وكذلك ما حكي عن داود فظاهر الفساد؛ لأنه لم يُحكَ عن أحد من السلف، ولأن قوله يظاهرون من نسائهم ينطلق على من ظاهر مرة، أو ظاهر مراراً، فإذا ثبت ذلك، ثبت أن الكفارة وجبت لأمر سوى الظهار؛ لأنه تبارك وتعالى قال: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة:3]، فأثبت عوداً غير الظهار به يتعلق وجوب الكفارة، على أن ماروي من حديث أوس بن الصامت، وسلمة بن صخر، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرهما بالكفارة من غير أن يسألهما(1) هل أعدتما القول، وجعل ذلك شرطاً فيما ألزمهما دليل على أنه لا إعتبار به، على أن الظاهر لا يقتضي ما قالوه؛ لأن قائلاً لو قال: حرَّم فلان كذا على نفسه، ثم عاد لما حرَّم، لم يعقل من ظاهر قوله تكرير لفظ التحريم، وإذا ثبت أن الظاهر لا يقضيه، وجب أن يرجع إلى ما سواه، فكان أولى الوجوه ما ذكرناه على ما بيناه ورتبناه.
مسألة: [في بيان كفارة الظهار]
قال: والكفارة أن يعتق رقبة، فإن لم يجد، صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، أطعم ستين مسكيناً من المسلمين، ثم يحل له من بعد ذلك مداناتها.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(2). وهذه الجملة مما لا خلاف فيها.
والأصل فيه قول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ..} [المجادلة:3]الآية.
__________
(1) في (ب): سألهما.
(2) انظر الأحكام 1/429، 430/ 258، 259.(58/6)


وروي أنها نزلت في شأن خولة بنت مالك، وقيل: خويلة، وقيل: جميلة، رواه يحيى عليه السلام في (الأحكام) (1) وأبو داود في (السن) (2) بألفاظ مختلفة، وروى أنها كانت تحت أوس بن الصامت فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: ظاهر مني زوجي أوس، وشكت حالها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وإله وسلم: (يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير مابه ماصام، قال: فليطعم ستين مسكيناً، قالت: ما عنده شيء يتصدق به، قال: فإني سأعينه بعَرَق من تمر، قالت: وإني إعينه بعَرَق آخر، قال: أحسنت(3)، إذهبي فأطعمي عنه ستين مسكيناً، وإرجعي إلى ابن عمك) (4).
__________
(1) انظر الأحكام 1/426، وقال: إنها خولة بنت ثعلبة، وهي خولة بنت مالك ابن ثعلبة.
(2) أخرجه أبو داود في السنن 2/272 ـ 275، وفيه روايات هي خولة وروايات هي جميلة.
(3) في (أ): قد أحسنت.
(4) أخرجه أبو داود في السنن 2/273.(58/7)


وروى أبو داود في (السنن) وغيره حديث سلمة بن صخر قال: كنت إمرأً أصيب من النساء مالا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان، خِفت أن أصيب من امرأتي شيئاً، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فلم ألبث حتى نزوت عليها، فلما أصبحت، انطلقت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته، فقلت له: أنا صابر لأمر الله فأحكم فيَّ بما أراد الله تعالى، قال: ((حرر رقبة)). قال: والذي بعثك بالحق نبياً ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي. قال: ((فصم شهرين متتابعين)). فقال: فهل أصبت إلا في الصيام! قال: ((فأطعم وسقاً من تمر ستين مسكيناً))، قلت: والذي بعثك بالحق نبيئاً لقد بتنا ومالَنا طعام. قال: ((فانطلق إلى صاحب الصدقة، فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكيناً))، وفي بعض الحديث: ((فكل أنت وعيالك بقيته)) (1).
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده ، عن علي عليهم السلام في كفارة الظهار مثل ذلك.
وإختلفوا في الإطعام، هل يجوز أن يصرف إلى أهل الذمة، فأجازه أبو حنيفة، ومنعه الشافعي، وهذا قول الهادي عليه السلام.
ووجه ذلك ما أجمعوا عليه من أن الزكاة لا يجوز وضعها في أهل الذمة، فكذلك الكفارات، والعلة أنها صدقة مفروضة، وكل صدقة مفروضة لا يجوز صرفها إلا في أهل الإسلام، وهو أولى؛ لأن فيه الإحتياط للمؤدي، وللفقراء، /174/ المسلمين.
وقوله في (الأحكام) (2) بعد ذكر الكفارات الثلاث: (ثم تحل له امرأته بعد ذلك)، يدل على أنه يوجب تقديم الإطعام كما يوجب تقديم العتق والصيام، وهو قول أكثر الفقهاء.
__________
(1) أخرجه أبو داود في السنن 2/272 وفيه: فأخبرته فقال: أنت بذاك يا سلمة، قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين وأنا صابرٌ.
(2) انظر الأحكام 1/429.(58/8)


