وأما الكلام على الشافعي في بيان بطلان حكم القيافة، وأنه لا يجوز الرجوع إليه، فسنبين الكلام فيه بعد هذا في مسألة الأمة إذا وطئها رجلان، ثُمَّ جاءت بولد، فإذا بطل القول بالقيافة، سقط قوله.
وأما الكلام على أبي حنيفة وهو الذي يختص هذا الموضع، فهو أنَّه لا خلاف بيننا وبينه أنها لو جاءت به بعد سنتين منذ فارقها الأول، أو لستة(1) أشهر منذ دخل بها الثاني، إن الولد يلحق بالثاني، فكذلك إن جاءت به قبل الحولين منذ فارقها الأول، والعلة أنها أتت(2) به في زمن يصح أن يلحق بالثاني، من غير أن يظهر بها الحمل قبل دخول الثاني، فوجب أن يلحق به، وليس لأحد أن يدعي في علتنا أنها لا تؤثر؛ لأنها على أصلنا مؤثرة؛ لأن بعد الحولين قبل استكمال أربع سنين يصح أن يلحق بالأول عندنا، فلم تكن العلة غير ما ذكرنا، ألا ترى أنها لو أتت به لأقل من ستة أشهر منذ دخل بها الثاني لم يلحق به، ويقوى هذا القياس بما نذكره، وهو مما /36/ يصح أن يجعل ابتداءًأ الإستدلال في المسألة، وذلك أنا قد اتفقنا على أنَّه لا بد من أن يلحق بأحد الفراشين ـ أعني فراش الأول، أو فراش الثاني ـ فوجب أن يراعى أقوى الفراشين، وقد علمنا أن فراش الثاني أقوى من فراش الأول بوجهين:
__________
(1) في (أ): ولبقية.
(2) في (أ): جاءت.(52/21)
أحدهما: أن الأول والثاني لو تجاحدا، لكان تكون البينة على الأول، واليمين على الثاني، وقد علمنا في الأصول أن اليمين أبداً تلزم في الجانب القوي(1)، ألا ترى أن من ادعى شيئاً في يد إنسان، فأنكره المدعَى عليه تلزم اليمين المنكر؛ لأنَّه أقوى؛ لكون الشيء في يده وكذلك من ادعى حقاً على آخر، فأنكر تلزم اليمن المنكر لأنَّه أقوى لاستناده إلى برآءة الذمة، وكذلك لو ادعى على آخر(2) فقال المدعَى عليه قد أوفيتك حقك، رجعت اليمين على(3) المدعي؛ لأنَّه صار أقوى، لثبوت ما ادعاه بإقرار المدعَى عليه، فبان بما بيناه أن فراش الثاني يجب أن يكون أقوى.
فإن قيل: أليس لو ثبت ملك المدعي، والمدعى عليه في الشيء الذي هو في يد المدعَى عليه، كان الواجب أن يقسم بينهما، ولم يراعَ فيه قوةَ من الشيء(4) في يده.
قيل له: لا؛ لأنا لا نحوج فيه إلى مراعاة قوة أحد الملكين بجواز قسمته بينهما، وليس كذلك الولد في هذه المسألة، على أنا قد اتفقنا على أنَّه لا بد من أن يلحق بأحدهما، فوجب أن يراعى قوة سببهما.
__________
(1) في (أ): الأقوى.
(2) في (أ): الآخر.
(3) في (أ): إلى.
(4) في (أ): في يده الشيء.(52/22)
والوجه الثاني الذي يبين أن فراش الثاني أقوى وأولى أن يلحق الولد به، أنَّه متجدد(1)، والأمر المتجدد أولى أن يتعلق به الحكم المتجدد من الأمر الباقي؛ لأنَّه يصير في حكم المجاور للحكم، يكشف ذلك ما اتفقنا عليه أن تعلق الكفارة بالحنث أولى، وكونه سبباً أولى من كون اليمين، ولهذا امتنع أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة من القول بأن اليمين أحد سببي الكفارة، وقالوا: إن سببها الحنث، فقد بأن بهذين الوجهين أن فراش الثاني أقوى، فإذا ثبت أنَّه أقوى، وجب إلحاق الولد به، على أنَّه قد روي عن أبي حنيفة أن امرأة المفقود لو تزوجت لنعيٍ ورد عليها بعد انقضاء أربعة أشهر وعشر، وجاءت بولد، ثُمَّ جاء الزوج الأول، ألحق الولد بالثاني، وروي أنَّه هو القول المرجوع إليه، وإن كان روي عنه أنَّه للأول، والرواية التي ذكرناها تبين أنَّه رأى فراش الثاني أقوى، فوجب ذلك في مسألة المعتدة.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم أن فراش الأول يجب أن يكون أقوى؛ لأن نكاحه كان في الأصل صحيحاً، ونكاح الثاني كان فاسداً؟
قيل له: الكلام في الفراشين(2) دون السببين، ونحن إنَّما نراعي قوة الفراشين دون قوة سببهما، على أن [سبب] (3) فراش الثاني ثبت بالوطء، والوطء لا يصح أن يقال فيه: إنَّه صحيح أو فاسد، لأن ذلك إنَّما يقال في العقد، فسقط هذا الإعتراض.
