قيل له: النسخ يتناول منها زمان العدة دون صفتها، فلا يجب ما ذكرتم، ألا ترى أن صوم عاشوراء لما نسخ وجوبه، لم يجب أن يكون سائر أحكامه منسوخة.
فإن قيل: فقد روي أن فريعة بنت مالك ـ أخت أبي سعيد الخدري ـ كان زوجها في طلب عبدٍ له، فقتل بطرف القدوم، فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، إني في دارِ وحشة، أفأنتقل إلى أهلي؟ فأذن لها، فلما خرجت إلى الحجرة، أو /169/ المسجد، دعاها، فقال: ((إعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعيه حتى يبلغ الكتاب أجله، أربعة أشهر وعشراً))، فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشراً.
قيل له: هذا الخبر لو استدللنا به، كان أولى، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أذن لها في ذلك حين استأذنت، ولا يجوز أن يأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر محظور عليها، فدل ذلك على أن التحول كان جائزاً لها، ولا يمكن أن يستدل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك إعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك على أن التحول محظور؛ لأن هذا يقتضي النسخ وقد دلت الدلالة على أن نسخ الشيء قبل وقت فعله غير جائز، وأنه يدل على البدأ، فإذا كان هذا هكذا، وجب حمل قوله: ((إعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك)) على وجه المشورة وابتغاء الصلاح.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم إن الأمر الأول محمول على المشورة، وابتغاء الصلاح، وأن الأمر الثاني محمول على الوجوب؟
قيل له: الفرق بين الأمرين أن المباح قد يجوز أن يؤمر بتركه لضرب من الرأي، وضرب من الصلاح، وليس كذلك المحظور، لأنه لا يجوز أن يؤمر الإنسان بإرتكابه لضرب من الرأي، فإذا ثبت هذا، فالأولى أن يحمل الأذن على الإباحة الشرعية، والمنع على الرأي والمشورة.
مسألة: [فيما تتجنبه المطلقة](57/25)


قال: وأما المطلقة، فلا يجب عليها أن تترك التزين والتطيب، ولا بأس أن تظهر ما يجوز إظهاره من ذلك لزوجها ترغيباً له في نفسها، إن كانت له عليها رجعة، وعليها(1) أن تعتد في منزل زوجها، وعلى الزوج أن يتحرز من النظر إلى شعرها، وجسدها، أوشيء من عورتها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2).
ولا إشكال أن المطلقة تطليقة رجعية لاحداد عليها؛ لتنصيصه على ذلك في (الأحكام) في المطلقة الرجعية(3)، وأما المبتوتة فظاهر قوله في عدة المطلقة يوجب أنه لا حداد عليها أيضاً، وكذلك تخصيصه الإحداد بعدة المتوفي عنها زوجها يقتضي ذلك، فوجب أن يكون حاصل المذهب أن المطلقة لاحداد عليها، سواء كانت مبتوتة، أو كانت عليها رجعة، وإن كان أبو العباس الحسني أشار إلى خلاف ذلك، وما ذكرناه هو الأظهر من قول الشافعي، فأما أبو حنيفة فإنه أوجب الحداد على المبتوتة دون مَن عليها رجعة، حكى ذلك أبو الحسن الكرخي في (المختصر)، وحكى ابن جرير عن أبي ثور أن الحداد يلزم كل معتدة، وإن كانت عليها رجعة، أو كان إعتدادها عن نكاح فاسد. والأصل في ذلك: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام)، واستثنى من مات عنها زوجها، فوجب أن تكون غيرها ممنوعة من الإحداد في العدة، على أن الإحداد حظر مباحات، وعبادة مشروعة، فلا يمكن إثباته إلا بالدلالة على أن المطلقة الرجعية عند أكثر العلماء أنه لا حداد عليها، وكذلك المبتوتة، بعلة أنها معتدة من طلاق، أو يقال معتدة لغير الوفاة، ومن خالف في ذلك جعل معه أصله الإستبراء، فقال هو عبادة موضوعة لإستبراء الرحم لم تقتضيها الوفاة، فوجب أن لا يلزم فيها الحداد، فإن قاسوها على المتوفي عنها زوجها، بعلة أنه إعتداد لا رجعة فيها، كان ذلك منتقضاً بالإعتداد من وطء الشبهة، فإن إحترزوا من ذلك، قيل
__________
(1) في (أ): وعلى.
(2) انظر الأحكام 1/423 ـ 419.
(3) في (أ): رجعية.(57/26)


لهم: العلة في ذلك تعظيم وفاة الزوج، ألا ترى أن العدة منها تلزم المدخول بها وغير المدخول، وليس لهم أن يقولوا أنها علة مقتصرة؛ لأنها تتعدى إلى الذمية إذا مات عنها الذمي، والظاهر من مذهب يحيى عليه السلام، أنها والمسلمة في ذلك سواء، على أنا /170/ وجدنا الحداد موضوعه لإظهار الحزن، وإظهار الحزن يجب للوفاة دون الطلاق، ألا ترى أن للمرأة أن ترغب في(1) الطلاق وتلتمسه، وتبذل المال عليه على بعض الوجوه، وما كان كذلك فلا يجب الحزن عليه، على أن حكم العدة من الطلاق بحكم عدة الطلاق أشبه من حكم عدتها بحكم عدة الوفاة، على أنها عدة لاتلزم إلا بالدخول، فوجب أن لايجب فيه الحداد، كالعدة من التطليقة الرجعية، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ}. وقلنا: إن لها أن تظهر بعض الزينة لزوجها ترغيباً؛ لأنه مباح لها أن ترغَب في الرجعة، وتُرغِّب زوجها فيها، فجاز أن تظهر بعض الزينة.
وقلنا: إن على الزوج أن يتحرز من النظر إلى شعرها وجسدها؛ لإنها مطلقة، فوجب أن يكون سبيلها في ذلك سبيل المبتوتة، ولأن عقد النكاح قد انحلَّ بدلالة قوله الله تعالى: {وَبُعُولَتِهِنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}، يعني أحق بردهن إلى الملك، وذلك لايقال إلا والملك منحَلَّ، وكذلك قوله تعالىبعد ذلك:{إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً}، وظاهر موضوع(2) الإصلاح صلاح الفاسد، فيجب أن يكون العقد قد فسد.
مسألة: [في عدة غير المدخول بها وعدة المختلعة]
__________
(1) في (أ): أن تُرغب في نفسها في حال الطلاق.
(2) في (أ): موضع.(57/27)


