قيل له: ففي هذا الموضع /29/ يستويان فيه ـ أعني المرأة والولي ـ ولا مزية فيه للمرأة على الولي، فلا يصح صرف قوله صلى الله عليه وآله وسلم وإذا لم يصح ذلك فوجب(1) صرفه إلى ما قلناه، وفيه صحة مذهبنا.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (ليس للولي مع الثيب أمر).
قيل له: هذا الحديث، والحديث الذي يقول: (الأيم أحق بنفسها) فيما رواه نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد روي بألفاظ مختلفة فروي: ((الثيب أحق بنفسها))، وروي: ((الأيم أحق بنفسها))، وفي أواخر الحديث، ((واليتيمة تستأمر))، وفي بعضها: ((والبكر تستأمر، وأذنها صماتها))، ((وإقرارها صماتها))،ـ فكأن الحديث حديثاً واحداً، واختلفت ألفاظ الرواة، فلا يمتنع أن يكون بعضهم روى ما كان عنده من المعنى، فاعتقد أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الثيب أحق بنفسها) يوجب أن لا حق للولي في أمرها، فروي: ((ليس للولي مع الثيب أمر))، والقصد في جميع ذلك [بيان] (2) الفرق بين الثيب والبكر في الاستئمار، وهذا مما لا خلاف فيه، فإن صح اللفظ فهو محمول على أن المراد به ليس للولي أن يستبد بالأمر دونها على أن من يخالفنا في هذه المسألة لا ينكر أن الثيب إذا كانت صغيرة، فلوليها أن يعقد عليها من دون استئمارها، وكذلك الثيب من المماليك، فبان أن الخبر خاص، وصح حمله على ما قلناه.
فإن قيل: فقد روي أن امرأة جاءت(3) إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوهبت نفسها له، فقال: (مالي في النساء حاجة) فقام رجل، فسأله أن يزوجها إياه، فزوجه بها، ولم يسألها: هل لها ولي؟ ولم يشترط الولي في جواز العقد.
__________
(1) في (أ): وجب.
(2) سقط من (أ).
(3) في (أ): أتت.(52/6)


قيل له: يحتمل أنَّه لم يكن للمرأة ولي في الحال، فلذلك زوجها؛ إذ ليس في الحديث أنَّه كان لها ولي فلم يستأذن في أمرها، وعلى هذا النحو جواب من سأل عن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ابن أم سلمة بأن يزوجها منه صلى الله عليه وآله وسلم وهو صغير؛ لأنَّه لا يمتنع أن يكون الغلام [كان] (1) صغيراً في المنظر وقد عرف صلى الله عليه وآله وسلم، بلوغه، أو يكون ذلك خاصاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجملة الأمر أن هذين الحديثين حكاية فعلٍ خاص؛ لأنهما وقعا على وجه مخصوص، فلا يمكن ادعاء العموم فيه.
ويبين أن ما ذهبنا إليه هو قول علي عليه السلام، وقول ابن عباس: أخبرنا أبو العباس الحسني(2)، قال أخبرنا أبو أحمد الأنماطي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن قيس بن عاصم بن بهدله، عن علي عليه السلام: (لا نكاح إلاَّ بإذن ولي).
وأخبرنا أبو العباس الحسني، قال: أخبرنا أبو أحمد الأنماطي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبدالرزاق، عن محمد بن محرز، عن ميمون بن مهران، قال: سمعت ابن عباس يقول: البغايا اللاتي يتزوجن بغير ولي.
وروي هذا القول عن عمر.
وروي أن عائشة كانت تخطب، فإذا(3) أرادت العقد أمرت غيرها، وقالت: إن النساء لا يعقدن، ولم يرو خلافه عن غيرهم، فجرى مجرى إجماعهم.
أخبرنا أبو بكر المقري، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا يوسف بن عدي، عن عبدالله بن إدريس، عن ابن جريج، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن عائشة: أنها أنكحت رجلاً من بني أخيها(4) جارية من بني أخيها فضربت بينهم بستر، ثُمَّ كلمت، حتى إذا لم يبق إلاَّ النكاح، أمرت رجلاً فأنكح، ثُمَّ قالت: ((ليس إلى النساء النكاح)) (5).
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (أ): رحمه الله تعالى.
(3) في (أ): وإذا.
(4) في (أ): أختها.
(5) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/10.(52/7)


ومما يدل على ذلك أنَّه لا خلاف بيننا وبين المخالف أن النكاح أمر يفتقر إلى الشهود، /30/ والدلالة أيضاً قد دلت عليه، فوجب أن يكون لافتقاره إلى غير المتخاطبين فيه مع بلوغهما وحريتهما، وغير الشهود مسرح دليله الحكم، وأيضاً لا خلاف أن المكاتبة لا يجوز نكاحها إلاَّ بولي(1) فكذلك الحرة، والمعنى أنَّه عقد نكاح، فوجب أن لا يصح(2) إلاَّ بالولي، ولا خلاف أيضاً أنها لو أرادت أن تضع نفسها في غير كفؤ، لم يتم ذلك إلاَّ بولي، فكذلك إذا وضعت في الكفؤ، والمعنى أنَّه عقد يفتقر إلى الشهادة، أو يقال: إنَّه عقد نكاح.
فإن قيل: إنها تملك بدل بضعها، وتتصرف فيه، فوجب أن يصح تصرفها في البضع، كالثمن والمثمَّن.
قيل له: هذا منتقض، لأن ولي الدم يملك بدل الدم من الدية، ويتصرف فيها، وإن كان لا يملك المبدل، ولايتصرف فيه.
فإن قيل : الولاية تثبت عليها في حال الصغر على نفسها ومالها، فإذا بلغت وجب ان تنقطع الولاية عن نفسها كما تنقطع عن مالها؛ لاجتماعهما جميعاً في جواز التصرف عليها في ذلك، وقاسوا الأنثى على الذكر بوجوب انقطاع الولاية عند البلوغ.
__________
(1) في (أ): بالولي.
(2) في (أ): يتم.(52/8)


