ومما يبين ما ذهبنا إليه أن الْمُولي لما كان له الخيار بين أن يستمر على إيلائه حتى يلزمه الوقف، وبين أن يرفع حكم الإيلاء، فكان رفعه بالوطء جائز، كما يجوز بالقول، فكل ذلك يوضح ما ذهبنا إليه، وكذلك من أوصى بعبده لغيره، كان له الخيار في أن يرجع عنها بالقول، أو بيع العبد، أو هبته.
فإن قيل: فقد علمنا أن الوطء يوجب العدة، فلم يجز أن يرفع العدة، ألا ترى أن الخلوة كما أوجبت العدة عندكم، لم ترفع العدة؟
قيل له: الخلوة لم تكن ترفع العدة؛ العدة لأنها مما توجب العدة، ولأنها ليست تصرفاً في المعقود عليها، على أن النكاح موجب للعدة على بعض الوجوه، ولم يمتنع أن /160/ يكون رافعاً لها على بعض الوجوه، فإن قاسوا الرجعة على النكاح بعلة أنه إستباحة البضع، فلا بد فيه من النطق، كان ذلك منتقضاً بالْمُحرِم، لأنه يكون مستبيحاً للبضع للخروج من الإحرام، وكذلك المعتكف، والمظاهر، ألا ترى أنه يخرج من إعتكافه بغير نطق فيستبيح البضع، والمظاهر أيضاً يستبيح البضع بالكفارة من غير نطق، فوجب أن يكون ذلك سبيل المراجع، والعلة أنه رافع حظراً طرأ على العقد بعد بقائه.
مسألة: [في المضارة بالمرأة بمراجعتها]
قال: ويكره للرجل أن يراجع المرأة على وجه المراغمة والمضارَّة لها. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
والأصل فيه قول الله سبحانه: {وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلِيْهِنَّ}، وقوله سبحانه: {فَامْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}، والمراجع على وجه المراغمة لايكون أمسك بمعروف، ولا سرَّح بإحسان، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ضرر ولاضرار في الإسلام).
مسألة: [في المرأة تدعي انقضاء العدة والرجل يريد المراجعة]
__________
(1) انظر الأحكام 1/421.(57/5)


قال ولو أن رجلاً أراد أن يراجع(1) امرأته، فادعت المرأة انقضاء عدتها في مدة تحتمل ... ذلك، ولم تَجرِ به عادة، طولبت المرأة بالبينة، ويجوز فيها شهادة امرأة واحدة إذا كانت المرأة عدلة، وتُستحلف المرأة المدعيَة احتياطاً، فإن لم يكن لها بينة، تربصت حتى يصح تصرم عدتها إن أرادت أن تتزوج، وللزوج الأول مراجعتهاتخريجاً، وإن ادعت إنقضاء عدتها في مدة لا تحتمل، ذلك كانت الدعوى باطلة .
ونص في (المنتخب) (2) على ما ذكرنا من حكمها إذا ادعت إنقضاء العدة في شهرين. وقلنا: إن للزوج الأول مراجعتها؛ لأن بقاء حكم العدة يقتضي ذلك.
ووجه قولنا: إنها إذا ادعت إنقضاء عدتها في مدة تحتمل ذلك، ولم تجر به عادة، ما رويناه في صدر كتابنا هذا في مسألة أقل الطهر أن امرأة ادعت انقضاء عدتها في شهر واحد، فقال شريح: إن جاءت بطانة من أهلها ممن يرضى دينه وأمانته يشهدون أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، فهو كما قالت، وإلا فهي كاذبة، وقضى بذلك، فصوبه(3) أمير المؤمنين عليه السلام.
وأيضاً لما ادعت إنقضاء عدتها في مدة لم تجر العادة به، كانت مدعية خلاف الظاهر، فوجب أن تلزمها البينة، كما تلزم البينة من ادعى سائر الأمور التي هي خلاف الظاهر، ولعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (البينة على المدعي).
وأما وجه قولنا: إن شهادة المرأة الواحدة تقبل، فسنذكره في باب الشهادات، واحتطنا، بأن ألزمناها اليمين؛ لأن أمور الفروج مبنية على الإحتياط، فأما إذا ادعت إنقضاء العدة في مدة لا تحتمل ذلك، فيجب أن تكون دعواها باطلة؛ لأن كذبها يكون معلوماً.
مسألة: [في الرجل يدعي المراجعة والمرأة تنكر]
__________
(1) في (ب): يرجع.
(2) انظر المنتخب 165.
(3) في (ب): تصويبه.(57/6)


قال: وإن ادعى الرجل أنه كان راجعها قبل إنقضاء العدة، كان على الرجل البينة، وعلى المرأة اليمين تخريجاً، وهذا خرَّجناه من إيجاب الهادي إلى الحق عليه السلام البينة واليمين في دعوى الطلاق والنكاح، ووجهه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)، وسائر الدعاوى البينة تشهد لصحة ذلك، وقد إستقصينا الكلام فيه في كتاب (الأحكام) (1).
باب القول في العدة
[مسألة: في عدة ذوات الحيض]
يجب على المطلقة أن تعتد ثلاثة قروء، والأقراء هي الحيض. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتحب) (3)، والمطلقة التي يلزمها الإعتداد بالحيض هي التي تكون مدخولاً بها، وتكون من ذوات الحيض.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}، وهذا مما لا خلاف فيه.
فأما ما قلناه من أن الأقراء هي الحِيَض، فهو قول زيد بن علي، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، /161/ وقال الشافعي: هن الأطهار، وهو قول مالك، وروي مثل ذلك عن زيد بن ثابت، وعائشة، وروي عن ابن مسعود، وعمر مثل قولنا، وهو قول علي عليه السلام.
أخبرنا أبوبكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن علي عليه السلام أنه قال: (زوجها أحق بها مالم تغتسل من الحيضة الثالثة) (4).
وروى زيد بن علي، عن أبيه عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (الرجل أحق برجعة امرأته مالم تغتسل من آخر حيضها).
__________
(1) انظر الأحكام 1/377 ـ 378.
(2) انظر الأحكام 1/418، 419، 420، 453.
(3) انظر المنتخب 141 ، 146.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/62.(57/7)


