باب القول فيما يصح أو يفسد من النكاح
[مسألة في اشتراط الولي والشهود]
كل نكاح يعقد من غير ولي وشهود فهو فاسد، وكذلك إن عقد بولي من غير شهود أو شهود من غير ولي فهو أيضاً فاسد، وكذلك إن عقد بشهادة النساء وحدهن فهو أيضاً فاسد.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2) غير ما ذكرنا من فساد النكاح من شهادة(3) النساء وحدهن فإنه منصوص عليه في (الأحكام) (4) أما الكلام فيما يتعلق بالشهادة فإنا نستوفيه إن سهل الله تعالى في باب شهادة النكاح، والذي يحتاج أن(5) يبين في هذا الموضع هو الكلام في أن النكاح لا بد فيه من الولي، وبه قال الناصر (6)، والشافعي، وهو قول علي عليه السلام. قال أبو حنيفة يصح النكاح من غير(7) ولي.
والذي يدل على ذلك: ما أخبرنا به أبو العباس الحسني، قال: أخبرنا(8) أحمد بن خالد، قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل الكوفي، قال: [حدثنا] (9) أبو زكريا البجلي، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل بن خالد بن جرير، قال: حدثنا محمد بن يعلى، عن عمر بن صبيح، عن مقاتل بن حيان، عن الأصبغ بن نباته، عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (أيما امرأة تزوجت من غير(10) ولي، فنكاحها باطل، ثُمَّ هو باطل، ثم هو باطل، وإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي لها (11)).
__________
(1) انظر الأحكام 1/345 ـ 346.
(2) انظر المنتخب 125.
(3) في (أ): بشهادة.
(4) انظر الأحكام 1/377.
(5) في (أ): أنا.
(6) في (أ): للحق ع.
(7) في (أ): بغير.
(8) في (أ): حدثنا.
(9) سقط من (أ).
(10) في (أ): بغير.
(11) في (أ): له.(52/1)


وأخبرنا أبو العباس الحسني، قال: أخبرنا عبدالعزيز بن إسحاق البغدادي، قال: حدثنا علي بن أحمد بن حاتم التميميي، قال: حدثنا الحسن بن عبدالواحد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون، عن صالح بن [أبي] (1) الأسود، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمد وزيد ابنا علي(2)، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا نكاح إلاَّ بولي وشهود).
وأخبرنا أبو العباس الحسني، قال: أخبرنا أبو أحمد الأنماطي، قال: حدثنا أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الصنعاني، قال: أخبرنا عبدالرزاق، عن عبدالله بن محرز، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن الحصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا نكاح إلاَّ بولي وشاهدي عدل).
وأخبرنا أبو الحسين البروجردي، قال: حدثنا محمد بن /27/ عمر الدينوري، قال: حدثنا عباد بن عمرو، قال: حدثنا عبيدالله بن موسى، قال: أخبرنا ابن جريح، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال النبي(3) صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تنكح المرأة إلاَّ بإذن وليها، فإن نكحت، فهو باطل فهو باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما أصاب منها، وإن تشاجرا فالسلطان ولي من لا ولي له).
وأخبرنا البروجردي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عمر الدينوري، قال: حدثنا محمد بن غالب، قال: حدثنا عبدالصمد بن النعمان، قال: حدثنا الربيع بن [بدر] (4)، عن النبهاني بن [أبي] (5) الخطاب، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (البغايا اللاتي يُزوْجنَ أنفسهن بغير ولي) ولا يجوز إلاَّ بولي وشاهدين.
وحديث ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تُنْكِحُ المرأةُ المرأةَ، ولا تنكح نفسَها). فهذه الأخبار كلها نصوص تصرح بما ذهبنا إليه.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (أ): عليه السلام.
(3) في (أ): رسول الله.
(4) في (ب): زيد.
(5) سقط من (أ).(52/2)


فإن قيل: المرأة البالغة العاقلة ولية نفسها، فإذا تزوجت، كان ذلك نكاحاً بولي، فلا نكون خالفنا الآثار الواردة.
قيل له: هذا التأويل يسقط(1) من وجوه:
أحدها أن اسم الولي لا يتناول من يلي أمر نفسه لا من طريق اللسان، ولا من طريق الشرع، وإنما يتناول هذا الاسم من يلي أمر غيره، يحقق ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الأيم أحق بنفسها من وليها) فوجب(2) أن يكون وليها غير نفسها، خلاف [ما قال] (3) أبو حنيفة وحتى لا تكون كقوله أحق بنفسها، من نفسها وهذا محال.
ومنها [أن] (4)ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما امرأة تزوجت بغير ولي، فنكاحها باطل) فجعلها غير وليها، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (البغايا اللاتي يزوجن أنفسهن بغير ولي) فكل ذلك يسقط هذا التأويل.
فأما تعلق المخالف بأن في هذه الأخبار مراسيل، فلا وجه له؛ لأنَّه لا خلاف بيننا وبين المخالف لنا في هذه الأخبار أن المراسيل مقبولة.
وربما [أنهم](5) قالوا روي عن ابن جريح انه قال: ذكرت حديث سليمان بن موسى، عن الزهري في هذا الباب للزهري فلم يرفعه، وهذا لا معنى له؛ لأن الزهري يجوز أن يروي شيئاً ثُمَّ ينساه، وهذا لا يوجب سقوط الحديث، على أن ذلك الحديث قد رواه عن الزهري غير سليمان.
فإن قيل: نحن نخص هذه الأخبار، ونجعلها في التي لم تبلغ، أو المجنونة، أو التي وضعت نفسها في غير كفؤ، أو في المملوكة استدلالاً بقوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلِيْكُمْ فِيْمَا فَعَلْنَ فِيْ أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وقوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}، وقوله: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}.
قيل له: أما قوله: {فَلا جُنَاحَ عَلِيْكُمْ فِيْمَا فَعَلْنَ فِيْ أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فلا ظاهر له، ولا يصح لكم التعلق به لوجهين :
__________
(1) في (أ): ساقط.
(2) في (أ): يوجب.
(3) سقط من (أ).
(4) زيادة في (أ).
(5) سقط من (أ).(52/3)


