وأخبرنا أبو الحسين البروجردي، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثنا نجيح بن إبراهيم، قال: حدثنا سعيد بن عمر، قال: حدثنا عبثر بن القاسم أبو زبيد، عن سفيان الثوري، عن مالك بن أنس، عن محمد بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، عن أبيه، قال: تكلم علي وابن عباس في متعة النساء، فقال علي: <إنك امرؤ تائه، إن النبي(1) صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية>.
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا علي بن سعيد، قال: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا عبدالواحد بن زياد، قال: حدثنا أبو عميش، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: أذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في متعة النساء ثُمَّ نهى عنها(2).
__________
(1) في (أ): رسول الله.
(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/26 وفيه علي بن قعيد.(52/11)
وأخبرنا أبو سعيد الأبهري، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن أبي الحسن الصدفي الفقيه بمصر، قال: أخبرنا يونس بن عبدالأعلى الصدفي، قال: أخبرنا أنس بن عياض الليثي، عن عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز، عن الربيع بن سبره الجهني، عن أبيه، قال: وردنا مكة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع، فقال: (استمتعوا من هذه النساء) والإستمتاع عنده(1) النكاح، فكلم النساء من كلمهن منا فقلن: لا ننكح إلاَّ وبيننا وبينكم أجل، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (اضربوا بينكم وبينهن أجلاً)، فخرجت أنا وابن عم لي ومعي برد، ومعه (2) أجود من بردي، وأنا أشب منه، فمررنا بامرأة، فأعجبها شبابي، وأعجبها برده، فقالت(3): بردك بردي وجعلت الأجل بيني وبينها عشراً، فبتُّ عندها تلك الليلة، فغدوت فإذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم بين الركن والباب يخطب الناس، فقال: ((يا أيها الناس كنت أذنت لكم بالإستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده شيء منهن، فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً)).
وفي حديث زيد بن علي عليهم السلام، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نكاح المتعة في خيبر(4).
وفي حديثه عن علي عليه السلام: (لا نكاح إلاَّ بولي وشاهدين، ليس بالدرهم والدرهمين، ولا اليوم و [لا] (5) اليومين، شبه(6) السفاح، ولا شرط في نكاح(7)).
__________
(1) في (أ): عندنا.
(2) في (أ): وبرده أود.
(3) في (ب): فقال.
(4) في (أ): يوم خيبر.
(5) سقط من (أ).
(6) في (ب): شيبة.
(7) في (أ): النكاح.(52/12)
فإن قيل: ففي هذه الأخبار ما يدل على الضعف والإضطراب، وذلك أن في بعضها أنها نسخت يوم خيبر، وفي بعضها أنها أبيحت يوم فتح مكة، ثم نسخت(1)، وكان خيبر قبل الفتح بمدة، وإذا /32/ حصل هذا الضرب من الإضطراب، لم يصح التعلق بها.
قيل له:: هذا الذي ذكرتموه لا يدل على الإضطراب والضعف، لأنَّه جائز أن يكون نسخت يوم خيبر على ما رواه علي عليه السلام وغيره، ثُمَّ أبيحت بعد ذلك يوم فتح مكة، إما إباحة عامة، وإما لقوم بأعيانهم، ثُمَّ نسخت، وإذا كان هذا جائزاً، فلا يجب ضعف الأخبار.
فإن قيل: فإن إباحة المتعة معلومة، والنسخ إنَّما هو بخبر الواحد، ولا يجب نسخ المعلوم بخبر الواحد، كما لا يجب نسخ القرآن به.
قيل له: الأصل في خبر الواحد أنَّه مقبول إذا سلم سنده، ولا يمتنع أن ينسخ به ماهو معلوم، ألا ترى أنا نقبل خبر الواحد في إباحة ما حظره العقل، وفي حظر ما أباحه، وكذلك نقبله في استباحة الفروج، مع أن حظرها معلوم على الجملة شرعاً، فإذا ثبت هذا، لم يمتنع ما قلنا.
