كتاب الظهار [والإيلاء واللعان]
باب القول في الظهار
[مسألة: في كيفية الظهار]
إذا ظاهر الرجل مِن امرأته، وهو أن يقول لها: أنت عليَّ كظهر أمي، أو كبطنها، أو كفرجها، أو كرجلها، أو كساقها، أو كفخذها، أو يقول: كأمي، ونوى بذلك الظهار، ثم أراد مماستها، وجبت عليه الكفارة قبل مماستها، وهذه الجملة تنطوي على ثلاثة مسائل:
المسألة الأولى: أن الرجل يكون مظاهراً بأي شيء ذَكرَ من أمه، وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
والثانية: أنه لا يكون مظاهراً إلا أن ينوي الظهار، وهذا أيضاً منصوص عليه في (الأحكام) (2).
والثالثة: أن وجوب الكفارة يتعلق بإرادة المماسة، وهذا مما خرَّجه(3) أبو العباس الحسني رضي الله عنه من قوله في (الأحكام) (4): ((من ظاهر من امرأته فلا يحل له مداناتها إلا من بعد أن يكفر))، فنبه على أن التكفير لإستباحة وطئها، وعليه حمل رحمه الله تعالى العود المذكور في الآية.
المسألة الأولى [فيا ينعقد به الظهار]
ذهب الشافعي فيها إلى مثل قولنا، وقال أبو حنيفة: الظهار أربعة أشياء: الظهر، والبطن، والفرج، والفخذ.
ووجه ما ذهبنا إليه أنهم لما أجمعوا على أن الرجل قد يكون مظاهراً بذكر الفرج والبطن كما يكون مظاهراً بذكر الظهر، وعلى أن حكم الظهار غير مقصور على الظهر على ما يقتضيه الإشتقاق، ثبت أنه يجب أن يشيع في ذكر أي بعض من أبعاض الأم، فصح ما ذهبنا إليه، إذ ليس شيء من أبعاضها أولى بذلك من سائرها، ويكون تحرير القياس فيه بأن يقال قد ثبت أن الرجل إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي من أنه يتعلق به حكم الظهار، فكذلك إذا شبهها بسائر أبعاض أمه، والمعنى أنه شبهها ببعض من أبعاض أمه.
فإن قيل: إن العلة في ذلك أنه شبهها ببعض من أبعاض الأم يحرم عليه النظر إليه؟
__________
(1) انظر الأحكام 1/433.
(2) انظر الأحكام 1/433.
(3) في (ب): أخرجه.
(4) انظر الأحكام 1/429.(58/1)
قيل له: هذا غير مناف لعلتنا، بل الإقتصار عليه يقتضي المنع من القياس، فصار إعتلالنا أولى، على أن جميع أبعاض الأم قد اشتركت في أنه يحرم على الإبن التلذذ به، فوجب أن يخص حكم الظهار بذكر جميع أبعاضها؛ لأن الظهار يقتضي التحريم، فإذا شبهها الرجل بما هو محرم عليه من أمه، وجب أن يكون لتعلق حكم الظهار به مسرح على أنهم لا يختلفون في أن قول الرجل: أنت عليَّ كأمي(1) يجوز أن يكون ظهاراً، ولا يصح القول بأن الرجل يحرم عليه النظر إلى أمه، فبان أن الحكم غير مقصور على ما ذهبوا إليه.
ومما يؤكد ذلك ماقد ثبت أن الظهار لا يكون بذكر كل محرم على الرجل، وإنه إذا ذكر المحرم عليه من أمه، كان مظاهراً بأي بعض ذكر من المرأة، كأن يقول: رأسك، أو /172/ يدك أورجلك عليَّ كظهر أمي؛ إذ قد نص في ذلك في العتاق، وسنبين الكلام في ذلك في كتاب العتاق.
وأما المسألة الثانية [في اشتراط نية الظهار]
فهي أنه لا يكون مظاهراً ألا بأن ينويه، وما ذكرناه من الدلالة على أنه لا يكون مُطَلِّقاً إلا بالنية، يدل على أنه لا يكون مظاهراً إلا بالنية، وكذلك إتفاقهم على أنه لا يكون مظاهراً إذا ذكر كنايات الظهار، كقوله: أنت عليَّ كأمي إلا بالنية، يدل على ما ذكرناه، وقد بيَّنا الطريقة فيه في مسألة نية الطلاق واستقصيناه، فلا وجه لإعادته.
