وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام: أن رجلاً أتاه فقال: إن عبدي تزوج بغير أذني، فقال له عليه السلام: ((فرق بينهما))، فقال السيد لعبده: طلقها يا عدو الله، فقال علي عليه السلام للسيد: ((أجزتَ النكاح، فإن شئت أيها العبد، فطلق، وإن شئت، فأمسك)) فصرح عليه السلام بإجازة النكاح الموقوف، وبأن الإجازة تلحقه .
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما امرأة تزوجت بغير أذن وليها، فنكاحها باطل)، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما عبد نكح بغير أذن مولاه، فهو عاهر).
قيل له: يحمل الخبرين على أن المراد بهما أن لا يجيز من له الإجازة، على أنا لا نجيز العقد على المرأة إلاَّ بولي سواها، ومتى كانت المرأة هي العاقدة على نفسها، بطل النكاح عندنا، ولم يكن موقوفاً، فقد خرجنا من عهدة الظاهر، وقوله (ص) (1): (أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه(2) فهو عاهر) لا ظاهر له، لأنَّه لا خلاف أنَّه لا يصير عاهراً بالعقد، وظاهر الخبر يقتضي ذلك، فلا بد من تأويل، وإذا لم يكن منه بد، كان التأويل ما ذكرناه بدلالة الأخبار التي تقدمت.
ولاخلاف أن الرضى لو كان في حال العقد، لكان النكاح جائزاً، فكذلك إذا حصل بعد العقد، والمعنى دخول الرضى مع حصول القبول والإيجاب، ولا خلاف أن عقد البيع فيه للوقف مسرح، فكذا في عقد النكاح، والمعنى أنَّه عقد معاوضة، وقياسنا يقوى بأنه يفيد حكماً في الشرع، وليس للمخالف أن يترجح علينا بالحظر، لأنا نستوي فيه، ولأن الغرض حصول الرضى دون الترتيب.
مسألة [في فسخ المكرهة للنكاح]
قال: فإذا كان ذلك فلها الخيار فإن اختارت نفسها انفسخ النكاح بلا طلاق.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (أ): سيده.(52/31)
وهذا منصوص عليه في (المنتخب)(1)، ولاخلاف أن النكاح الموقوف على البالغة فيه الخيار لها إذا علمت، ويدل على ذلك ما مضى في الخبرين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خير التي(2) زوجها أبوها وهي كارهة، وما في الحديث الآخر من أن النبي صلى الله عليه /41/ وآله وسلم جعل الأمر إليها.
وقلنا: إنَّه فسخ للنكاح بغير طلاق، لأنَّه أشبه الرد بالعيب ونحوه، وأشبه أيضاً في البيع الرد بالعيب، أو بخيار الرؤية، أو بخيار الشرط، في أنَّه يرفع العقد ويفسخ، ولا يعقد عقد ثان، ولأنه فرقة لا تختص الزوج، فلم يجب أن يكون طلاقاً.
مسألة [في إنكاح غير البالغة]
قال: وإن كانت المرأة غير بالغة، وزوجها وليها، كان للزوج أن يدخل بها قبل بلوغها، ولها الخيار بعد البلوغ، ولها المهر بما استحل من فرجها.
نص في (الأحكام) (3) على أن نكاح سائر الأولياء للصغيرة جائز، وأن لها الخيار إذا بلغت.
ونص في (المنتخب) (4) على جميع ما تضمن هذا الفصل، ونص فيه أيضاً على أن حكم الصغيرة والكبيرة في هذا الباب واحد، وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، إلاَّ أن أبا يوسف لم يجعل لها الخيار إذا بلغت، وقال القاسم عليه السلام: لا ينكح الصغيرة إلاَّ أبوها، وقال الناصر عليه السلام: إلاَّ أبوها أو جدها، وهو قول الشافعي.
والذي يدل على صحة ما ذهب إليه يحيى عليه السلام قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ}، والأيم: اسم يقع على الكبار والصغار، فاقتضى عموم الآية جواز نكاح الصغار.
__________
(1) انظر المنتخب 126.
(2) في (ب): الذي.
(3) انظر الأحكام 1/372.
(4) انظر المنتخب 126 ـ 127.(52/32)
ويدل على ذلك ما رواه أبو داود في (السنن) بإسناده، عن ابن شهاب، عن عروة عن(1) الزبير أنَّه سأل عائشة، عن قول الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِيْ اليَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ}، قالـ: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلاَّ [أن](2) يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن(3).
