وتحصيل المذهب أن الفرقة الواقعة للردة(1) تقع بانقضاء العدة، ويمنع المرتد من الوطء في عدتها، وسبيل الردة سبيل الطلاق الرجعي فيما ذكرناه، وبه قال الشافعي، قال أبو حنيفة: تبين بنفس الردة.
ووجه ما ذهبنا إليه ما ثبت من أن أبا سفيان أسلم بمر الظهران، وزوجته هند مشركة، فرجع إليها، فأسلمت، فأقاما على النكاح الذي كان بينهما، ولم يأمرهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإعاة النكاح، وقد علمنا أن إقامتها على الشرك بعد إسلام زوجها في هذا الباب بمنزلة الردة، فلما لم يوجب صلى الله عليه وآله وسلم فسخ نكاحها، دل ذلك، على أن النكاح لا ينفسخ بنفس الردة، وإذا ثبت ذلك فإنه لا ينفسخ مع الردة إلا بانقضاء العدة.
فإن قيل: الفرقة تتعلق(2) في هذا بالإباء بعد عرض الإسلام.
قيل له: ليس الإباء أكبر(3) من المقام على الكفر، وهذا مما قد مضى الكلام فيه في كتاب النكاح في مسألة إسلام أحد الزوجين، ويدل على ذلك ما روي عن عكرمة بن أبي جهل أنه هرب من مكة وهو مشرك، وأسلمت امرأته، ثم رجع إلى الإسلام وهي بعدُ في العدة، فاستقرت عنده بالنكاح الأول، وهكذا روي في امرأة صفوان بن أمية، فدل أيضاً على ما ذكرناه.
__________
(1) في (أ): بالردة.
(2) في (أ): في هذا تتعلق.
(3) في (أ): أكثر.(56/33)


ومما يدل على ذلك أنه قد ثبت أن الوثني إذا كانت تحته وثنية، فدخل(1) بها، فأسلم أحدهما أن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام؛ لأن أبا حنيفة يذهب إلى أن الفرقة لا تقع مع إسلام أحدهما إلا بإباء الآخر الإسلامَ، ونحن نذهب إلى أن الفرقة لا تقع مع إسلام(2) أحدهما إلا بانقضاء العدة، وإذا ثبت ذلك، وجب أن لا تقع الفرقة بنفس الردة إلا بانضمام معنى آخر إليه، وإذا ثبت ذلك، ثبت أن الفرقة تقع بانقضاء العدة؛ إذ لم يقل أحد في ذلك بغير ما ذكرناه، على أنا إذا بينا أن الإباء لا معتبر به، ثبت أن المعنى المراعى في الأصل إنما هو إنقضاء العدة فقط، فصح ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون سبيله سبيل الفسخ الواقع بورود الملك على النكاح، أو بورود الرضاع عليه؟
قيل له: الملك والرضاع قد ثبت أنهما يوجبان الفرقة لمجردهما من دون إنضمام معنى آخر إليهما، والإرتداد قد بينا أنه يجب أن ينضم إليه معنى سواه، فلم يكن حكمه حكمها، على أن الإرتداد بالطلاق الرجعي أشبه؛ لأنه لا يقع إلا من جهته واختياره(3) فوجب ألا يوجب الفرقة إلا بانقضاء العدة.
ووجه قولنا: إنهما إن ارتدا معاً، فهما على النكاح حتى يعرض عليهما الإسلام، فإن أسلما، فهما على /156/ نكاحهما ـ هو أنه قد ثبت أنه من ارتد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع امرأته ثم رجع إلى الإسلام، أقام على زوجيته، ولم يرو عن أحد من الصحابة أنه أمر بتجديد العقد، فجرى ذلك مجرى الإجماع.
فإن قيل: من أين لكم أن إرتداد الرجل وزوجته وقعا معاً، وكذلك إسلامهما؟
قيل [له] (4): هذا سبيل كل أمرين وقعا، ولم يعرف التأريخ، كالآيتين، والخبرين، ونحوهما.
فإن قيل: فما(5) أنكرتم على من قال لكم: إنهم أقاموا على النكاح؛ لأن العدة لم تكن انقضت؟
__________
(1) في (أ): فدخل.
(2) في (ب): الإسلام.
(3) في (ب): وباختياره.
(4) سقط من (ب).
(5) في (أ): ما.(56/34)


