والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أنا وجدنا سائر العدد يجب الإبتداء بها حين وجوبها، وحيث تلي موجبها، فكذلك ما اختلفنا فيه، والمعنى أنَّه(1) عدة، أو يقال: إنها عبادة موضوعة في الأصل لاستبراء الرحم، فإذا ثبت أن الإبتداء بها واجب حين وجوبها، ثبت ما قلناه من أنها تبدأ بعدة الزوج الثاني، ثُمَّ تتم ما بقي من عدة (الزوج)(2) الأول، وأيضاً هي عبادة تختص البدن، فوجب أن لا يجوز تفويت أدائها لقضاء غيرها، دليله من فاتته صلاة فذكرها في آخر وقت الأخرى قبل أن يؤديها.
فإن قيل: يجب الابتداء ببقية عدة الأول؛ لأنها وجبت قبل عدة الثاني.
قيل له: هذا منتقض بالصلاتين اللتين /38/ ذكرناهما.
فإن قيل: فعدة الأول عدة نكاح صحيح، فوجب أن تكون اقوى.
قيل له: هذا لا يمنع ما ذكرناه؛ لأن العدتين قد وجبتا، ولا مزية في باب الوجوب لإحداهما على الأخرى، ولا معتبر باختلاف أحوال الموجِب في عامة الأصول على أن الموجِب للعدة حصول الفراش في الموضعين، وقد بينا أن فراش الثاني أقوى من فراش الأول في المسألة التي تقدمت هذه.
فإن قيل: [فقد] (3) رويتم أن علياً عليه السلام، قال: تتم عدة الأول، ثُمَّ تستقبل عدة الثاني، وهذا خلاف مذهبكم.
قيل له: لا يمتنع أنَّه قال: ثُمَّ تستقبل عدة الثاني، وأراد به وتستقبل عدة الثاني، فيكون وضع ثُمَّ موضع الواو، وهذا غير ممتنع، وعلى هذا تأولنا قوله سبحانه: {إِنَّ عَلِيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}، حين منعنا جواز تأخير البيان.
فإن قيل: فظاهر قوله يقتضي ما ذهبنا إليه.
قيل له: لا يمتنع ذلك، ولكنا انصرفنا عن الظاهر بالاعتبار الذي ذكرناه، كما انصرفنا عن ظاهر قوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}، للدلالة.
__________
(1) في (أ): أنها.
(2) سقط من (أ).
(3) سقط من (أ).(52/26)


وقلنا: إنها إذا خرجت من العدتين، تزوجت أيهما شاءت؛ لأنَّه لا مانع من ذلك، وقال الله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءُ ذَلِكُمْ}، وقال عز وجل: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ}، ولأنه قول علي عليه السلام، وروي أن عمر رجع إلى قوله.
وعند الإمامية أنها لا تتزوج من تزوج بها معتدة، وحكى ذلك عن مالك.
فصل [في العدة في الزنا]
قال في (المنتخب): والعدة لا تكون إلاَّ لزوجة حلال نكاحُها، فدل ذلك على أن لا عدة عنده من الزنا، وأن يستوي الحائل والحامل عنده في جواز العقد عليها، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد، والشافعي، وقال مالك: لا يجوز نكاحها حتى تعتد، قال أبو يوسف: يجوز النكاح إلا أن تكون حاملاً؛ لأنه لا يجوز حتى تضع حملها.
ودليلنا قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}، وقوله سبحانه: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}، فعم ولم يخص ويدل عليه قوله عليه السلام: ((الحرام لا يحرم الحلال)).
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}، ثُمَّ قال: {وَأُولاتِ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.
قيل له: الآية الثانية واردة في المطلقات، واللواتي في حكمهن؛ لأنَّه سبحانه قال بعد ذلك: {اسْكُنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} الآية، فبين سبحانه أحكام المطلقات، وما يلزمهن، ويلزم لهن، وليس فيها حكم التي زنت، ولا حكم التي حملت من الزنا، على أن الآية تضمنت ذكر مقدار الأجل، ولم تتضمن إثبات الأجل، والخلاف يقع(1) في ثبوت الأجل، وعندنا أنَّه لا أجل لهن.
فإن قيل: روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (لا تَسقِ بمائك زرع غيرك(2)).
__________
(1) في (أ): وقع.
(2) في (ب): غير زرعك.(52/27)


