قال: ولو أن ذمية أسلمت ولها زوج ذمي، انقطعت بينهما الوصلة، وعليها العدة، ويكون ذلك فسخاً لا طلاقاً، فإن طلقها وهي في العدة، لحقها الطلاق، فإن كانت المسألة بحالها والزوج صغير، وقفت عليه حتى يبلغ، فإن أسلم، فهما على نكاحهما، وإن أبى، فارقته. وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) (1).
وقولنا: انقطعت الوصلة بينهما ـ المراد به أن الوصلة تنقطع بانقضاء العدة على ما سلف القول فيه.
وقلنا: إنه يكون فسخاً؛ لأن الفرقة التي تأتي من قِبَل المرأة [تكون] (2) فسخاً، ولا تكون طلاقاً.
وقلنا: إنه إن طلقها وهي في العدة، لحقها الطلاق؛ لأن الفسخ بعد، لم يقع؛ إذ وقوعه بانقضاء العدة، فلم يمتنع أن يطلقها.
وقولنا: إن الذمية إذا أسلمت ولها زوج صغير، وُقفت عليه حتى يبلغ ـ المراد به إن حصل بلوغه وهي بعد في العدة، فأما إذا انقضت عدتها، وهو(3) بعد صغير، ولم يسلم واحد من أبويه، انقطعت الوصلة، ووقع الفسخ؛ لأن سبيله سبيل من أقام على الكفر، حتى انقضت عدة زوجته التي أسلمت، فوجب وقوع الفرقة.
مسألة: [في المرأة تدّعي الطلاق]
قال: فإن ادعت المراة أن زوجها طلقها، فعلى المرأة البينة وعلى الزوج اليمين، وهذا منصوص عليه في (المنتختب) (4).
والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <البينة على المدعي، واليمين على المدعَى عليه>، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في كتاب النكاح في مسألة دعوى النكاح إذا أنكرها أحد الزوجين، فلا فائدة في إعادة الكلام فيها.
__________
(1) انظر الأحكام 1/395.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): هي.
(4) انظر المنتخب 157.(56/38)
باب القول في الحلف بالطلاق
[مسألة فيمن حلف بالطلاق كاذباً، وفي الإكراه على الطلاق]
أيما رجل حلف بطلاق امرأته كاذباً، أو حنث فيه بعده، وقع الطلاق إلا إذا أكرهه عليه من يخاف منه القتل، أو العبث من ضرب أو حبس. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
أما وقوع الطلاق ممن حلف به كاذباً، أو حنث فيه بعد عقده، فهو إتفاق بين العلماء من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم إلا ما ذهب إليه فريق من الشيعة من أنه لا يقع، وذهب بعض القائلين بذلك إلى أنه لو حلف قاصداً إلى الطلاق على أمر يلزمه كبيعة الإمام ونحوه، ثم لم يف أن طلاقه يقع، فيمكن أن يجعل أصلاً، ويقاس عليه سائر ما خالفوا /158/ فيه لأنه طلاق مشروط، فوجب أن يقع متى حصل الشرط، ويمكن أن يستدل عليهم بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وهو عَقَد على نفسه الطلاق بشرط، فوجب أن يفي به متى حصل الشرط، ويستدل عليه بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمنون عند شروطهم)، ويحجهم في ذلك: ما رواه أبو العباس الحسني ـ رحمه الله ـ تعالى في (النصوص)، عن محمد بن الحسين بن علي الحسني، حدثنا أبي، حدثنا زيد بن الحسين، عن ابن أبي أويس، عن ابن ضميرة، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال:( من حلف بالطلاق ثم حنث ناسياً، لزمه الطلاق).
فأما طلاق المكره وأنه لا يقع، فقد مضى الكلام فيه مستقصى، فلا وجه لإعادته.
