(1) في (أ): رفع.
(2) في (أ): ويبين ذلك.(52/37)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1). ووجهه أن خيارها لا يبطل إلاَّ إذا تركته مع التمكن منه، وهي في حكم من لاتتمكن منه إذا لم تعرفه، ولم تحط به علماً، يكشف ذلك أنها لو وُطئت وهي نائمة، أو مغمى عليها، لم يبطل خيارها إذا /44/، أفاقت لَمَّا لم تتمكن من الخيار، كذلك إذا وطئت وهي لا تعلم أن لها الخيار.
فصل [في إنكاح الصغيرة]
قال يحيى بن الحسين عليه السلام في الصغيرة إذا زوجها الأولياء: لها الخيار، وخص الأب(2) فقال: لا خيار لها إذا كان المزوج [لها](3) هو الأب، فدل ظاهر كلامه أنه يجري الجد مجرى سائر الأولياء ولا يجريه مجرى الأب. وهو قول مالك، وذهب عامة الفقهاء إلى أن الجد كالأب، وذهبت الإمامية إلى أن الجد أولى من الأب، لأنَّه قد يلي الأب، والأب لا يليه.
ووجه ما ذهبنا إليه أنَّه(4) يدلي بالأب، فوجب أن تكون(5) ولايته كسائر الأولياء في الأب، دليله الأخ، أو يقال: إنَّه لا تعصيب له مع الأب، فأشبه سائر الأولياء(6) العصبات، أو يقال: إنَّه لا حظ له في الولاء مع الأب، فأشبه سائر العصبات، ولا خلاف بيينا، وبين الناصر، والشافعي، أنَّه يقاسِم الأخوة، فيجب أن يكون كأحدهم في ولاية النكاح، دليلة [الأخوة وأنه في القرب وهم أسوة] (7) بعضهم مع بعض، ولا خلاف أن الجد لا يثبت له ولاية مع ولاية الأب، فوجب أن تكون ولايته أضعف كما قلنا في سائر الأولياء.
فأما ما ذهبت الإمامية إليه، فهو خطأ؛ لأنَّه لا يلي على الأب إذا كان رشيداً فوجب أن لا يلي ولده مع ثبوت ولايته، ولأنه عندهم يُقاسِم الأخوة، ويَسقط مع الأب، فوجب أن تكون ولايته أضعف من ولاية الأب، وكيف يقال: إن ولايته أقوى من ولاية الأب؟
__________
(1) انظر الأحكام 1/372.
(2) انظر الأحكام 1/347، 372.
(3) سقط من (ب).
(4) في (أ): أن الجد.
(5) في (ب): أن ولايته.
(6) في (ب): سائر العصبات.
(7) سقط من (ب).(52/38)


فإن قيل: إن ولايته ولاية تشتمل على النكاح والمال، فأشبه ولاية الأب.
قيل له: ما اعتبرناه أولى؛ لأن ولاية المال لا مدخل لها في ولاية النكاح، ألا ترى أن الوصي له الولاية في المال، ولا ولاية له في النكاح، وابن العم له ولاية النكاح، وليس له ولاية المال، على أن ذلك منتقض بالعم إذا صار وصياً، فإنه يجمع ولاية المال وولاية النكاح.
فإن قيل: فإن ولايته للمال والنكاح من وجهين، فلا يجب أن يكون سبيله سبيل الأب.
قيل له: هذا وإن [كان من جهتين] (1) منع من النقض، فلا يؤثر؛ لأن الولاية إذا حصلت، فلا فصل أن تحصل من جهة، أو من جهتين، ونص في (الفنون) (2) على أن ولاية الحاكم كولاية سائر الأولياء، وأن الصغيرة إذا بلغت، كان لها الخيار في فسخ ما عقد الحاكم عليها، وهو قول محمد بن الحسن، وروي عن أبي حنيفة أن ولاية الحاكم مثل ولاية الأب، ووجهه أن الحاكم لما قام مقام المسلمين، وجب أن تكون ولايته أكثر(3) ما فيها أن تكون مثل ولاية العم، لأن ولاية المسلمين يجب أن يكون أكثر ما فيها أن تكون مثل ولاية العم والأخ، وأيضاً وجدنا ولاية الحاكم أضعف الولايات؛ لأنها لا تثبت مع ثبوت شيء من الولايات نسباً ولاسبباً، وهي ولاية الإضطرار، فلم يجب أن تكون أقوى من ولاية العم والأخ، ولم يجب أن تكون مثل ولاية الأب؛ لأنا قد بينا أن للضعف والقوة تأثيراً في هذا الباب، ولا يصح الاعتماد على أن ولاية الحاكم ولاية تشتمل على المال والنكاح، لأنا قد بينا سقوط ذلك، وبينا أن الاعتبار بقوة الولاية وضعفها أولى.
مسألة [في بلوغ المرأة]
قال: وحد البلوغ خمس عشرة سنة إلاَّ أن تحيض قبل ذلك، فإن حاضت، كان ذلك /45/ بلوغاً(4). وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (5).
__________
(1) ما بين المعكوفين سقط من (ب) وصوبه في الهامش.
(2) انظر الفنون 428 ـ 429.
(3) في (أ): أكثر.
(4) في (أ): بلوغها.
(5) انظر الأحكام 1/372.(52/39)


لا خلاف أن الحيض بلوغ، واختلفوا في السن، فقال الشافعي، وأبو يوسف: إن خمس عشرة سن البلوغ، وقال أبو حنيفة: سن البلوغ ثمان عشرة [سنة] (1).
والدليل على ذلك: ما أخبرنا به أبو بكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا أبو بشر الرقي (2)، قال: حدثنا أبو معاوية الضرير، عن عبدالله بن عمرو، عن نافع، عن ابن عمر، قال: (عُرضت على رسول الله يوم أحد ، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني في المقاتلة، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني في المقاتلة) (3)، فذكرَ الحكم، وذكرَ السبب، فدل ذلك على أن خمس عشرة [سنة] (4) سن البلوغ.
فإن قيل: [إن] (5) يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجازه، وإن لم يكن بلغ، كما كان يرضخ لمن حضر الوقعة من النساء والمراهقين الذين ينتفع بهم.
قيل له: إنَّه فسر الحال، وقال: لم يجزني في المقاتلة يوم أحد، وأجازني في المقاتلة يوم الخندق، فنبه على(6) أن الإجازة لم تكن على سبيل الرضخ، وإنما كانت إجازة المقاتلة، تلك لا تكون إلاَّ للبالغين.
فإن قيل: روي عن ابن عمر خلاف ما روي عنه؛ لأنَّه روى عن البراء بن عازب، قال: عرضني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا وابن عمر يوم بدر، فاستصغرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثُمَّ أجازنا يوم أحد، ففي هذا الحديث أن ابن عمر أجيز يوم أحد، وهو خلاف ما رواه ابن عمر(7).
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (أ): الوراق.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/217 ـ 218 إلا أنه قال: عبيد الله بن عمرو.
(4) سقط من (ب).
(5) سقط من (أ).
(6) في (أ): فبين أن.
(7) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/219.(52/40)

92 / 142
ع
En
A+
A-