المسألة الثاثة [في وجوب الكفارة بم يتعلق]
وأما القول بأن وجوب الكفارة يتعلق بإرادة المماسة، وأن قول الله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ}، متأول عليه، فهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وحكي نحوه عن الحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير، وكذلك روي عن ابن عباس.
__________
(1) في (أ): كظهر أمي.(58/2)
وأخبرنا أبو العباس الحسني، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن علي، حدثنا علي بن الهيثم، عن المسيب بن شريك(1)، عن ثابت بن ضمرة اليماني، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ}، قال يريد أن يجامعها قبل أن يكفر. وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد القول زماناً يمكنه تحريمها بالطلاق، وتحصيله أنه لا يطلقها عقيب القول مع التمكن، وحكي عن مجاهد أنه تأول العود على نفس اللفظ، وقال: إن المراد به العود إلى ما نهي عنه مما كانوا يقولونه في الجاهلية، وحكي عن مالك أن العود هو الوطء، وحكي عن داود أنه حمله على إعادة القول مرة أخرى.
__________
(1) في (أ): المسيب وشريك.(58/3)
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه في هذا الباب أنه مروي عن ابن عباس على ما بيناه، ولم يرو خلافه عن أحد من الصحابة، فجرى مجرى الإجماع، فوجب أن يُقضى بصحته، ويدل على ذلك قوله سبحانه: {فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}، فنبه به على أن الكفارة ترفع التحريم الواقع، وهو تحريم الوطء، فإذا ثبت ذلك، ثبت أن وجوبها إنما هو لرفع ذلك التحريم، ومما يبين فساد ما ذهبنا إليه الشافعي فهو أن الظهار لا يؤثر في النكاح، وإنما يؤثر في تحريم الوطء، فكان الواجب أن تكون الكفارة لإزالة تأثير الظهار، دون مالا يتعلق الظهار به، ولا تأثير له(1) فيه، فإذا ثبت ذلك، ثبت أن يكون وجوبها لإزالة التحريم للإستمرار على النكاح الذي لم يؤثر فيه الظهار، وإذا ثبت ذلك، ثبت ما ذهبنا إليه من أن الكفارة تجب لإستباحة المماسة إذا أرادها بعد الظهار، ومما يدل أيضاً على فساد قول الشافعي قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}، و((ثم)) في لغة العرب موضوع للتراخي، فعلق سبحانه الكفارة بأمر يتراخى، والإمساك الذي ذهب إليه الشافعي يلي الظهار، فأوجب الظهار تعلق الكفارة بغير الإمساك، على أن الله تعالى أوجب الكفارة بعد العود، وامساك المرأة وترك طلاقها لا يسمى في اللغة ولا في العرف عوداً.
فإن قيل: فأنتم أيضاً لا توجبون الكفارة بنفس ما جعلتموه عوداً، وإنما تمنعون وطأها حتى يكفر.
__________
(1) في (أ): تأثير فيه.(58/4)
قيل له: الظاهر يقتضي ذلك؛ لأن قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ}، مثل قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}، وقوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}، فكما أن الطهارة لزمت من أراد الصلاة قبل الصلاة، والصدقة قد لزمت لمن أراد المناجاة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبل المناجاة، فكذلك كفارة الظهار تلزم من أراد الوطء قبل الوطء؛ لأن تقدير الآية من أراد المماسة فليكفر قبل المماسة، كتقدير آية الطهارة، وآية الصدقة.
وأما ماحكي عن مجاهد، فالظاهر يقتضي خلافه؛ لأن الله تعالى فصل بين الظهار وبين العود بثم، فالظاهر أنهما أمران منفصلان يتراخى الثاني عن الأول، وهو يجعلهما أمراً واحداً.
وما حكي عن مالك أيضاً يقتضي الظاهر خلافه؛ لأن الله تعالى أوجب الكفارة بعد العود، وقبل المسيس، بظاهر قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قُالُوا /173/ فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ}، فما يجب أن يكون الكفارة بعده لا يجوز أن يكون هو الذي يجب تأخره عن الكفارة، على أنه لا خلاف بينا وبين الشافعي أنه لو ظاهر، ثم طلق، لم تلزمه الكفارة، فكذلك إذا لم يطلق، والمعنى أنه مظاهر لم يرد مماسة زوجته.(58/5)