فيه(1) قياساً على الزنى، فإن قاسوه على الوطء الذي يقع منه لشبهة النكاح أو الملك، كان ذلك شاهداً لقياسنا؛ لأن ذلك الوطء لما صادف شبهة النكاح أو الملك اقتضى التحريم، والزنا لما لم يصادف ذلك لم يقتض التحريم، ويمكن أن يقال أنَّه وطء لا يوجب تحريم الجمع فوجب أن لا يوجب التحريم المستدام، دليله الزنى، ويؤيد ما ذهبنا إليه أن هذا الوطء بالزنا أشبه منه بالوطء في النكاح(2)، وإن كان يشبه الوطء في النكاح في وجوه، وذلك أن الزنا فارق سائر وطء النساء وإن شارك في التحريم كثيراً /24/ منه أنَّه لا تستباح الموطوؤه بالزنا إلاَّ بتجديد نكاح(3) أو الملك، والوطء الذي اختلفنا فيه شارك الزنا في هذا فوجب أن يكون هذا الشبهة أقوى من سائر الشبه(4) وإن كثر؛ لأنَّه ماشبه للزنا في الصفة التي تخصه.
فإن قيل: هذا الوطء لا حد فيه، والحد من خصائص الزنا، فقد خالف الزنا في بعض خصائصه.
قيل له: إن الزنى ليس الحد من خصائصه؛ لسقوطه عن المجنون والصبي إذا زنيا، وليس كذلك ما ذكرنا؛ لأنَّه حكم لكل زان، فإن(5) تعلقوا بشيء مما تعلق به أصحاب أبي حنيفة من الآية والخبر، فالجواب على نحو ما مضى.
مسألة [في نكاح امرأة المفقود]
قال: ولا يجوز لامرأة المفقود أن تتزوج حتى توقن بموته، أو تقوم به شهادة عادلة.
نص في (الأحكام)(6) على أنها لا تتزوج حتى تعلم خبره، وتوقن بموته، وليس الغرض الموت فقط، بل الغرض ما يوجب الفرقة، لأنَّه لو صح أنَّه طلقها، أو أنه ارتد، جاز لها أن تتزوج كما يجوز للمطلقة، وزوجة المرتد، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والشافعي.
وحكي عن مالك أنها تربص أربع سنين، ثُمَّ تعتد أربعة أشهر وعشراً، ثُمَّ تتزوج، وهو قول الأوزاعي: وبه قال عمر بن الخطاب.
__________
(1) في (ب): منه.
(2) في (أ): بالنكاح.
(3) في (أ): النكاح.
(4) في (ب): التشبيه.
(5) في (ب): فإن.
(6) انظر الأحكام 1/361.(51/41)


وذكر السيد أبو عبدالله الداعي رضي الله عنه أن المرأة إذا غلب في ظنها موت المفقود فإنها تتزوج ـ أعني بالمفقود زوجها ـ وقال(1) القاسم عليه السلام: عمر الإنسان الطبيعي الذي لا يعيش أكثر منه وهو مائة وعشرون سنة، وبه قال(2) أبو حنيفة.
وما ذهبنا إليه في هذه المسألة هو قوله أمير المؤمنين عليه السلام، وروى أنَّه قال: (أيما امرأة ابتليت، فلتصبر، حتى تستبين بموت أو طلاق).
والأصل فيه أنَّه نكاح ثابت، فلا يصح(3) إبطاله إلاَّ بيقين، أو ما يقوم مقامه في الشرع من الشهادة، ألا ترى أن هذا هو الأصل في جميع الأشياء نحو أن يكون أسيراً في عدو، أو مقيماً في بلد قصي، أن امرأته تكون على جملته، فكذلك إذا(4) لم تعرف خبره؛ لأنها في الحالين لم تعلم انقطاع العصمة بينها وبينه، ولا خلاف أن الواجب عليها قبل أربع سنين المقام على جملة النكاح فكذلك بعدها، والعلة أنها زوجة(5) المفقود، والعلة الأولى تكشف صحة هذه العلة أنها إذا علمت بانقطاع العصمة جاز لها أن تتزوج في جميع الأحوال، وإذا لم تعلم، لم يجز، فبان أن الحكم به متعلق، ولا خلاف أن زوجها وإن طالت غيبته لا يجوز له أن يتزوج بأختها، وإن كانت تحته أربع، لم يجز له أن يتزوج سواهن، فكذلك المرأة ليس لها أن تتزوج، والمعنى بقاء حكم الزوجية بينهما، ولسنا نعني ببقاء حكم الزوجية بينهما غير أن زوالها لم يثبت.
فإن قيل: لا ضرر على الزوج فإنه يمكنه أن يطلقهن، وليس كذلك حال المرأة، والأصل أن الضرر يجب أن يدفع لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
__________
(1) في (ب): قال.
(2) في (أ): وهو قول أبي.
(3) في (أ): يجوز.
(4) في (أ): إن.
(5) في (أ): امرأة.(51/42)


