وقد روي نحو ذلك عن ابن عباس، وابن جبير، ولا خلاف أنَّه إذا صيد للمحرم، وبأمره، لم يحل له أكله، فكذلك إذا صيد لغيره، وبغير أمره، والمعنى أنَّه صيد، فيجب أن يحرم على المحرم أكله، على أن الصيد محرم على المحرم، فوجب أن لا يؤثر في تحريمها اختلاف وجوه التمليك له، كالطبيب لما كانت عينه محرمة على المحرم، لم يؤثر في تحريمها اختلاف وجوه التمليك لها، وأيضاً هو قياس على الجماع، واستعمال الطيب، والعلة أنَّه معنى محرم على المحرم، فوجب أن يعم التحريم جنسه، فيجب أن يكون جميع الأكل للصيد محرماً مع سلامة الحال، وكذلك كل حيوان يمنع المسلم من تذكيته لا لحق الآدمي، فإنه لا يحل أكله، وإن ذكاه غيره، كالخنزير، وسائر ما لا يؤكل لحمه، فوجب أن يكون ذلك حكم الصيد للمحرم. ومما يؤكد قياساتنا هذه أنا وجدنا التحريم إذا تعلق بمعنى، وبالسبب المؤدي إليه في باب الحج، لم يجز أن يكون حكم السبب أغلظ من حكم ما يؤدي السبب إليه كالجماع لم يجز أن يكون حكم ما يؤدى إليه من المباشرة أو عقد النكاح؛ لأن المباشرة وإن كانت محرمة بالإجماع فلا خلاف أن الجماع أغلظ من حكمها والعقد قد اختلف في جوازه، ولا خلاف عند أي القائلين بالمنع منه أن الجماع أغلظ حكماً منه، وكذلك طرد الصيد وإفزاعه أخف حكماً من قتله، لمَّا كان الطرد، والإفزاع، كالسببين للقتل، فإذا ثبت ذلك لم يجز أن يكون ذبح الصيد أغلظ حكماً من أكله؛ لأن الذبح هو المؤدي إلى الأكل، فإذا ثبت أن الذبح محرم عليه على كل وجه، لم يجز أن يكون الأكل أخف حكماً منه، وجب أن يكون الأكل أيضاً محرماً على كل وجه.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم أن الأكل أخف حكماً من الذبح، بدلالة أن الحلال يأكل من الصيد في الحرم، ولا يذبحه؟(44/13)
قيل له: هذا السؤال لا يصح، وذلك يصح أن يقال في شيئين أن أحدهما أخف حكماً، أو أغلظ حكماً إذا كان الحكم فاصلاً لهما جميعاً، فأما إذا حصل الحكم لأحدهما، ولم يحصل للآخر رأساً استحال أن يقال ذلك فيهما، ووجدنا الحلال قد أبيح له أكل الصيد في الحرم، ولم يُمنع منه، وإنَّما منع من الاصطياد، والذبح، فلم يصح أن يقال في ذبحه وأكله أن أحدهما أغلظ حكماً من الآخر، إذ أحدهما مباح له، والآخر محظور عليه، ألا ترى أنا لا نقول أن الخمر أغلظ حكماً من الماء، لما كان أحدهما حلالاً، والآخر حراماً، وإنَّما يقول من يحرم الأنبذة إن الخمر أغلظ حكماً من الأنبذة لحصول التحريم والمنع منهما جميعاً.
وهذا الترجيح مما اعمتده يحيى بن الحسين صلوات الله عليهما في (الأحكام) في باب جزاء الصيد، ويوضح أيضاً ما ذهبنا إليه أنا وجدنا سائر ما مُنع منه /214/ المحرم لا يباح له منه شيء إلاَّ عند الضرورة، فأما غير الضرورة، فلا تأثير لها، فوجب أن يكون أكل لحم الصيد كذلك، وقياسنا يقتضي الحظر، ويستند إلى ظاهر كتاب الله عز وجل، وهو أذهبُ في الباب الذي وُضع للإحرام عليه، فوجب أن يكون أولى.
مسألة [في الصيد هل يحل للمحرم إمساكه؟](44/14)
قال: ولا يمسك شيئاً من الصيد. وهو منصوص عليه في (الأحكام)(1) و(المنتخب) (2) ،قال أبو حنيفة: إن كان في يده، لزمه إرساله، وإن كان في منزله، لم يلزمه ذلك. والمسألة للشافعي على قولين، ولا يفصل بين أن يكون في يده، أو في منزلة، في(3) كلا القولين وفاقاً لإطلاق يحيى عليه السلام في (المنتخب) و(الأحكام) (4) أنَّه لا يجوز للمحرم أن يحبس شيئاً من الصيد. يدل على أنَّه لا يفصل يبن أن يكون في يده، أو في منزله، في أنَّه يلزمه إرساله، ويؤكد ذلك تنصيصه على أن الحلال لو أخذه، منه فأرسله/ لم يكن عليه شيء، يؤكد ذلك، ويبين أنَّه يرى أن ملكه يزول عنه.
والدليل على صحة ذلك قول الله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلِيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} وقوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فاقتضى ظاهر ذلك تحريم جميع التصرف في الصيد على المحرم، وحبسه من التصرف، فإذا حرم ذلك، ثبت وجوب(5) إرساله، ولا فرق(6) بين أن يكون حبسه في سفره، أو بيته.
فإن قيل: إذا كان الصيد في بيته، لم يكن هو المتصرف فيه، فلم يجب أن يكون ممنوعاً منه.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/299 وهو بلفظ قريب.
