والأصل فيه حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نكاح الشغار، قال أبو خالد، فسألت زيداً عن تفسير ذلك، فقال: هو أن يتزوج الرجل ابنة الرجل على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا مهر لواحدة منهما.
وأخبرنا أبو العباس الحسني رحمه الله، قال: أخبرنا أحمد بن سعيد الثقفي، قال: حدثنا أحمد بن الأزهر، قال: حدثنا عبدالرزاق، عن معمر، عن ثابت، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (لا شغار في الإسلام).
وروي نحوه عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وروى أبو داود في (السنن) (1) بإسناده، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشغار.
فصارت هذه الأخبار موجبة تحريم نكاح الشغار، فوجب فساده.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم إن الذي يجب أن يفسد هو المهر دون عقد النكاح، وفساد المهر لا يوجب فساد العقد؟
قيل له: الأخبار التي ذكرناها اقتضت تحريم نكاح الشغار، دون ما سواه، والنكاح عندنا هو العقد، وعند مخالفنا هو الوطء، فوجب أن يكون المحرم هو العقد، أو الوطء، بهذا العقد، وأيهما ثبت تحريم العقد، ولا وجه لصرفه إلى المهر، إذ النكاح ليس باسم للمهر، فبان به صحة ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: لو فسد العقد، لم يخل فساده من وجوه إما لأنَّه انطوى على منفعة للزوج، أو لأنَّه وقع معرى عن المهر، أو لأنَّه وقع بمهر فاسد، وكل هذه الوجوه مما لا يوجب فساد النكاح، فوجب أن يكون العقد صحيحاً.
__________
(1) أخرجه أبو داود في السنن 2/234.(52/16)
قيل له: هذا كلام من يرى أنَّه لا يجب تحريم الشيء وفساده بمجرد قول صاحب الشرع، وأن التحريم والفساد إنَّما يجب إذا عرفنا لهما وجهاً سوى ما يذكره صاحب الشرع، وهذا فاسد بإجماع المسلمين، فوجب سقوط هذا السؤال، ولزوم القضاء بإفساد هذا العقد؛ لتحريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ألا ترى أنَّه غير ممتنع أن يكون ورد الشرع بتحريم النكاح إذا عقد على الخمر، وإباحته إذا عقد على الخنزير، وإن كان /34/ المهر في العقدين فاسداً، فإذا ثبت ذلك، وجب تحريم عقد نكاح الشغار؛ لظاهر كلام(1) النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كانت أحواله في الوجوه الثلاثة على ما ذكر.
فإن قيل: فنحن نقيس نكاح الشغار على نكاح يعقد على الخنزير والخمر، فنقول: إنَّه لا يجب أن يفسد نكاح الشغار لفساد المهر كما لا يجب أن يفسد نكاح على الخمر والخنزير.
__________
(1) في (أ): قول.(52/17)
قيل له: عندنا أن نكاح الشغار لم يفسد لفساد المهر فقط، فيكون سبيله سبيل النكاح المعقود على الخنزير والخمر، وإنما فسد لأن الإفساد فيما انطوى العقد عليه؛ لأنَّه لما زوج ابنته على أن يكون بضعها مهراً لابنه المتزوج بها، صار مستثنياً بضعها من جملة العقد، فلم يتم العقد، وصار ذلك رفعاً لبعض ما أوجبه، فوجب فساده، وليس كذلك النكاح المعقود على الخمر والخنزير؛ لأن العقد فيه قد سلم وتم، والفساد إنَّما وقع في المهر، فبان فساد قياسهم، على أن جميع ما ذكروه يوجب عليهم القول بجواز المتعة، وإفساد المدة على ما ذهب إليه زفر، فلا بد لهم من الرجوع إلى مثل جوابنا فيه، على أنا نقيس نكاح الشغار على نكاح المتعة، فنقول: إن كل واحد منهما اقتضى رفع بعض موجَب العقد، فوجب أن يكون فاسداً؛ لأن الشغار اقتضى استثناء البضع من جملة العقد، والمتعة اقتضت استثناء بعض المدة، والعقد يقتضي التأبيد، على أن قياسهم لو ثبت، لكان قياسنا أولى للحظر والاحتياط، ولأنهم [قد] (1) قالوا: لو أن امرأة تزوجت عبداً على أن تكون رقبته مهراً لها، فسد النكاح، وكذلك يجب أن يكون الشغار؛ لأن المعقود عليه جُعل عوضاً.
مسألة [في نكاح المحرِم وإنكاحه]
قال: ونكاح الْمُحْرِم باطل، وكذلك إنكاحه.
وهذا منصوص عليه في كتاب (الأحكام) (2)، وقد استقصينا الكلام فيه في كتاب الحج، فلا طائل في إعادته.