مسألة [في استبراء المنكوحة في عدتها]
قال: وعلى المرأة أن تستبرئ من ماء الثاني، ثُمَّ تبني على ما مضى من عدة الأول التي قطعتها بالتزويج حتى تتمها، فإذا خرجت من عدتها، تزوجت أيهما شاءت، أو غيرهما.
__________
(1) في (ب): يتجدد.
(2) في (أ): في سبب الفراشين.
(3) سقط من (ب).(52/23)
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) [و](2) قال الشافعي: مثل قولنا في أنها(3) لا بد لها من العدتين، وهو قول إبراهيم، والشعبي، [و] (4)روى ذلك عنهما هناد بن السري. قال أبو حنيفة: أحد العدتين تدخل في الأخرى.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رويناه عن علي عليه السلام أنَّه قضى بذلك بمحضر(5) من الصحابة /37/ قال عمر فيما خالفه من ذلك: ردوا الجهالات إلى السنة، ورجع إلى قوله، والدليل من(6) هذا الخبر في(7) ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنا نذهب إلى أن قضاء أمير المؤمنين(8) حجة، وأنه يجب أن يتبع ولا يجوز أن نخالفه(9).
والثاني: أنَّه قضى به في مشهد من الصحابة، وأخذ به عمر، ولم ينقل فيه خلاف، وصار ذلك إجماعاً.
والثالث: قول عمر: ردوا الجهالات إلى السنة، فدل ذلك [على](10) أنَّما قضى به علي عليه السلام كان سنة، وهذا يجري مجرى الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وروى أيضاً هناد بإسناده عن الحكم، قال: قال علي عليه السلام في امرأة تزوجت في عدتها: تعتد العدتين جميعاً، فتفرق(11) بينهما، فتعتد من الأول، ثُمَّ تعتد من الآخر، قال: وأمرها عمر بعدتين، ورجع إلى قول علي عليه السلام في المهر، وفي أنَّ(12) له أن يخطبها بعد ذلك.
__________
(1) انظر الأحكام 1/366.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): أنه.
(4) سقطت من (أ).
(5) في (أ): في محضر.
(6) في (أ): في.
(7) في (أ): من.
(8) في (أ): ع.
(9) في (أ): يخالف.
(10) سقط من (ب).
(11) في (أ): تفترق.
(12) في (أ): أنه.(52/24)
ومما يدل على وجوب العدتين: أنهما حقان لنفسين يصح انفراد كل واحد منهما عن صاحبه، فوجب أن لا يتداخلا، دليله سائر الحقوق، ويكشف أن العدة حق للزوج قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتُ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلَ أَنْ تَمُسُّوهُنَّ..} الآية، فبين أن العدة إذا وجبت كانت للزوج، وبين(1) ذلك أن الزنا لما لم يتعلق به حق للزوج(2) لم يجب عنه العدة، والوطء سواء كان عن نكاح صحيح، أو عن شبهة، لما تعلق(3) به حق الزوج، وجبت العدة، فبان أن وجوبها لِحقِ الزوج.
فإن قيل: لو كان حقاً له، لكان يصح منه إسقاطه.
قيل له: لا يمتنع أن لا يصح منه إسقاطه إذا كان يتعلق به حق الله تعالى، ألا ترى أن ولاية الأب على(4) الابن الصغير حق له، ومع هذا(5) لا يصح منه إسقاطه، لَمَّا تعلق بحق لغيره، وهو الابن، ولم يخرجه ذلك من أن يكون حقاً له، فكذلك ما اختلفنا فيه.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: إن الغرض بالعدة هو استبراء الرحم، وهذا الغرض يتم مع التداخل؟
قيل له: إن العدة وإن كان فيها استبراء الرحم، فلسنا نقول: إنها لا لغرض فيها سواه، ألا ترى أنها تجب على الصغيرة التي في حكم الطفولة(6)، وعلى الآيسة، وتجب من وفاة زوج طفل، فإذا ثبت ذلك لم يصح(7) أن يقال فيها إنها مقصورة على استبراء الرحم، وما قلنا من أنها تبدأ بعدة الثاني، ثُمَّ تبنى على ما مضى من عدة الأول حتى تتمها، فإن الشافعي يخالف فيه ويقول: تتم عدة الأول أولاً، فإذا خرجت منها(8) اعتدت للثاني.
وروى هناد بن السري مثل قولنا عن الشعبي، ومثل قول الشافعي عن إبراهيم.
__________
(1) في (أ): يبين.
(2) في (أ): الزوج.
(3) في (ب): يتعلق.
(4) في (أ): عن.
(5) في (أ): ذلك.
(6) في (أ): الكفولية.
(7) في (أ): يجز.
(8) في (أ): منها من الأول فاعتدت.(52/25)