قيل له: لوجهين: أحدهما: ما روي من قوله تعالى: {وَالَّذِبْنَ يُتَوَفَّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}، نسخ بقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}، فلو كان حديث سبيعة متقدماً على الآية، لكان هو الناسخ؛ لأنه الحول، دون ما روي من تربص أربعة أشهر وعشراً.
والثاني: ما روي أن أبا السنابل بن بعلك أنكر على سبيعة، ولا يجوز أن ينكر إلا وقد عرف حكم الإعتداد قبل ذلك، وهذا يوجب أن الآية سابقة.
والوجه الثاني من الكلام في الحديث: أنه متأول على أن زوجها كان أبتَّ طلاقها قبل وفاته، وأُطلق عليها إسم الزوج توسعاً، أو جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرف ذلك من حالها، فأفتى بذلك، وليس هناك لفظ يوجب التعميم يمكن التعلق به، ومما يدل على ذلك ما أجمعنا عليه من أن الحائل إذا مات عنها زوجها، لم تنقض عدتها قبل أربعة أشهر وعشراً، وكذلك الحامل، والعلة أنها عدة أوجبتها وفاة الزوج، فوجب ألا تنقضي قبل ما ذكرناه، وقياسنا هذا أولى من قياسهم على المطلقة الحبلى لوجوه: منها : أن المتوفي عنها زوجها بالمتوفي عنها زوجها أشبه منها بالمطلقة.
ومنها أن عدة المطلقة، وضعت على الإختلاف، ألا ترى أن عدة ذوات الحيض منهن يخالف عدة الآيسة، والتي لم تحض، فلم يمتنع أن تخالف عدة المطلقة الحبلى عدتهن، وعدة المتوفي عنها زوجها وضعت على الإتفاق، فإنها لا تنقضي قبل أربعة أشهر وعشراً، ألا ترى أنه يستوي فيها حكم ذوات الحيض، والآيسات، واللواتي لم يحضن، فوجب أن يستوي في ذلك حكم الحبلى منهن وحكم غيرها.(57/20)
ومنها أن عدة المتوفي عنها زوجها موضوعة على التشدد(1)، ألا ترى أن /167/ العدة في أيامها زائدة، ويلزم من الحداد فيها مالا يلزم في غيرها، ويلزم المدخول بها وغير المدخول بها، فوجب على ذلك أن يكون أبعد الأجلين.
ومنها أن قياسنا يقتضي الحظر، والإحتياط، وعبادة زائدة شرعية.
فإن قيل: موضوع العدة إنما هو استبراء الرحم، ولا وجه لاستبراء الرحم بعد الوضع.
قيل له: العدة وإن كانت موضوعة في الأصل لاستبراء الرحم، فلا خلاف أنها قد تجب بحيث لا مساغ فيه لاستبراء الرحم، ألا ترى أن الطفلة إذا مات عنها زوجها، تجب العد، وكذلك الكبيرة إذا مات عنها زوجها الطفل، تلزمها العدة، وكذلك من مات عقيب عقد النكاح قبل أن يفارق المجلس، تلزم زوجته العدة، وكل هؤلاء لا وجه لاستبراء أرحامهن، فلم يمتنع مثله في الموضع الذي اختلفنا فيه، على أن الشافعي يذهب إلى أن الصغير إذا مات وله زوجة حبلى، فوضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشراً، فعليها أن تعتد إلى انقضاء العدة، وهذا مما يمكن أن يجعل أصلاً يقاس عليه.
مسألة [في عدة الإماء]
قال: ولا فصل في العدة بين الأمة والحرة ولا فصل بين يكونا تحت حر أو عبد. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3) وهو مما مضى الكلام فيه مستقصي في كتاب النكاح في باب نكاح المماليك، فلا وجه لإعادته.
فصل [في الحربية المتزوجة تُسلم وتهاجر]
نص يحيى بن الحسين عليه السلام في (الأحكام) (4) أن الحربية إذا أسلمت وهاجرت إلى دار الإسلام وهي ذات بعل لم يكن لها أن تتزوج حتى تعتد، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا عدة عليها. واختلفت الرواية إن كانت حبلى، فروي أن ليس لها أن تتزوج حتى تضع، وروي أن لها أن تتزوج قبل الوضع.
__________
(1) في (أ): التشديد.
(2) انظر الأحكام 1/466.
(3) انظر المنتخب 154.
(4) انظر الأحكام 1/392.(57/21)
والأصل في ذلك أنها فرقة طرأت بالإسلام على المدخول بها، فوجب أن تلزمها العد، دليله إذا أسلمت زوجة الثاني، وإن شئت قلت: فرقة طرأت لاختلاف الدينين، فوجب أن تلزمها العدة، دليله امرأة المرتد، على أن أبا بكر الجصاص حكى أن الأصح والأشبه على قول أبي حنيفة أن الحامل إذا أسلمت وهاجرت ولا زوج في دار الحرب، لم يكن لها أن تتزوج حتى تضع، فيمكن أن يقاس عليها الحائل بعلة أنها مسلمة هاجرت ولها في دار الحرب زوج حربي، فوجب ألا تتزوج حتى يمضي زمان عدة مثلها. والأصول تشهد لصحة ما قلناه؛ لأن الفرقة العارضة بعد الدخول بالزوجة من أي وجه عرضت فالعدة واجبة.
