قيل له: لأنا قد علمنا من دين المسلمين أنه لاقربة في أن يُهدَى إلى من يقصد لقطع الطريق، أو محاربة الطائفة من المحقين المؤمنين، ما يستعان به على السفر من الظَهر، والزاد، وما جرى مجراهما، بل يذم من فعل ذلك، وكذلك لا قربة في أن يُهدى إلى قوم قد اجتمعوا على المعاقرة، والعزف، والإبقال، والفواكه، وآلات الشرب، وكذلك لا قربة في أن يهدى إلى الزواني اللواتي شغلن أنفسهن بالزنا، والطيب، والمصبغات، وآلات الزينة، والعلة في جميع ذلك أنه إحسان إلى من يغلب في الظن أنه يستعين به على الفسق، أو الكفر، فوجب أن لا يكون في عتق الكافر الذي يغلب في الظن أنه يستعين بعتقه على الكفر.
فإن قيل: من أين غلب ذلك في الظن؟
قيل له: تقرير المسألة في عبد كافر يغلب في الظن أنه /175/ يستعين بعتقه إن حصل على كفره، فإذا ثبت ذلك، فلم يفصل أحد بينه وبين سائر العبيد الكفار.
ومما يدل على ذلك أنه لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة أن عتق الكافر لا يجزي في كفارة القتل، فكذلك في سائر الكفارات، والعلة أنه عتق للكفارة، ويؤيد ما ذهبنا إليه أنه أحتياط في أداء الواجب، وحسن نظر لأرقاء المسلمين، وتفرقة بين أصحاب النار وأصحاب الجنة، وفيه دعاء للأرقاء إلى الإسلام، وتنفير لهم عن الكفر.
فأما قولهم: إن هذا زيادة في النص فلا يجوز إثباته قياساً، فهو عندنا غير صحيح؛ لأنا نخالفهم في أصل ما ادعوه، وربما قالوا أيضاً: لا يجوز حمل المطلق على المقيد قياساً، وهذا عندنا أيضاً فاسد كالأول، فلا معنى له.(58/11)


وإنما قلنا: إن عتق الطفل، والمجنون، وذي العاهة، يجزي لعموم قوله تعالى: {فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ}، واسم الرقبة يتناول الجميع، فوجب أن يجزي، وسائر ما منعنا به من اجزاء عتق الكافر لا يمكن أن يقال في هذا الموضع، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اعتقها فإنها مؤمنة)، يدل على أنه لم يراع فيها العاهات التي هي العمى والشلل ونحوهما، فدل ذلك علىما قلناه، على أنه لا خلاف بينا وبين أبي حنيفة أن الأعور يجزي، وكذلك من قطعت يده ورجله من خلاف، فكذلك سائر ما ذكرناه، والعلة أن اسم الرقبة يتناوله، على أن الشافعي يوافقنا في الأخرس، والأصم، والأحمق والضعيف(1) البطش، والأعور، وإن كان لا يجيز من قطعت يده أو رجله، فليس لأحد أن يعترض علينا بنقصان الثمن؛ لأن جميع ذلك يفسد اعتراضه، كذلك من منع من ذلك بفوات المنفعة، فإن الذي ذكرناه يعترضه.
فإن قال: راعى فوات أكثر المنفعة، كان كثيرها مقيساً على قليلها، ولا يمكن أن يرد ذلك إلى الأضحية، لأن الغرض بالأضحية نفع غير المضحي به، والغرض في العتق نفع المعتق والمعتق على أي حالة كان فنفع العتق حاصل له، على أن ذا العاهة إلى رفع الرق عنه أحوج من الصحيح، فوجب أن لا يكون ذلك سبباً مانعاً من الإجزاء، على أنه لا خلاف أن يقع الإطعام في كفارة الظهار جائز صرفه إلى أولي العاهة من المسلمين، فكذلك يقع العتق، والمعنى أنهم من أهل الإسلام، وهذا يوجب إجازة عتق المكفوف، والأشلَّ، وإذا ثبت ذلك، فلم يفصل أحد بينه وبين المجنون والطفل، ولم يحكم لهما بالإسلام. وقلنا: إن الأفضل أن نكون الرقبة بالغاً مسلماً سليماً؛ لأنه لا خلاف فيه، ولأنه عتق يجزي بالإجماع، فكان أولى، ولأن الإحسان إلى من يكون مسلماً على الحقيقة أفضل من الإحسان إلى غيره.
مسألة: [في الظهار بغير الأم]
__________
(1) في (أ): ضعيف البطش.(58/12)