وروى غير أبي داود نحوه عن ابن عباس، وفيما رواه أبو داود(4) بإسناده، عن عروة، عن عائشة قالت في قوله تعالى: {قُلْ اللهُ يُفْتِيْكُمْ فِيْهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِيْ الْكِتَابِ فِيْ يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِيْ لا تُؤْتُوهُنَّ مَا كَتَبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيْماً} يعني قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِيْ الْيَتَامَى}، قال: رغبة أحدهم عن يتيمته التي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلاَّ بالقسط.
فدل ذلك على أن للولي أن يتزوج اليتيمة التي في حجره إذا أقسط لها في الصداق.
وأدنى الأولياء الذين يجوز لهم التزوج بالتي هو وليها ابن العم، فثبت بذلك جواز إنكاح(5) الأولياء للصغار.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أُريد باليتيمة الكبيرةَ.
__________
(1) في (ب): وذكر ما أثبتناه. في الهامش.
(2) سقط من (أ).
(3) أخرجه أبو داود في السنن 2/231 وفيه تكون حجر دليلها متشاركة في ماله.
(4) أخرجه أبو داود في السنن 2/232 وهو بقية للحديث المتقدم.
(5) في (ب): نكاحها.(52/33)
قلنا: اليتيمة اسم للصغيرة، وكذلك(1) قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يتم بعد احتلام) فنفى سمة اليتم بعد البلوغ، فمتى حملناه على أن المراد به البالغة، حملناه على المجاز والتوسع، دون الحقيقة.
والثاني: أن نهاية القصة /42/ تدل على أن المراد به التي لم تبلغ؛ لأن البالغة إذا أعطيت دون مهر مثلها فرضيت به، جاز ذلك، وإنما ورد النهي في نكاح التي لا يؤثِّر رضاها وسخطها، وذلك لا يكون إلاَّ التي لم تبلغ، فإن قيل: يحتمل أن تكون الآية وردت في النتيجة التي تكون في حجر الجد.
قيل له: هذا ممتنع لما في الخبر أنها نزلت في اليتيمة التي يريد وليها وهي في حجره أن يتزوجها(2)،أ والجد ليس له أن يتزوج بابنة ابنه، فسقط هذا التأويل.
فإن قيل: فقد روي أن قدامة بن مظعون زَوَّجَ ابنة أخيه عثمان بن مظعون من عبدالله بن عمر، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنها يتيمة، وإنها لا تنكح إلاَّ بإذنها). فدل ذلك على أن الصغيرة لا يزوجها عمها.
__________
(1) في (أ): لذلك.
(2) في (أ): يتزوج بها.(52/34)
قيل له: الخبر ورد على وجه يدل على أنها كانت بالغة، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال فيها: ( إنها يتيمة) على سبيل المجاز، وذلك ما رواه أبو بكر الجصاص في (شرح المختصر) عن دعلج بإسناده، عن نافع، عن ابن عمر، قال: توفي عثمان بن مظعون، فأوصى إلى أخيه قدامة قال: فزوجني قدامة [بنتُ عثمان] (1) فدخل مغيرة بن شعبة على أمها، فأرغبها في المال، ورأى الجارية مع أمها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لقدامة: (ألحقها بهواها، فإنها أحق بنفسها)، فانتزعها، وزوَّجها المغيرة، فدل ذلك على أنها كانت كبيرة، لقوله: (ألحقها بهواها)، وذلك لا يجوز أن يقال في [حق] (2) الصغيرة، لأنه لا اعتبار برضاها وسخطها، وكذلك ما مضى في الحديث من أن الصغيرة يزوجها وليها بإذنها يدل ذلك على أن اللفظ الذي تعلقوا به يدل على ذلك أيضاً؛ لأن فيه أنها لا تنكح إلاَّ بإذنها وذلك لا يقال إلاَّ في البالغة؛ لأن الصغيرة لا معتبر بإذنها ووجود الأذن منها وعدمه سواء، فصح بما قلناه أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيها: (إنها يتيمة) على سبيل التوسع، وأنها كانت بالغة.
فإن قيل: فقد روي عن النبي(3) صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (استأمروا النساء في أبضاعهن).
__________
(1) سقط من (ب).
(2) سقط من (أ).
(3) في (أ): عنه.(52/35)