فإن قيل: حقوق أهل الحرب منقطعة عن دار الإسلام، والعدة حق الزوج، فلا يلزمها حق زوجها الحربي المقيم في دار الحرب.
قيل له: العدة وإن كانت حقاً للزوج، فقد تجب مع انقطاع حقوقه، ألا ترى إلى وجوبها على من توفى عنها زوهجا، وإن كان الزوج قد انقطعت حقوقه، على أن المطلقة ثلاثاً قد انقطعت عنها حقوق زوجها، ومع هذا تلزمها العدة، على أن ما ذهبنا إليه يوجب عبادة، وحظراً، واحتياطاً، فهو أولى، ويوضح ذلك ويدل عليه ما روي أن عكرمة بن أبي جهل هرب من مكة وهو مشرك، فأسلمت امرأته، ثم رجع وهي بعد في العدة، فرجع إليها بالنكاح، وكذلك روي في صفوان، فدل ذلك على أن كونها في دار الإسلام مع كون زوجها حربياً /168/ في دار الحرب لا يوجب سقوط العدة عنها.
مسألة [فيما يجب على المتوفي عنها زوجها وفي أي مكان تعتد]
قال: ولا يجوز للمتوفي عنها زوجها أن تختضب، ولا أن تطيب، ولا أن تلبس ثوباً مصبوغاً، ولا تمشط مشطاً حسناً، ولا تسافر سفراً، ولا تكتحل إلا أن تضطر إليه، وتعتد حيث شاءت.
وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) (1). أما ا ذكرناه من إيجاب الحداد على المتوفي عنها زوجها فهو قول العلماء، لا أحفظ فيه خلافاً.
__________
(1) انظر الأحكام 1/422 ، 423.(57/22)
وحكي عن الحسن أنه كان يذهب إلى أنه مباح غير واجب. وقد روى ابن أبي شيبة، عن يحي بن سعيد، عن ابن جريج، عن ابن عباس قال: كان ينهى المتوفي عنها زوجها أن لا تكتحل، ولا تختضب، ولا تتطيب، ولا تلبس إلا ثوب عصب، وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام، رواه عنه زيد بن علي عليهم السلام، ولا مخالف فيه من الصحابة، فبطل ما كان يذهب إليه الحسن.(1) ورَوى نحو ذلك عن أم سلمة، قالت جائت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يارسول الله إبنتي توفي عنها زوجها، وقد إشتكت عينَها، أفتكحلها؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا، مرتين، أو ثلاثاً، قال: إنما هي أربعة أشهر وعشراً، وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول) (2) فكل ذلك يحج الحسن فيما كان يذهب إليه. وقوله: (ولا تلبس ثوباً مصبوغاً)، المراد به: الصبغ الذي يكون للزينة، فقد نبه عليه يحيى بن الحسين بقوله: (ولا تمشط مشطاً حسناً).
وقلنا أنها لا تسافر لا للحج، ولا للعمرة، ولا لغيرها، لأنه إخلاء لبيته.
وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه قال في المتوفى عنها زوجها: (تخرج بالنهار، ولا تبيت في غير بيتها).
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 4/165، ولكنه بسند آخر عن أم عطية والسند المذكور هنا متنه هو: كان ينهى المتوفى عنها عن الطيب والزينة.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 4/199.(57/23)
وروى هناد بإسناده أن عبدالله بن(1) الزبير رد نسوة كثيرة من ظهر الكوفة توفي عنهن أزواجهن حاجات أو معتمرات، وروي عن عمر أنه رد نساء من ذي الحليفة حاجات ومعتمرات، توفي عنهن أزواجهن، قال الله تعالى: {لا تُخْرِجُوهَنَّ مِنْ بِيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيْنَ بِفَاحِشَةً مُبِيِّنَةً}، وقلنا: إنها لا تكتحل إلا أن تضطر إلى ذلك؛ لأنها مُنعت الزينة، ولم تُمنع التداوي، ولما رواه أبو داوود في (السنن) (2) عن أم سلمة أنها قالت للتي سألتها عن الكحل، وقد توفي عنها زوجها لاتكتحل إلا لأمر لابد منه.
فإن قيل: فقد روت هي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للتي سألته عن ابنتها أنها أشتكت عينها فهل تكحلها؟ فقال: لا.
قيل له: ذلك محمول على أنها لم تكن إضطرت إلى الكحل؛ ولأن الضرورة قد جعلت عذراً في سائر العبادات، فكذلك في هذه العبادة.
وما ذهبنا إليه من أنها تعتد حيث شاءت من بيتها، أو بيت زوجها هو قول أمير المؤمنين عليه السلام، حكى ذلك عنه القاسم بن إبراهيم عليهما السلام، وروي نحوه هناد عنه عليه السلام، وروى بإسناده عن الحسن أن علياً عليه السلام نقل ابنته أم كلثوم لما قتل عمر، وروي نحوه عن ابن عباس.
وروي عن عبدالله أنها لا تخرج حتى توفي العدة، وبه قال أكثر الفقهاء.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يُتَوَفُّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}، فأمرهن بالتربص ولم يشترط مكاناً دون مكان، فوجب بظاهر الآية أن يكون لها الخيار في الأماكن، ويدل على ذلك قوله تعالى: {مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}.
فإن قيل: قوله تعالى: {مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ} منسوخ.
__________
(1) في (ب): عبدالله بن مسعود.
(2) أخرجه أبو داود في السنن 3/302.(57/24)