قيل له: هذا كلام في الوطء، وكلامنا(1) بما هو في العقد، على أنَّه ليس زرع ينسب إلى الغير، فلا يصح التعلق بهذا الظاهر، وقد ثبت أن ملك اليمين إذا وطئها سيدها لم يمنع ذلك من جواز نكاحها، فكذلك وطء الزنا، والعلة أنَّه وطء لم يتعلق به سبب، ولا خلاف أن التي تكون في عدة(2) من الناكح يجوز نكاحه لها، والعلة أن الوطء التي(3) حصل لم يوجب حقاً للغير، فكذلك إن كانت حاملاً؛ لأن الولد لا يتعلق به حق الغير، يكشف ذلك أيضاً أن الزنا لا يتعلق به شيء من حقوق النكاح، كالانفاق، والسكنى، وثبوت /39/ النسب، وعندنا أنَّه لا يحرم، فوجب أن لا تلزمها العدة، ولاوجه لتشبيههم إياها بالموطوؤة بالشبهة، لأن ذلك الوطء له حرمة ألا ترى أنَّه يثبت به النسب، والزنا لا حرمة له على وجه من الوجوه.
مسألة [في أُذن البالغة في النكاح]
قال: ولا يجوز لأحد من الأولياء أن يزوج واحدة من النساء إلاَّ بإذنها، إذا كانت بالغة، بكراً كانت أم(4) ثيباً، فإن زوَّج واحد(5) من الأولياء امرأةً بغير إذنها، صح العقد، ووُقف على إجازتها، إذا علمت إن كانت بالغة، وإن كانت غير بالغة، كان لها الخيار إذا بلغت وعلمت أن لها الخيار.
نص في (الأحكام)(6) على أن لا يزوج أحد من الأولياء بالغة إلاَّ بإذنها، ونص فيه على جواز النكاح الموقوف، وعلى إثبات الخيار فيه، ونص أيضاً على ذلك في (المنتخب)(7).
__________
(1) في (أ): خلافنا.
(2) في (أ): في عدة من النكاح يجوز.
(3) في (أ): الذي.
(4) في (أ): أو.
(5) في (أ): أحد.
(6) انظر الأحكام 1/374 ـ 348 ، 372.
(7) انظر المنتخب 126، 138.(52/28)


أما ما ذكرناه من أنَّه لا يجوز لأحد من الأولياء أن يزوج بالغة من النساء بغير إذنها، فهو على الكراهة، وخلاف الاستحباب، لا على إبطال العقد، وقد دل على ذلك إجازته العقد الموقوف، ووجه كراهته: ما رواه أبو داود في (السنن)(1) بإسناده عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تنكح الثيب حتى تستأمر، ولا البكر إلاَّ بإذنها)، وقوله(2): (الأيم أحق بنفسها من وليها). ولئلا يقع التشاجر والتحاكم.
وما حكيناه من الجملة يشتمل على موضعين من الخلاف:
أحدهما: أن البالغة تستوي حالها مع البكارة والثيوبة، وهذا مما نبينه بعد هذا الموضع.
والثاني: جواز النكاح الموقوف، والكلام فيه يختص هذا الموضع، وأجاز النكاح الموقوف أبو حنيفة، ومحمد، وبه قال أبو يوسف وأباه الناصر عليه السلام، والشافعي.
والأصل فيه: ما رواه أبو داود في (السنن) (3) عن عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن محمد، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فذكرت أن أباها زَوَّجَها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فدل ذلك على جواز النكاح الموقوف؛ لأن التخيير لا يكون إلاَّ مع حصول العقد ووقوعه.
أخبرنا بهذا الحديث أبو بكر المقري قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا أبو أمية، ومحمد بن علي بن داود، قالا: حدثنا الحسين بن محمد المروزي، أخبرنا جرير بن حازم، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس، الحديث.
وروى أبو بكر الجصاص بإسناده في (شرح المختصر)، عن محمد بن عبدالرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن عمر، قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينزع النساء من أزواجهن، ثيبات كُنَّ أو أبكاراً، إذا كرهن ذلك بعد أن يزوجهن آباؤهن أو إخوانهن.
__________
(1) أخرجه أبو داود في السنن 2/238.
(2) أخرجه أبو داود في السنن 2/239.
(3) أخرجه أبو داود في السنن 2/238 ، 139.(52/29)


فدل ذلك على ثبوت النكاح الموقوف؛ لأنَّه أثبت الزوجية بقوله ينزع النساء من أزواجهن، ودل أيضاً على ذلك بقوله: (إذا كرهن بعد أن(1) يزوجهن آباؤهن وإخواهن؛ لأنَّه بَيَّن أن نزعهن [من أزواجهن كان] (2) يكون لأجل كراهتهن، لأنَّه لو كان لفساد العقد، لم يعلقه بكراهتهن، ولقال بفساد(3) العقد، وبيَّن أن حكم الآباء والأخوة في /40/ هذا الباب سواء فصح في ذلك(4) ما ذهبنا إليه.
وروي عن أبي بردة، عن عائشة، قالت: جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أبي، ونِعم الأب زوجني ابن أخيه يرفع خسيسته، قال: (فجعل الأمر إليها)، فقالت: فإني أجزت ما صنع أبي، لكني أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء، فجعْلُه صلى الله عليه وآله وسلم الأمر إليها دال على أن النكاح كان موقوفاً على إذنها، وقولها : أجزت، ما صنع أبي بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع مقارته إياها على ذلك، يدل على أن الإجازة تلحق العقد المتقدم، ولا يجوز أن يحمل قولها أجزت ما صنع أبي على أنها كانت إجازة(5) قبل العقد؛ لأنه لا وجه لأن تجيز ثُمَّ تأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تشكوه؛ لأنها قالت ذلك بعد ما جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمر إليها في ذلك، ولو كانت الإجازة متقدمة، لم يكن ليجعل صلى الله عليه وآله وسلم الأمر إليها، ويمكن التعلق بصحة جواز النكاح الموقوف بقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِيْنَ}.
__________
(1) في (أ): ما.
(2) سقط من (أ).
(3) في (أ): لفساد.
(4) في (أ): بذلك.
(5) في (أ): إجازت.(52/30)

90 / 142
ع
En
A+
A-