قيل له: [هذا] (1) ينتقض بامرأة الأسير(2)، والمقيم بالبلد النازح، ولا خلاف أن الواجب عليها الصبر على احتمال [ذلك] (3) الضرر، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ضرر) لا يختص المرأة، بل يجب أن تمنع المرأة من النكاح لئلا تدخل الضرر بذلك على الزوج، وقد حكي عن أبي حنيفة أنَّه قال: إذا بلغ عمر المفقود مائة وعشرين سنة حكم بموته، وهذا لا معنى له؛ لأن مائة وعشرين /25/ سنة في هذا الباب كمائة وخمسة عشر سنة وكمائة وخمسة وعشرين وثلاثين فلا وجه لهذا التحديد، ولا يمكن أن يعتمد لصحة هذا القول ما يحكى عن الأطباء المتفلسفة أن ذلك هو النهاية في العمر، لأن قولهم في هذا الباب ليس عن أصل صحيح، وإنما هو ظن وحسبان، والشرع لا يجوز أن يبنى على الظن، وقد أخبر الله تعالى أن نبيئه نوحاً عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً.
مسألة [في رجوع الزوج المشهود على موته]
قال: فإن قامت الشهادة بموته، فتزوجت(4) ثُمَّ رجع، فهو أحق بها من الذي تزوجها ثانياً، وعلى الثاني المهر بما استحل من فرجها، ولا يقربها الأول حتى تستبري من ماء الثاني، فإن كانت حاملاً من الآخر، لم يدن منها الأول حتى تضع ما في بطنها، فإن لم تضع حتى طلقها الأول، انتظرت بنفسها حتى تضع وتطهر من النفاس، ثُمَّ تعتد من الأول ثلاث حيض مستقبلة، وللأول مراجعتها ما دامت في العدة، فإذا خرجت من العدة، نكحت(5) أيهما شاءت، أو غيرهما.
وجميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام)(6).
[و] (7) ما قلناه من أن الزوج الأول أحق بها، لا أحفظ فيه خلافاً بين الفقهاء، وإن كان يحكى(8) ذلك عن عمر.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (أ): أو المقيم.
(3) سقط من (ب).
(4) في (أ): وتزوجت.
(5) في (أ): تزوجت.
(6) انظر الأحكام 1/361.
(7) سقط من (ب).
(8) في (أ): ذلك يحكى.(51/43)