أحدهما: أنه تعالى نفى الجناح عنا فيما فعلن هن في أنفسهم وهذا لا يدل على أن ما فعلن هن في أنفسهن جائز؛ لأن انتفاء الجناح عن زيد لا يدل على جواز ما يفعله عمرو، وإذا(1) ثبت هذا فلا بد في الآية من ضمير، وإلا لم يكن لها فائدة، ويحتمل أن يكون المراد بها فلا جناح عليكم أن تعقدوا ما فعلن في أنفسهن بالمعروف، فرفع الجناح بشرط أن /28/ يكون ما فعلن في أنفسهن بالمعروف، والمعروف هاهنا مجمل لا يعرف المراد به إلاَّ بغيره، فوجب أن يكون ماهو شرط فيه مجملاً، ووجب أن يرجع إلى غيره، على أن الظاهر أن لنا فيما فعلن في أنفسن فعلاً ينفي الجناح عنا فيه، وليس ذلك إلاَّ تولي العقد عليهن، وقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}، المراد به حصول النكاح، لا ما به يصح النكاح، يكشف ذلك أن المخالف لنا في هذه [المسألة] (2) لا ينكر أن الولي لو زوجها، لدخلت في الآية، فبان ان المراد ليس حصول النكاح من جهتها فقط، وقوله: {فَلا تَعْضِلُوهُنَّ} مما يستدل به على أن الولي يملك أمرها؛ لأن النهي عن الشيء يدل على أن المنهي عنه متمكَن من فعله، فلولا أن العضل له حكم لم يكن للنهي عنه معنى، لأن النهي يكون(3) إذاً نهياً عما لم يتمكن منه، وذلك لا يصح، ألا ترى أن عضله لو لم يكن له حكم، لكان المنع لا يصح؛ لأنَّه كان يصح منها أن تتزوج مع المنع، فلا يصح النهي عنه، على أنَّه قد روي عن الحسن فيما رواه عنه أبو داود في (السنن) (4) وغيره، قال: حدثني معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تُخطب، فأتاني ابن عم لي، فأنكحته، ثُمَّ طلقها طلاقاً له رجعة، ثُمَّ تركها حتى انقضت عدتها، فلما خُطبت أتاني يخطبها، فقلت: والله لا أنكحها أبداً ، قال: ففيَّ نزلت هذه الآية: {فَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ
__________
(1) في (أ): فإذا.
(2) سقط من (أ).
(3) في (أ): النهي قد يكون.
(4) أخرجه أبو داود في السنن 2/236.(52/4)


فَبَلَغْنَ أَجَلهُنَّ فَلا تَعْظِلُوهُنَ..} الآية، قال: فكفرت عن يميني، وأنكحتها(1) إياه. ألا ترى أن الله تعالى جعل امتناعه من الإنكاح عضلاً، فنهى عنه، فلولا أن نكاحها كان يتعلق به كان لا يكون [ذلك ] (2) عضلاً.
ولجاز أن تزوج هي نفسها، فبان أن الآية تدل على ما ذهبنا إليه دون مذهبهم، على أن ما تعلقوا به من هذه الآية إنَّما هو بيان جواز عقدة النكاح، دون ما به ينعقد، وأخبارنا التي استدللنا بها قد تتضمن بيان ما به ينعقد، وفيه اختلفنا، فصارت بموضع الخلاف أخص، وصار التعلق بها أولى.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (الأيم أحق بنفسها من وليها) وهذا يوجب تخصيص أخباركم.
قيل له: هذا يوجب صحة مذهبنا، وذلك أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أحق بنفسها من وليها) يوجب أن للولي حقاً في نفسها، كما أن لها حقاً فيها، إلاَّ أن حقها أوكد؛ لأن لفظة أفعل ظاهرها أنها لا تستعمل بين شيئين(3) إلاَّ في أمر يشتركان فيه، ويكون لأحدهما مزية، وهذا نص مذهبنا؛ لأنا نقول [فيه] (4): إن المرأة إذا خطبها كفؤ، كان لكل واحد من الولي والمرأة حق في العقد؛، لأنه لا يتم عندنا إلاَّ بهما، إلاَّ أن حق المرأة آكد، وذلك أن الولي لو(5) امتنع، أجبر، والمرأة لو(6) امتنعت، لم تجبر، فأما قولهم: إن الولي لا حق له في العقد فإنه لا يصح مع قوله: (أحق بنفسها من وليها).
فإن قيل: ونحن نقول بذلك في موضع آخر(7)، وهو إذا خطبها غير كفؤ، فوجب(8) للولي فيه حقاً؛ لأن العقد عندنا إذ ذاك لا يتم إلاَّ بالولي.
__________
(1) في (أ): زوجتها.
(2) سقط من (ب).
(3) في (أ): معنيين.
(4) سقط من (ب).
(5) في (أ): إذ.
(6) في (أ): إذ.
(7) في (أ): مواضع أخر.
(8) في (أ): فيوجب.(52/5)

85 / 142
ع
En
A+
A-