فأما نسخ القرآن بخبر الواحد، فلسنا نمنع منه عقلاً، وإنما ممنع منه لدلالة شرعية، ألا ترى أن من الناس مَن لا ينسخه بالخبر المتواتر، وإنما يقبل(2) خبر الواحد في تخصيص القرآن، ومن طريق الاعتبار لا فصل بين التخصيص والنسخ، وإنما الفاصل بينهما الشرع، على أنَّه لا خلاف بيننا وبين الإمامية في أن المسح على الخفين منسوخ، وثبوت المسح في الأصل معلوم، ونسخه إنَّما بخبر الواحد، فإذا لم يمتنع ذلك في نسخ المسح، لم يمتنع في نسخ المتعة، على أن الأخبار الواردة في نسخ المتعة أظهر وأقوى؛ لأن فيها لفظة النسخ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيها أنه نسخها وحرمها إلى يوم القيامة، وليس في نسخ المسح هذا النص، وإن كان ذلك أيضاً ثابتاً صحيحاً، فبان بما بيناه أنَّه لا يعترض بما ذكروه.
__________
(1) في (ب): فسخت.
(2) في (أ): أنا نقبل.(52/13)
فإن قيل: ففي القرآن ما يدل على إباحة المتعة، وهو قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، فإذا ثبتت الإباحة بالقرآن، فلا خلاف أنَّه لا يجوز نسخها بخبر الواحد.
قيل له: ليس في الآية ما يدل على إباحة المتعة؛ لأن الاستمتاع في اللغة هو الانتفاع به ومنه قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِيْ حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}، وقوله تعالى: {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ} فالمرتد بالاستمتاع الانتفاع بهن بالنكاح الصَّحيح، وما روي عن ابن عباس أنَّه قرأ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، فالرواية قد قيل: إنها ضعيفة، وإن ثبتت فيحتمل أن يكون المراد به تأخير المهر، ونحن نُجوز المهر المؤجل، وتفيد الآية إن صحت الرواية جواز ذلك، ووجوب الإيفاء إذا حل الأجل، فلا دليل فيه على المتعة على وجه من الوجوه.(52/14)
وفيه من طريق النظر أنَّه عقد معاوضة يقتضي إطلاقه التأبيد، فوجب أن يفسده التوقيت، دليله البيع، وأيضاً هو عقد يختص استباحة الوطء، ولا يجري فيه الطلاق والمواريث مع كون كل واحد من الرجل(1) والمرأة وارثاً وموروثاً، وكون الرجل ممن يصح(2) طلاقه، فوجب أن يكون فاسداً، دليله النكاح الفاسد، فأما ما كان يذهب إليه زفر من أن النكاح ثابت، والشرط فاسد، فلا معنى له؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في المتعة: (إنما كانت لمن لا يجد)، فلما أنزل الله تعالى النكاح، والطلاق، والميراث، نسخت، وظاهر الكلام أن المراد به العقد، وكذلك قول علي عليه /33/ السلام: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متعة النساء، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فمن كان عنده شيء فليخل سبيلها) وما ذكرناه من القياس الأول أيضاً يفسد قوله، ولأن هذا القول خلاف الإجماع؛ لأن الناس أحد رجلين، رجل يحرم العقد ويبطله، ورجل يجيز العقد مع الشرط، فحصل الإجماع على أن شرطها كعقدها، فالفاصل بينهما تارك للإجماع، على أن العقد لا يخلو من أن يبيحها في المدة المذكورة، أو يبيحها فيها وفيما بعدها، فإن أباحها في المدة المذكوره فقط فهو المتعة، وإن أباحها في المدة وبعدها لم يصح ذلك، لأن العقد إنَّما يتناول المدة، ألا ترى أن الأجارة لما كانت عقداً على أمر مضروب، لم يتناول ما بعده، وكذلك عقد المتعة.
مسألة [في نكاح الشغار]
قال: ونكاح الشغار حرام، وهو أن يكون الرجلان يُزوِّج كل واحد منهما ابنته من صاحبه على أن يكون بضع كل واحدة منهما مهر صاحبتها.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(3) وبه قال الشافعي، ومالك. قال أبو حنيفة النكاح صحيح، ويجب مهر المثل.
__________
(1) في (أ): الزوج.
(2) في (ب): يصلح.
(3) انظر الأحكام 1/407.(52/15)