وما ذهبنا إليه هو قول علي عليه السلام: أخبرنا بذلك أبو الحسين بن إسماعيل قال: حدثنا الناصر(1)، قال: حدثنا الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، عن أبي معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي في رجل غاب عن امرأته، فبلغها أنَّه مات، فتزوجت، ثُمَّ جاء الزوج الأول قال عمر: يخير الزوج الأول بين امرأته وبين الصداق، فإن شاء أخذ الصداق، وترك للآخر امرأته، وإن شاء أخذ امرأته وقال علي عليه السلام: يفرق بينها وبين الزوج الآخر، وتعتد بثلاث حيض، وترد على(2) الأول ولها الصداق بما استحل من فرجها.
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام نحو(3) ذلك، وهو الصَّحيح؛ لأن غلط من غلط لا يبطل(4) النكاح الثابت، ألا ترى أنَّه لو كان(5) ماله اقتسم، فلا التباس أنَّه إذا رجع استرجعه(6) ممن هو في يده ولم يبطل ملكه، فكذلك النكاح، فأما ما ذهب إليه عمر من التخيير، فهو مما لا معنى له؛ لأن الإنسان يصح أن يخير بين شيئين إذا كان التعلق بينه وبين كل واحد منهما على سواء، وكان يمت [إلى] (7) كل واحد منهما بسبب واحد، وقد علمنا أن نكاحه عليها ثابت، والمهر لا يملكه بوجه من الوجوه؟ وإنما هو كسائر أملاك المرأة فكيف يصح أن يخير الإنسان بين ما يملكه ملكاً صحيحاً وبين مالا يملكه على وجه من الوجوه، اللهم إلاَّ أن يكون ذلك على وجه الصلح، فأما على طريق الإلزام، فلا معنى له.
وقلنا: إن لها المهر بما استحل من فرجها، لأنَّه قد حصل الوطء بنكاح شبهة، ولا خلاف أن المهر يجب فيه وفي ما جرى مجراه، وهو قول علي عليه السلام.
__________
(1) في (أ): عليه السلام.
(2) في (أ): إلى.
(3) في (أ): مثل.
(4) في (أ): يفسد.
(5) في (أ): قسم ماله.
(6) في (أ): يسترجعه.
(7) سقط من (ب).(51/44)


وقلنا: إنَّه لا يقربها الأول حتى تستبرئ من ماء الثاني، لأنَّه لا خلاف أن الوطء الذي يقع بالشبهة(1) يوجب العدة، وقد أفتى به أمير المؤمنين عليه السلام على ما سلف.
ووجه قولنا: أن الأول إن طلقها قبل أن تضع فعليها أن تعتد بعد الوضع من الأول وذلك إن العدة لا تتداخل؛ [ذلك] (2) لأن كل واحدة منهما حق لغير من الأخرى حق له، وسنبين الكلام في مسألة المعتدة إذا /26/ تزوجت.
وقلنا: إن الأول له المراجعة ما دامت في عدة منه؛ لأنَّه لا خلاف أن الرجعة جائزة في التطليقة الرجعية مالم تنقص العدة.
وقلنا: إنها تتزوج أيهما شاءت بعد العدة؛ لأن كل [واحد] (3) منهما خاطب من الخطاب إذا لم يحصل على حال يمنع من نكاحها.
مسألة [في نكاح ولد الزنا]
قال القاسم عليه السلام: ولا بأس بنكاح ولد الزنى، سواء كان الزوج للزنا والزوجة لرشدة، أو الزوجة للزنى، والزوج لرشدة.
وهذا منصوص عليه في (مسائل النيروسي) وهو مما لا أحفظ فيه خلافاً، والظواهر المبيحة لم تستثن من كان للزنى [و](4) كذلك لا فضل بينه وبين غيره في سائر الأحكام.
فإن قيل: فكيف تقولون: إن من تكون لرشدها يتزوج بها ولد الزنى وأنتم تقولون: إن النسب في الأكفاء معتبر به؟.
قيل له: ليس الأكفاء من جواز النكاح في شيء، لأن للمرأة أن تتزوج من ليس بكفؤ(5) لها إذا رضيت ورضي الأولياء، ونحن إنَّما قلنا في ولد الزنى ما قلناه في جواز النكاح.
__________
(1) في (أ): الشبهات.
(2) سقط من (ب).
(3) سقط من (ب).
(4) سقط من(أ).
(5) في (أ): بغير كفؤ.(51/45)

84 / 142
ع
En
A+
A-