قال: وإن ظاهر بغير الأم، لم يكن ظهاراً، وكذلك لا يكون فظاهراً إن ظاهر من أمه من الرضاعة(1).
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب)(3).
__________
(1) في (أ): من الرضاعة وغيرها من ذوي محارمه، وغيرهما من ذوي محارمه، لم يكن مظاهراً، وهو أحد قول الشافعي وقوله الأخير يصح بكل ذات محرم من نسب أو رضاع، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي والحسن بن صخر، وعن مالك يصح الظهار بالمحرم والأجنبية، وبه قال عثمان البتي.
(2) انظر الأحكام 1/433.
(3) انظر المنتخب 158 ـ 159.(58/13)


والأصل فيما ذهبنا إليه براءة الذمة وإن وطء المرأة مباح فلا يحظر إلا بدلالة، وأنه لا سبيل إلى إثبات الكفارة إلا بدلالة شرعية ومما يدل على ذلك أيضاً قول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمُّهَاتُهُمْ}(1) [المجادلة:2]، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللآئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمُّهَاتِكُمْ}، وجه الإستدلال من الآيتين أن قوله تعالى: {الَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمُّهَاتُهُمْ} [المجادلة:2]، تقديره الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم، وكذلك قوله عز وجل: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللآئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمُّهَاتِكُمْ}، ألا ترى أن قائلاً لو قال: اقطع السارق، فما كان له أن يهتك الحرز، جرى مجرى قوله: اقطع السارق من حرز، وكذلك لو قال: اقتل الراجع عن دينه، فما كان له أن يرجع عن دين الإسلام، جرى مجرى قوله: اقتل الراجع عن دين الإسلام، حتى يكون السكوت عن ذكر الحرز في القطع وذكر الإسلام في القتل، كالنطق به لما /176/ يعقبهما من ذكر الحرز والإسلام، وكذلك قوله تعالى: {الَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}، السكوت عن ذكر الأمهات فيه، كالنطق به؛ لما يعقبه من ذكر الأمهات، وكذلك في قوله: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللآئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمُّهَاتِكُمْ}، وقد دل سبحانه وتعالى بقوله: {إِنِ امُّهَاتِهِمْ إِلاَّ اللآئِي وَلَدْنَهُمْ}، أن الأمهات التي يتعلق الظهار بذكرهن هن الوالدات دون غيرهن، فإذا ثبت ذلك، جرى قوله: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}، مجرى أن يقول: والذين يظاهرون من نسائهم بأمهاتهم اللآئي ولدنهم، فوجب أن يكون حكم الظهار مقصوراً عليهن دون من سواهن على ما بيناه.
__________
(1) في (أ): إلى قوله: {إلا اللائي ولدنهم}.(58/14)


ومما يدل على ذلك أن المظاهر قد صار من طريق العرف في اللغة اسماً لمن يقول لزوجته أنت عليَّ كظهر أمي دون من سواها؛ لأن العرب لم تكن تعرف الظهار إلا بالأم، وإذا كان للفظ، عُرْف، ثم ورد به خطاب الله تعالى، وخطاب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وجب أن يحمل على ما يقتضيه العرف، وإذا ثبت ذلك، وجب أن يكون قوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}، بمنزلة أن يقول: يظاهرون من نسائهم بإمهاتهم؛ لإقتضاء العرف له، ألا ترى أن الزنى وإن كان في أصل اللغة اسماً للصعود في الجبل، فقد صار من طريق العرف اسماً للوطء المخصوص، فمتى ورد لله تعالى ولرسوله خطاب، وجب أن يحمل عليه.
فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قالت له خولة بنت مالك: إن زوجي أويساً ظاهر مني، لم يقل لها:ظاهر بالأم؟ أم بغير الأم بل أوجب الكفارة فيه، فدل ذلك على أن الكفارة تعلق بالظهار، سواء كان الظهار بالأم أو بغيرها.
قيل له: قد بينا أن عرف اللغة قد اقتضى في الظاهر أنه اسم للظهار بالأم، وأن ذلك كان معروفاً في العرف، فحمله صلى الله عليه وآله وسلم حين سمعه على ما يقتضيه عرف اللغة؛ إذ هو المفهوم بظاهر اللفظ، فعلَّقَ الحكم عليه، ولم يستثبت(1) ما سألت عنه؛ إذ كان ظاهر اللفظ لا يقتضيه على ما بيناه، على أن الآية نزلت في حكمه، وحين شكت خولة أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما وردت به الآثار، وفي الآية ما يدل على أنه كان مظاهراً بالأم على ما أوضحنا القول فيه.
__________
(1) في (ب): يتثبت.(58/15)

141 / 142
ع
En
A+
A-