(2) ـ انظر المنتخب 100 وهو بلفظ قريب.
(3) ـ في (أ): على.
(4) ـ في (ب): الأحكام والمنتخب.
(5) ـ في (ب): وجب.
(6) ـ في (ب): فضل.(44/15)
قيل له: إذا كان هو الذي حصَّلَه في بيته، ثُمَّ تصرف فيه أهله، كان ذلك التصرف في الحكم كأنه واقع منه؛ لأن المتصرف عنه يجري مجرى الآلة له، ولا خلاف أنَّه لو اصطاده في حال الإحرام، لزمه إرساله، فكذلك إذا اصطاده قبل ذلك، والعلة أنَّه محرم أمسك صيداً، فوجب أن يلزمه إرساله، وأن لا يؤثر فيه كونه معه، أو في منزله. وأبو حنيفة يوافقنا على أنَّه إن كان في يديه، لزمه إرساله، وإن كان اصطياده له متقدماً، فكذلك إذا كان في منزله، بالعلة الَّتِي ذكرناها، وأيضاً لا خلاف أنَّه ممنوع من ابتداء أخذه مع الإحرام، وكذلك يجب أن يكون ممنوعاً من الاستمرار عليه، دليله الغاصب، لَمَّا كان ممنوعاً من ابتداء أخذ المغصوب، كان ممنوعاً من الاستمرار على أخذه.
فإن قيل: كونه غاصباً ليس بضارٍ على المغصوب بعد كونه في يديه، فكذلك لم يفترق حال ابتداء الحج والاستمرار عليه؛ لأن الابتداء لم يقع إلاَّ وهو غاصب، وهذا نظيره أن يأخذه وهو محرم، ثُمَّ يستمر عليه، أنَّه لا يكون فرق بين ابتداء الأخذ، والاستمرار عليه، وليس هذا موضع الخلاف، وإنَّما الخلاف إذا أخذه وهو غير ممنوع من أخذه ثُمَّ طرأ الإحرام عليه.
قيل له: أما أصحاب أبي حنيفة، فلا يصح لهم هذا السؤال؛ لأن أبا حنيفة يوجب إرساله إذا كان في يديه، سواء طرأ الإحرام على الأخذ، أو طرأ الأخذ على الإحرام، وأما أصحاب الشافعي فيقال لهم: لا فرق بين أن يقع الأخذ ابتداءً على وجه الغصب، وبين أن يطرو الغصب عليه، ألا ترى أن الشيء يكون في يد الإنسان عارية، أو وديعة، ويكون أخذه، له من حيث جاز له أخذه ثُمَّ يَحصُل غاصباً، فيمنع [من] (1) إمساكه حتَّى يكون طرو الغصب عليه كوقوع أخذه على وجه الغصب، فإذا صح ذلك بطل،/215/ الفرق الذي اعتمدوه.
فإن قيل: الإحرام لا يوجب إزالة سائر الأملاك، فوجب أن لا يزيل ملك الصيد.
__________
(1) ـ سقط من (أ).(44/16)
قيل له: لأنَّه لم(1) يمنع ابتداءً التمليك(2) لسائر الأشياء، فلم يزل ملكه خاصاً، ولما منع ابتداء الملك للصيد، وجب أن يزيل التمليك الحاصل له.
فإن قيل: فهذا يعترض نكاح المحرم؛ لأن المحرم يُمنع ابتداءً العقد عندكم، ولا يمنع البقاء.
قيل له: النكاح لا يكون تملكاً للعين، وإنَّما هو تمليك المنافع، وكلامنا في تملك الأعيان فلا يصح الاعتراض الذي ذكرتم.
ويدل على ذلك أنا وجدنا المخيط لما كان المحرم ممنوعاً من إمساكه، لم يكن فرق بين أن يطرو الإحرام عليه، وبين أن يطرو هو على الإحرام، فوجب أن يكون الصيد كذلك، والمعنى أن المحرم ممنوع من إمساكه.
فإن قيل: فإن الذي تذهبون إليه يؤدي إلى الضرر بالمحرم.
قيل له: قد كان يمكنه إخراجه قبل الإحرام من ملكه على وجه لا يضره، فإذا لم يفعل، فهو الذي ضر نفسه.
مسألة [فيما يجوز للمحرم قتله]
قال: ولا بأس أن يقتل المحرم الحِدأة، والغراب، والفأرة، والحية، والعقرب، والسبع العادي، إذا عدى عليه، والكلب العقور إذا خشي عقره، والبرغوث، والبَقَّ، والدبر، وكل دابة خشي ضررها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3) و(المنتخب) (4).
وتحصيل المذهب أن الخمس المذكورات يقتلها المحرم على كل حال، وهي الحدأة، والغراب، والفأرة، والحية، والعقرب. وما عداها من سائر المذكورات، وما أشبهها، لا تقتل إلاَّ إذا خشي ضررها. نص على ذلك في الضبع(5) في (المنتخب) والقاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي) على النملة، والبعوض، واشترط في السبع إن عدا عليه، وفي الكلب إن خشي عقره، وأطلق القول في تلك الخمسة. فيحصل(6) المذهب على ما رتبناه، أما تخصيص تلك الخمسة، بأن تُقتل على كل حال، فلما ورد فيها من الأثر.
__________
(1) ـ في (ب): لا.
(2) ـ في (ب): التملك.
(3) ـ انظر الأحكام 1/277 وهو بلفظ قريب جداً.
(4) ـ انظر المنتخب 98 وهو بلفظ قريب.
(5) ـ في هامش النسختين: السبع.
(6) ـ في (ب): فتحصيل.(44/17)