قيل له: لا خلاف أن حكم المال في هذا الباب ليس هو حكم النكاح، وأن حكم الذكر في النكاح ليس هو حكم الأنثى، لأن المرأة إذا بلغت، وضعت مالها حيث شاءت، ولم يبق ولاية تمنع من ذلك، وكذلك الذكر إذا بلغ، تزوج من شاء، وليس لأحد من الأولياء أن يمنعه من ذلك، والمرأة إذا أرادت أن تضع نفسها في غير كفؤ، كان للولي أن يمنع من ذلك، فبان أن حكم الولاية على النساء في النكاح لا ينقطع، وإن انقطع عن المال والذكور، على أن قياسهم لو ثبت، لكان يكون قياسنا أولى؛ للحظر، والاحتياط، ولأنه يوجب حكماً شرعياً، ولأن النصوص القاطعة تعضده، وكذلك إجماع الصحابة، ولأنا وجدنا النكاح قد قصر فيه حال النساء عن حال الرجال بدلالة إذا أرادت وضع نفسها في غير كفؤ مُنعت من ذلك، وأن العقد يمضي على البكر البالغة بغير عبارة منها عن الرضى، فوجب أن لا تقوم المرأة فيه مقام الرجل، كالإمامة في الصلاة، وكالشهادة، والقضاء، والإمامة العامة، ويقوي ذلك قول الله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} فجعل إلينا إنكاح الأيامى، كما جعل إلينا إنكاح الإماء والعبيد، وقال سبحانه: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِيْنَ حَتَى يُؤْمِنُوا} فجعل أمر الإنكاح(1) إلينا، ولم يخاطب النساء، فثبت بذلك أجمع صحة ما ذهبنا إليه في هذا الباب.
وحكى عن مالك أنَّه فصل بين الشريفة والوضيعة، فمنع نكاح الشريفة إلاَّ بالأولياء، وأجاز ذلك للوضيعة، وهذا لا معنى له؛ لأن جميع ما ذكرنا من أدلة الكتاب والسنة والعترة لا تفصل بين حال الشريفة والوضيعة في ذلك، فإذا(2) لم يخالف في الشريفة أمكن أن يقاس عليها الوضيعة؛ بعلة أنها تعقد عليها عقد النكاح، فوجب أن لا يصح إلاَّ بولي.
__________
(1) في (أ): النكاح.
(2) في (أ): وإذا.(52/9)


وحكي عن أبي ثور أنَّه قال: إذا أذن الولي، جاز أن تعقد المرأة على نفسها، وهذا يبطله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تُنكح المرأةُ المرأةَ، ولا المرأة نفسَها)، وقوله: (أيما امرأة تزوجت بغير ولي، فنكاحها باطل)، وقوله: (لا نكاح إلاَّ بولي)، وقوله: (البغايا اللواتي يزوجن أنفسهن بغير ولي) ويحجه كثير مما مضى على أبي حنيفة من الكتاب والقياس.
مسألة [في نكاح المتعة]
قال: ونكاح المتعة حرام، وهو أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل مضروب.
نص في (الأحكام) (1) على تحريم المتعة، وروى ذلك فيه عن /31/ جده القاسم(2)، وهو قول الناصر عليه السلام، والزيدية أجمع، وسائر العلماء إلاَّ ما يحكى عن زفر أنَّه أبطل الشرط، وأجاز العقد، وذهبت الإمامية إلى أنها حلال، وأنها لم تنسخ، وروي عن ابن عباس أنَّه كان يستبيحها، وروي أنَّه رجع عن ذلك.
والأصل في تحريمها: ما أخبرنا به أبو العباس الحسني قال: حدثنا أحمد بن الفضل، قال: حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، قال: حدثنا ابن المصفى، قال: حدثنا الفريابي عثمان بن سعيد، عن ابن لهيعة، عن موسى بن أيوب الفافقي، عن عمه، عن إياس، عن عامر المزني، عن علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه نهى عن المتعة، وقال: إنَّما كانت لمن لم يجد، فلما أنزل الله تعالى النكاح، والطلاق، والميراث بين الزوج والمرأة، نسخت.
وأخبرنا أبو العباس الحسني، قال: حدثنا عبدالعزيز بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن منصور الحيري، قال: حدثنا محمد بن الأزهري الطائي، قال: حدثنا أبو إبراهيم بن يحيى المزني، عن عبدالله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه الصلاة والسلام، قال: (حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتعة في النساء(3) يوم خيبر، وقال: لا أجد أحداً يعمل بها إ لا جلدته).
__________
(1) انظر الأحكام 1/349 ـ 351.
(2) في (أ): عليه السلام.
(3) في (أ): متعة من النساء.(52/10)

86 / 142
ع
En
A+
A-