مسألة [مسألة إنكاح المعتدة]
قال: ولا يحل للرجل أن ينكح المرأة وهي في عدة من غيره، فإن فعلا ذلك جهلاً، كان النكاح باطلاً، وللمرأة المهر على الثاني إن كان الأول قد دخل بها، فإن جاءت بولد لأكثر من سته أشهر من يوم دخل بها المزوج الثاني، أو لستة أشهر، فالولد(3) للزوج الثاني، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر، فهو للزوج الأول.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (4).
__________
(1) سقط من (أ).
(2) انظر الأحكام 1/276.
(3) في (أ): فهو.
(4) انظر الأحكام 1/365 ـ 366.(52/18)
أما ما ذكرناه من فساد النكاح الواقع في العدة على ما بيناه، فمما لا خلاف فيه بين المسلمين، وقد قال الله تعالى: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}.
أخبرنا أبو الحسين بن إسماعيل، قال: أخبرنا(1) الناصر للحق عليه السلام، قال: حدثنا الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون، عن أسباط بن محمد، عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق، قال: قضى عمر في امرأة تزوجت في عدتها أن يفرق بينهما، ويجعل مهرها في بيت المال، ولا يجتمعان أبداً، وعاقبهما، فقال علي عليه السلام: ((ليس هكذا، هذه الجهالة، ولكن يفرق بينهما، وتستكمل بقية العدة، ثُمَّ تستقبل عدتها من الآخر))، فحمد اللهَ عمرٌ وأثنى عليه، وقال: ردوا الجهال أيها الناس إلى السنة.
وأخبرنا أبو الحسين، قال: حدثنا الناصر، قال: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم، عن أبي مالك ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عُمَر أنَّه قال في امرأة تزوجت في عدتها، قال: يفرق بينهما ماعاشا، ويجعل /35/ صداقها في بيت المال، وقال علي عليه السلام: ((يفرق بينهما، ولها صداقها فيما استحل من فرجها، وتتم ما بقي عليها من عدتها من الأول، ثُمَّ تستأنف ثلاثة قروء من الآخر، ثُمَّ يخطبها الآخر إن شاء)). فصار إبطال النكاح وفاقاً بين علي وعمر، ولم يرو عن أحد من الصحابة خلافه، وجعلنا المهر لها بما استحل من فرجها؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النكاح بغير ولي ((فوهو باطل)) فإن دخل بها، فلها المهر بما أصاب منها، وقد مضى إسناده في مسألة النكاح بغير ولي، فصار ذلك أصلاً لإيجاب المهر في كل وطءٍ وقع بشبهة.
__________
(1) في (أ): حدثنا.(52/19)
وقلنا: إن المهر لها؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك، وهو قول علي عليه السلام على ما ذكرناه في الحديث المتقدم، وفي أحد الحديثين أن عمر، قال: هو لبيت المال، ثُمَّ رجع إلى قول علي عليه السلام.
وروى أيضاً هناد بن السري في كتاب النكاح بإسناده عن الحكم، عن علي عليه السلام، وعمر، نحو ذلك، قال الحكم: ثُمَّ رجع عمر إلى قول علي، فصار ذلك وفاقاً، ولم يحكَ فيه خلاف.
وكذا أيضاً ما روى هناد بن السري بإسناده، عن قتادة، عن ابن المسيب، في امرأة تزوجت في عدتها، فقضى عمر بأن يفرق بينهما، وضربهما دون الحد، وأعطاها الصداق بما استحل من فرجها.
وما ذكرناه من أنها إن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر منذ دخل بها الثاني، فهو للثاني، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر فهو للزوج الأول، هذا إن كان منذ فارقها الزوج الأول لأربع سنين أو أقل على ما ذكره في (المنتخب)، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ دخل بها الثاني، ولأكثر من أربع سنين منذ أن فارقها الأول، لم يلحق بالأول، ولا بالثاني.
وتحصيل المذهب على ما بينه في (المنتخب) (1) أنها متى جاءت بولد(2) في وقت يصح أن يلحق بأحد الزوجين، ولم يصح أن يلحق بالآخر، فإنه يلحق بالذي يصح أن يلحق به دون الذي لا يصح أن يلحق به، فإن جاءت به في وقت لا يصح أن يلحق بواحد منهما، لم يلحق بواحد منهما(3)، وهذا مما لا خلاف فيه، فأما إذا جاءت به في وقت يصح أن يلحق بكل واحد منهما، وهو الذي ذكره في (الأحكام)، فقد اختلف فيه، قال الشافعي: يرجع فيه إلى القيافة، وقال أبو حنيفة: يلحق بالأول، وقال يحيى عليه السلام: يلحق بالثاني.
أما الكلام في بيان أقل الحمل وأكثره، فسيجيء بعد في موضعه من هذا الكتاب.
__________
(1) انظر المنتخب 148 ـ 163.
(2) في (أ): بالولد.
(3) في (أ): بأحدهما.(52/20)