وحكى ابن أبي هريرة في (التعليق) عن قوم أنهم ذهبوا إلى أنه يجوز الوطء قبل الإطعام؛ لأن الله تعالى لم يشترط في الإطعام أن يكون قبل المسيس كما اشترط في العتق والصيام، وهذا غير صحيح، وذلك أنه قد ثبت أن الكفارة إنما وجبت لرفع التحريم الواقع بالظهار، فالتحريم حاصل حتى تحصل الكفارة إطعاماً كان أو غيره، على أنه لا خلاف في وجوب تقديم العتق والصيام على الوطء، فكذلك تقديم الإطعام، والعلة أنها كفارة الظهار فيجب تقديمها على الوطء.
فصل: [فيمن لم يجد الرقبة]
قال في (الأحكام)(1): (فإن لم يجد رقبة، صام شهرين متتابعين من قبل أن يدنو منها، أو يكون منه جماع) فدل ذلك على تحريم المباشرة، والتلذذ بها قبل الكفارة، كما يرى تحريم الوطء؛ لأنه فصل بين المداناة والجماع، فبان أن التحريم تناول غير الجماع، وبه قال أبو حنيفة.
قال أبو علي بن أبي هريرة: اختلف أصحاب الشافعي فيه، فمنهم من قال: إنه على قولين، ومنهم من قال: قول واحد في الإستحباب دون الإيجاب.
ووجه ما ذهبنا إليه أن تحريم الظهار تحريم حصل بقول من الزوج يمكنه رفعه، فوجب أن يحرم به الوطء وتوابعه، دليله تحريم الطلاق الرجعي، وليس يجب أن يكون حاله حال التحريم المتعلق بالحيض، أو الصوم؛ لأنه لا يتعلق بقول من الزوج، يؤكد ذلك أنه لَمَّا شبهها بالأم، وجب أن يحرم عليه وطؤها، كما حرم عليه وطء الأم، فوجب قياساً على ذلك أن يحرم عليه التلذذ بها كما حرم عيله التلذذ بالأم، ويمكن تحرير العلة فيه بأن يقال: هو تلذذ لا يستباح إلاَّ بعقد النكاح، أو ملك اليمين.
مسألة: [في صفة الرقبة]
__________
(1) انظر الأحكام 1/429.(58/9)


قال: ويجب أن تكون الرقبة التي يعتقها مؤمنة، بالغةً، أو غير بالغة، نحو أن يكون طفلاً، أو مجنوناً، ولايجوز أن تكون كافرة، ولابأس أن يكون مكفوفاً، أو أعرج، أو أشل، أو أخرس، والأفضل أن يكون سليماً بالغاً مسلماً. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1).
ووجه قولنا: إنه لا يجوز عتق الكافر قول الله سبحانه وتعالى(2): {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِيْنَ وَاغْلُظْ عَلِيْهِمْ}، وهو أن الله تعالى مدح الذين اشتدوا عليهم، فقال سبحانه: {أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، وقد علمنا أن التحرير خلاف الغلظة والشدة عليهم فوجب ألاَّ يكون تحريرهم مأموراً به، فبان أن المأمور بتحريره من لا يكون كافراً، ويدل على ذلك: ما روي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن عليَّ رقبة، أفأعتق هذه؟ فامتحنها بالإيمان، فقال: (إعتقها فإنها مؤمنة) دل ذلك على أن الإيمان سبب إجزاء العتق في البالغ العاقل، ويدل على ذلك أن الكفارات يجب أن تكون قربة، وثبت أن عتق الكافر لا قربة فيه، فوجب أن لا يكون المعتق له مُكَفِّراً.
فإن قيل: ولم ادعيتم أن عتق الكافر لا قربة فيه؟
__________
(1) انظر الأحكام 1/430 ـ 431 والأحكام 2/177.
(2) في في (ب): سبحانه.(58/10)

140 / 142
ع
En
A+
A-