مسألة: [فيمن حلف بالطلاق فحنث وهو لا يعلم]
قال: ولو أن رجلاً حلف بالطلاق لا أبرح حتى أشتري عشرة أرطال سكراً، فأشتري عشرة أرطال سكراً فوجد فيها رطلاً، أو أقل، أو أكثر، نقداً بعد ما برح، حنث، وكذلك لو حلف بالطلاق لا أبرح أو آخذ من فلان عشرة دراهم، فأخذها، ثم وجد فيها درهماً من حديد بعد أن برح، حنث. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2).
__________
(1) انظر الأحكام 1/458.
(2) انظر الأحكام 1/461.(57/1)
ووجهه أنه علق الطلاق بشرط، وهوأن يبرح من غير شراء ما ذكره، أنه أخذ ما ذكره، ولم يستثن منه حال النسيان والجهل، فوجب أن يقع الطلاق بحصول الشرط على أي وجه حصل، كما أنه لو قال: أنت طالق إذا قدم زيد أنها تطلق على أي حال حصل قدوم زيد، راكباً، أو ماشياً، أو ناسياً، أو ذاكراً، سواء علم في الحال بقدومه، أو لم يعلم؛ لأن الطلاق إنما علقه بشرط القدوم، ولم يستثن قدوماً من قدوم، فكذلك ما ذكرناه، ويدل على ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام: ( من حلف بالطلاق، وحنث ناسياً، لزمه الطلاق).
مسألة: [فيمن حلف بطلاق نسائه جمعاً أو تفريقاً]
قال: ولو أن رجلاً قال لنسائه: أنتن طوالق إن دخلتنَّ الدار، أو قال: أنت طالق يافلانة، أنت طالق يا فلانة، لكل واحدة منهن إن دخلتن الدار، وقع الطلاق على حسب مانوى، إن نوى ألا تدخلها واحدة منهن إلا طلقت، فأيتهن دخلت، طلقت، وإن نوى أنهن يطلقن إن دخلن مجتمعات، لم يطلقن إلا إذا دخلن مجتمعات. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، ونص فيه أيضاً إلى أنه إن نوى حصول الدخول من جميعهن على أي حال حصل مجتمعات أو متفرقات، لم يطلقن حتى يحصل الدخول من جميعهن.
ووجهه: أنه لما جاز وصح أن ينوي باللفظ كل واحد من الوجوه الثلاثة، يجعله واقفاً على الوجه الذي نواه، وجعل الحكم للنية؛ لأن للفظ يقع على الوجه الذي يقصده المتكلم، وهذا واضح.
مسألة: [فيمن حلف بالطلاق على شيء ثم مات قبل فعله]
قال: ولو أن رجلاً حلف بطلاق امرأته ليفعلن كذا، ثم مات قبل أن يفعله، وقع الطلاق يوم يموت، وترثه المرأة إن لم تكن التطليقة ثالثة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(2)، ونص فيه أنه لو قيده بوقت، ولم يفعله حتى مضى الوقت، وقع الطلاق عند مضي الوقت.
__________
(1) انظر الأحكام 1/461 ـ462.
(2) انظر الأحكام 1/467.(57/2)
ووجه ما ذكرناه أولاً: أنه إذا لم يقيد القول بوقت، لم يحنث إلا في آخر جزء من أجزاء حياته، فإذا صار في آخر جزء من أوقات حياته، حنث، ووقع الطلاق؛ لأنه إذا لم يكن اللفظ مقيد بوقت، كان ذلك على المهلة والتراخي، ولا إشكال في أن الذي يكون على المهلة لا يتخصص به وقت من وقت، ووجب أن يكون أوقات حياته على المهلة مالم يحصل في آخر وقت من أوقات حياته إن حاول الفعل فيه منعه الموت، فأما إذا /159/ قيد(1) بوقت، فمضى الوقت من دون أن يفعل ذلك الفعل، وجب الحنث؛ لأن المهلة تكون إلى ذلك الوقت، ومضى ذلك الوقت بقطع المهلة، فيجب الحنث، وذلك أجمع مما لا أحفظ فيه خلافاً، فأما ما ذكرناه من أنها ترث إن لم تكن التطليقة ثالثة، فقد مضى بيانه فيما تقدم.
