ومما يدل على ذلك أنه لا خلاف في أن من ظاهر بالأب لا يكون مظاهراً، فكذلك من ظاهر بامرأة أجنبية، فوجب أن لا يكون مظاهراً إذا ظاهر باللواتي إختلفنا فيهن، والعلة أنه ظاهر بغير الأم، يبين ذلك أنه لو ظاهر منها بغير الظهر، نحو أن يظاهر ببطنها، أو بفرجها، كان مظاهراً بالإجماع، وكذلك إن ظاهر بأي بعض من أبعاضها، كان مظاهراً عندنا وعند الشافعي، فدل ذلك على أن الحكم تعلق بالظهار بالأم.
يؤكد ذلك ويوضحه أن الظهار المعروف كان بالأم، وهو الذي كانت الجاهلية تعده طلاقاً، ثم ورد النسخ به، وعلق عليه حكم الكفارة، فوجب أن يكون حكم الكفارة مقصوراً عليه.
فإن قيل: إذا كان عندكم أن الرجل يكون مظاهراً به إذا قاله ونوى به الظهار، فما الفرق بين الظهار والطلاق؟
قيل له: الفرق بين الظهار والطلاق، أن الطلاق يحصل بكل تحريم ينوي به الطلاق، وليس كذلك الظهار، ألا ترى أنه لا يقع الظهار بالأجنبية، وبالأم من الرضاعة، وأحد قولي الشافعي أنه لا يقع بذات رحم محرم لم يكن حرمتها متأبدة، فلم يجب أن يكون حكم الطلاق في هذا الباب حكم الظهار.
مسألة: [في الفرق بين ظهار الأحرار والممالك]
قال: وسواء كان المظاهر حراً، أو عبداً، إلا أنه إن(1) كان عبداً لم يجزه في كفارته إلا الصيام، وكذلك لافصل بين أن تكون الزوجة التي ظاهر منها حرة، أو أمة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2)، وهو مما لا أحفظ فيه خلافاً.
والأصل فيه: ما قد ثبت من أن الخطاب الوارد عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يكون خطاباً للأحرار والمماليك، فوجب أن يكون قوله تعالى: /177/{وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}، متناولاً للأحرار والمماليك.
__________
(1) في (أ): إذا.
(2) انظر الأحكام 1/462، والأحكام 2/181.(58/16)


وقلنا: إنه لا يجزي العبد في كفارته إلا الصيام؛ لأنه قد ثبت عندنا إنه ممن لا يَملك، فهو إذاً لم يجد الرقبة(1)، وقد قال تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مَتَتَابِعَيْنِ}، فأوجب الصيام على المظاهر إذا لم يجد الرقبة، والعبد لا يجد الرقبة، وكذلك لا يجزئه الإطعام؛ لأنه غير واجد له، فوجب أن لا يجزئه إلا الصيام.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: إنه يجوز لسيده، أو لغيره، أن يتصدق عنه، كما يجوز التصدق عن الفقير بأمره؟
قيل له: لأن الفقير ممن يجوز أن يَملك، فيجوز أن يكون مخاطَباً بالصدقة، وجازت فيها النيابة، والعبد ممن لا يجوز أن يملك، فلم يصح أن يكون ممن يخاطَب بالصدقة.
وقلنا: إنه لا فرق بين أن تكون الزوجة التي ظاهر منها حرة أو أمة لعموم قوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ}[المجادلة:3]،يريد الزوجات، فلم يخص حرة من أمة، ولأن الأمة كالحرة إذا كانت زوجة في أن طلاقها يصح، فوجب أن يصح الظهار منها، والعلة أنها زوجة، ويكشف(2) ذلك ويوضحه أن تحريمها من جهة القول يمكن، كما يمكن تحريم الحرة.
مسألة: [في ظهار الرجل من أم ولده أو مملوكته]
قال: ولوظاهر الرجل من أم ولده، أو مملوكته، لم يكن ذلك ظهاراً. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3) وبه قال زيد بن علي عليهما السلام، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وروي عن مالك أنه يكون مظاهراً. والدليل على ذلك قول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}، وإذا قيل: نساء الرجل، وامرأة الرجل، كان ذلك ومحمولاً على الزوجات عرفاً، فوجب أن يحمل على ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةُ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}، فدخل فيهن الزوجات، والإماء؟
__________
(1) في (ب): والعبد لا يجد الرقبة.
(2) في (أ): يكشف.
(3) انظر الأحكام 1/462.(58/17)


قيل له: ظاهر الآية في الزوجات والإماء يدخلن فيهن بالدلالة، ويدل على ذلك أيضاً أنها ليست بزوجة يلحقها الطلاق، فوجب أن لا يلحقها الظهار، دليله الأجنبية، أو يقال: لايلحقها الطلاق، فوجب أن لا يلحقها الظهار، دليله زوجة الصبي، أوالمختلعة، والمطلقة ثلاثاً، يوضح ذلك أن الظهار كان طلاق الجاهلية، فنسخ ذلك بتحريم يرفعه الكفارة، فمن لم يصح فيها الطلاق، لم يصح فيها الظهار.
ويدل على ذلك أيضاً أن تحريم ملك اليمين لا يصح من جهة القول؛ لأنه إذا قال: أنت عليَّ حرام، لم يؤثر فيها، فوجب أن لا يلحقها تحريم الظهار، دليله الثوب والطعام، يبين(1) ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حرم على نفسه مارية القبطية، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيَّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ}، ولم يجعل لذلك التحريم حكماً.
مسألة: [في الحلف بالظهار]
قال: وإذا حلف الرجل بالظهار كاذباً، أو حنث فيه، وقع الظهار كما يقع الطلاق. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(2).
__________
(1) في (أ): ويبين.
(2) انظر الأحكام 1/462.(58/18)


142 / 142
ع
En
A+
A-