قال: ولو أن امرأة طلقها زوجها قبل أن يدخل بها، فلا عدة عليها، وإن خلا بها وهي لا تصلح للجماع، استحبت(1) العدة لها، وعدة المختلعة كعدة سائر المطلقات. جميعهُ منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3) غير ما ذكرناه من استحباب العدة على التي خلا بها زوجها وهي لا تصلح للجماع فإنه منصوص عليه في (المنتخب) (4) فقط.
أما ما ذكرناه من أن المطلقة قبل الدخول لاعدة عليها، فلا خلاف فيه، وورد النص به قال الله تعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤمِنَاتُ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسَّوهُنَّ..} الآية.
وقلنا إن خلا بصبية لا يصلح مثلها للجماع، لم يستحب تزويجها إلا بعد انقضاء العدة؛ لأنه لم يثبت وجوب العدة؛ لأن العدة تعلقت بالدخول، والدخول هو الوطء، والخلوة تعلقت بمن يصلح للجماع على ما بيناه في كتاب النكاح، فإذا خلا بها وهي لا تصلح للجماع، لم يكن لتلك الخلوة حكم، فلم يجب أن يحكم بوجوب العدة؛ إذ هي كأنها لم يخل زوجها بها حكماً، ووجه الإستحباب أنها قد استحل منها ماهو محرم على غيره من الخلوة بها فشابه حكمها حكم التي تصلح للجماع، فلم يستحب تزويجها إلا بعد إنقضاء العدة، وهذا يجب أن يكون في التي يُشتهى مثلها، دون من لها أشهر، أو سنة، أو سنتان؛ لأن مثلها لايحرم النظر إلى جسدها، ولا الخلوة بها، وإنما يحرم ذلك ممن يشتهى مثلها.
وقلنا إن عدة المختلعة كعدة سائر المطلقات؛ لأن المختلعة عندنا مطلقة؛ إذ قد دللنا على أن الخلع طلاق، وقال الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأّنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}، على أني لا أحفظ فيه خلافاً.
مسألة: [في عدة أم الولد]
__________
(1) في (أ): استحب.
(2) انظر الأحكام 1/424 ـ 425.
(3) انظر المنتخب 146 ، 158.
(4) انظر المنتخب 129 ولفظه: قلت: فإنها مثلها ليس يصلح للجماع، وقد خلا بها هل يجب عليه المهر والعدة؟ قال: نعم.(57/28)


قال: ولو أن رجلاً أعتق أم ولده، أو مات عنها، استبرأ رحمها بحيضتين، والثلاث أولى أن تعتد بها إن كان مات عنها، فإن كان أعتقها، ثم تزوجها، ثم مات عنها، كانت عدتها كعدة غيرها من النساء. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
وتحصيل المذهب أن عدتها الواجبة بالعتق، أو الوفاة، حيضتان، وحكى أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى مثل هذا القول عن مكحول، وأبو حنيفة يجعلها ثلاث حيض، والشافعي يجعلها حيضة واحدة.
ووجه ما ذهبنا إليه: أنه قد ثبت أن عدتها جارية مجرى الإستبراء دون العدد، وقد ثبت أن الإستبراء يكون بحيضتين، حيضة للبائع، وحيضة للمشتري وهذا مما سلف القول فيه في مسألة الإستبراء، فيجب على ذلك أن يكون بين وطء المالك لها، ووطء الزوج حيضتان، وإذا ثبت ذلك ثبت أن مَن وليَ العتق، أو الوفاة، أو الوطيء منهن يلزمها بحيضتين، وإذا ثبت ذلك فلم يفصل أحد بينهما وبين من يلي العتق أو الوفاة فوجب أن يكون ذلك حكم إستبراء جميعهن، وإنما قلنا إن حكم عدتهن حكم الإستبراء؛ لأنه متعلق بزوال الملك، ومن حكم العدة أن تجب للفرقة الطارئة على النكاح، أو الوطء يحصل من شبهة، ويمكن أن يحرر القياس فيه فيقال: لما كان إستبراء الرحم يتعلق بزوال ملك يمين مستقر في الإسلام، وجب أن يكون بين الوطئين الواقعين في ملكين حيضتان، وأيضاً لا يلزمها عدة الوفاة لزوال الملك، فوجب أن لا يلزمها عدة الطلاق، دليله المبيعة.
فإن قيل: روي عن علي السلام أنه قال: تعتد ثلاث حيض.
قيل له: هو وجه الإستحباب عندنا، فأما إذا أعتقها، وتزوجها، ومات عنها، فلا خلاف أنها تعتد أربعة أشهر وعشراً؛ لأنها زوجة، وكذلك لو طلقها يجب أن يلزمها عدة المطلقة.
__________
(1) انظر الأحكام 1/474.(57/29)

138 / 142
ع
En
A+
A-