باب القول في الرجعة
[مسألة: في الرجعة متى وبم تكون]
إذا طلق الرجل امرأته تطليقة رجعية، فله أن يراجعها ما دامت في عدتها من غير مراضاتها ومراضاة وليها، والرجعة بالقول، وقد تكون بالجماع تخريجاً، ولا رجعة إلا في العدة. وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3) غير ما ذكرناه تخريحاً، فإن أبا العباس الحسني رحمه الله تعالى خرَّجه من قوله في (الأحكام) في باب الإيلاء:الفيء بعد الطلاق رجعة(4)، وقوله فيه في موضع آخر من باب الإيلاء: (الفيء هو الجماع نفسه)(5) لمن قدر عليه، فاقتضى ذلك أن الجماع يكون رجعة، وجميع ما ذكرناه منصوص عليه مما لا خلاف فيه.
__________
(1) في (أ): قيده.
(2) انظر الأحكام 1/418، 419،420،421، وذكره في مواضع أخر.
(3) انظر المنتخب 141.
(4) انظر الأحكام 464.
(5) انظر الأحكام 1/434.(57/3)
والأصل في ذلك قول الله تعالى: {وَبُعُولَتِهِنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: (مُره فليراجعها) يعني ابنه، وإنما الخلاف فيما ذكرناه تخريجاً، فإن الشافعي خالف فيه ويقول: إن الرجعة لا تكون بالجماع. والدليل على ذلك قول النبي صلى الله علية وآله وسلم لعمر: مُرْه فليراجعها، يعني ابنه، فأمره بالمراجعة ولم يستثن مراجتة الفعل من مراجعة القول، فوجب أن يكون ذلك عليهما جميعاً، والدليل على ذلك أنه أوقع ثلمة في ملكه، مع أنه مخير بين إتمامها ورفعها حتى يعود الملك تاماً ، فوجب أن يصح ذلك منه بالفعل، كما يصح بالقول، دليله من باع جارية، واشترط خيار الثلاثة الأيام، ولا خلاف أنه يصح منه أن يفسخ البيع بالوطء، كما يصح أن يفسخه بالقول، ويؤكد ذلك أيضاً من اشترى شيئاً، فوجد به عيباً أنه لما كان بالخيار بين أن يمضي ما أوقعه من الشراء، وبين أن يفسخه للعيب، كان لافصل بين أن يمضيه بقوله رضيت، وبين أن يستعمل المشتري، كنحو أن تكون جارية فيطأها، أو دابة فيركبها، أو ثوباً فيلبسه، وليس يعترض ما ذكرناه أن المرتد لايمكنه أن يزيل ما أوجب من الفرقة بالوطء، وذلك أنا شرطنا في علتنا أن يكون له الخيار بين أن يمضي ما أوقع، وبين أن يرفعه؛ لأنه لا يجوز له إلا أن يُسْلِم، ولأن الإرتداد ليس هو أمر يختص إيجاب الفرقة، وإنما الفرقة تدخل عليه على سبيل التبع.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم إن وطء الْمُطلِّق حرام، وإن ادعيتم أن المراجعة تقع به، وليس كذلك سائر ما ذكرتم، فلا يجب أن يستوي الأمر فيها.؟
قيل له: كون الوطء محرماً ـ وإن سلمناه ـ غير مؤثر في ذلك، ألا ترى أن البائع إذا وطيء [في] (1) مدة الخيار، فلا فرق بين أن يطأها حائضاً، أو طاهراً، وكذلك المشتري إذا وطيء بعد علمه بالعيب، فلا فصل بين أن يطأها حائضاً أو طاهراً، فدل ذلك أن كون الوطء منهياً عنه، لايؤثر في ذلك.
__________
(1) سقط من (ب).(57/4)