ومما يدل على ذلك أن الناس قد اختلفوا في القرء، فمن قائل قال: إنه الطهر، ومن قائل قال: إنه الحيض، ووجدنا من قال إنه الحيض يستعمله في كل حيض على وجه الشياع، ومن قال: إنه الطهر، لم يستعمله إلا في الطهر الذي يكون بين الحيضتين، فكان الأقرب أن استعماله في الحيض حقيقة، وإستعماله في الطهر مجاز، إذ إستعماله في الحيض يشيع، وإستعماله في الطهر يختص، وأيضاً حكي عن بعض أهل اللغة أنه قال فيه: إنه الوقت، واستشهد بقول الشاعر: (له قَرء كقَرء الحائض) أراد وقتاً كوقت الحائض، وبقول الأعشى: لما ضاع فيها من قروء نساءك. يريد وقت وطئهن، فإن كان ذلك كذلك. فالأولى أن يحمل القرء على وقت الحيض؛ لأن الوقت يكون وقتاً لما يتجدد فيه، ويحدث دون الطهر الذي هو باق على الأصل، وحكي عن بعضهم أنه قال: هو من الضم والتأليف، واستشهد بقول الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}، وبقول الشاعر: (هجان اللؤم لم تقرأ جنيناً)، يريد لم تضم، فإن حمل على هذا الوجه، فالأولى أيضاً أن يحمل على الحيض، لأن أجزاء دم الحيض تنضم وتجتمع من سائر البدن في وقت الحيض، وليس لقائل أن يقول: إن الضم والإجتماع يكون في الطهر؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لكان يسيل، إذ لا مانع منه، فبان بما ذكرناه أن حمله على الوجوه كلها على الحيض أولى من حمله على الطهر، ويدل على ذلك أن الله تعالى لما قال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِّنَ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}، وجب الإعتداد بثلاثة قروء على كل مطلقة، ومن حمل على الطهر، لم يوجب على المطلقة للسنة إلا قرأين، وبعض القرء؛ لأنها إذا طلقت وهي طاهر، صار الإعتداد عند مخالفنا من بعض الطهر، فصار ما ذهبنا إليه أولى؛ لأن إستعمالنا(1) الظاهر على ما ورد به.
__________
(1) في (أ): لاستعمالنا.(57/8)


فإن قيل: فنحن أيضاً نستعمله على وجه، فنقول: اسم(1) القرء قد ثبت أنه يتناول الحيض والطهر، فيحتمل(2) المراد به على أن المرأة عليها ثلاثة قروء من الحيض والطهر.
قيل له: هذا ساقط من وجهين: أحدهما أن الآية دلت على أن العدة هي ثلاثة قروء، وما ذكرتموه(3) يوجب أنها أربعة قروء وبعض قرء، وهذا فاسد بالإجماع.
والوجه الثاني أن الأمة مجمعة على أن المراد من كل مطلقة أحد القرأين، وأن الجمع بينهما غير مراد، وما ذكرتموه يؤدي إلى خلاف ذلك، فوجب فساده.
فإن قيل: لا يمتنع أن يقال: في قرأين وبعض الثالث ثلاثة قروء، كما سمى الله تعالى شهرين وبعض الثالث أشهراً بقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ}.
قيل له: هذا مجاز [والحقيقة ما ذكرناه، والثاني] (4) لم يقل ثلاثة أشهر كما قال: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}، وما ذكرتموه مع ذكر العدد يكون أبعد في المجاز، ومما يدل على ما ذكرناه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأم حبيبة بنت جحش، [وهي أخت عبدالله بن جحش] (5): (لتنتظر قدر قرؤها التي تحيض له(6)، فلتترك الصلاة)، وفي بعض الأخبار: (لتجلس أيام أقرائها، ثم لتغتسل)، وفي حديث فاطمة بنت أبي حبيش: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها)، وقد ذكرنا أسانيد هذه الأخبار في باب الحيض من كتابنا هذا، فدل ذلك على أن القرء في الشرع وإطلاقه اسم للحيض، وإذا ثبت ذلك، وجب أن يحمل قول الله تعالى على ذلك؛ لأن حمل خطاب الله تعالى على أسماء الشرع أولى من حمله على غيرها، ويدل على ذلك أيضاً ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في الأمة: (عدتها حيضتان)، وإذا ثبت أنها تعتد /162/ بالحيض فلم يفصل أحد بينها وبين الحرة في هذا المعنى.
__________
(1) في (أ): أن اسم.
(2) في (أ): فيحمل.
(3) في (أ): ذكرتم.
(4) سقط من (أ).
(5) سقط من (أ).
(6) في (أ): له.(57/9)

134 / 142
ع
En
A+
A-