قيل له: لم يرو ذلك في شيء من الأخبار، ولا روي أنهم اعتبروا ذلك في شيء من الأحوال، ولو كان ذلك كذلك، لكان يقال لهم: من كانت امرأته قد انقضت عدتها قبل الرجوع إلى الإسلام، فليجدد النكاح، فلما لم يرو ذلك، علمنا أنهم لم يعتبروه.
فإن قيل: فلم يَروِ عنهم أحد أنه قيل لهم من ارتد منكم من الزوجين أحدهما قبل صاحبه، انفسخ نكاحه.
قيل له: ذلك قد علمناه بالإجماع، ولولا الإجماع، لجوزنا خلافه، ومما يدل على ذلك أنه قد ثبت أن الكفر لا ينافي النكاح كما لا ينافيه الإسلام، ألا ترى أن نكاح الكفار مع الكفر يصح، كما أنه يصح نكاح المسلمين مع الإسلام، وإنما الموجب للفرقة هو إختلاف دينهما، فإذا ثبت ذلك، ثبت أنهما إذا ارتدا معاً، لم يجب وقوع الفرقة بينهما، كما أنهما إذا أسلما معاً، لم يجب وقوع الفرقة بينهما؛ لأن دينيهما لم يختلفا، فأما التوارث، فنحن نشرحه [إن شاء الله] (1) في كتاب المواريث، وكذلك قتل المرتد نذكره في كتاب الحدود بعون الله.
مسألة: [في حكم ولد المرتد عن الإسلام]
قال: فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ ردتهما، فحكم الولد حكم الإسلام، فإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر، فحكمه حكمهما في الردة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2).
والمراد بأن حكم الولد حكم الإسلام أو(3) الردة، إنما هو في التوارث وسقوط التوارث؛ لأن الولد إن ثبت له حكم الردة، لم يرث أبويه، وإن ثبت له حكم الإسلام، ورثهما.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) انظر الأحكام 1/392.
(3) في (أ): والردة.(56/35)


ووجه ما ذكرنا من التحديد أنه قد ثبت أن أقل الحمل ستة أشهر، فإذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم ردتهما، كان العلم حاصلاً بأن الولد كان حصل في بطن أمه قبل الردة، فوجب الحكم بإسلامه، لحصوله(1) في بطن أمه في حال إسلام أبويه؛ لأن الطفل والجنين يحكم لهما بالإسلام إذا كان أبواهما مسلمين، أو كان أحدهما مسلماً، فأما إذا جاءت به لأكثر من ستة أشهر، لم يجز أن يحكم له بالإسلام، إذ لا إسلام له في نفسه، ولم يحصل في بطن أمه في حال علمنا معها إسلام أبويه، أو أحدهما، فلم يجب الحكم بإسلامه ووجب أن يحكم له بحكم الردة.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: إنه لم يحصل اليقين بأنه حصل في بطن أمه في حال كفر أبويه؛ لتجويزنا أن يكون حصل قبل ردتهما، إذا لم يكن بين ارتدادهما وبين مولده الزمان الذي يجب أن يكون غاية لأكثر الحمل، فيجب أن يحكم له بحكم الإسلام؟
قيل له: قد حصل اليقين بأنه وُلد(2) في حال الردة، ولم يحصل اليقين بأنه كان حصل في حال الإسلام في بطن أمه، فكان الأولى أن يحكم باليقين، ويقضي به على التجويز الذي ذكرتم.
فإن قيل: فقد روي: <المولود يولد على الفطرة، وأبواه يُهَوِّدانه، أو يُمَجِّسَانه>.
قيل له: المراد بذلك أنه يولد وأبواه يهوديان، أو مجوسيان؛ إذ لا خلاف أنه ليس المرجع بقوله: يهودانه، أو يمجسانه إلى غير ذلك.
مسألة: [في الزوجين الذميين يسلمان]
__________
(1) في (أ): وحصوله.
(2) في (ب): حصل.(56/36)


قال القاسم عليه السلام في الذميين إذا أسلما: هما على نكاحهما، وهذا مما تضمنه كلامه عليه السلام في (مسائل النيروسي) وكلام الهادي عليه السلام في (الأحكام) (1) وهو مما لا خلاف /157/ فيه بين العلماء، وقد ثبت أن الذين أسلموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يأمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإعادة النكاح الذي كانوا عليه في الجاهلية، وهذا أشهر من أن يحتاج إلى الإستقصاء فيه.
مسألة: [في الرجل يسلم وتحته ذمية صغيرة]
قال: وإذا أسلم الرجل وتحته ذمية صغيرة، فهو أولى بها مالم تمض ثلاثة أشهر، فإن أسلم أحد أبويها قبل مُضِّي ثلاثة أشهر، فقد جر إسلامه إسلامها، وهي زوجته، وإن(2) لم يسلم واحد من أبويها حتى تمضي ثلاثة أشهر، بانت منه زوجته، ولا ردة للصبي حتى يبلغ.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(3)، ووجهه ما بيناه [من] (4) أن إختلاف الدينين يوجب الفرقة بانقضاء العدة، وقد مضى [فيه] (5) مالا وجه لإعادته.
وقلنا: إن أسلم أحد أبويها قبل انقضاء العدة، كانت زوجته؛ لأن إسلام أحدهما في الحكم إسلام لها، فكأنها أسلمت قبل انقضاء عدتها، فلم تقع الفرقة على ما بيناه، وقلنا(6): إنها إن لم يسلم أحد أبويها حتى يمضي عليه ثلاثة أشهر، بانت منه؛ لأنه يكون في الحكم كأنها أقامت على الكفر حتى انقضت عدتها، وقلنا: لا ردة للصبي حتى يبلغ؛ لأنه لا تكليف عليه، ولأنا لو حكمنا عليه بالردة لأوجبنا قتله، وقد ثبت أن النبي صلى الله عيه وآله وسلم لم يقتل من صبيان بني قريضة من لم يكن مُنبتاً.
مسألة: [في الذمية تسلم دون زوجها]
__________
(1) انظر الأحكام 1/391.
(2) في (ب): فإن.
(3) انظر الأحكام 1/392، 394.
(4) سقط من (ب).
(5) سقط من (ب).
(6) في (أ): وقد قلنا.(56/37)

132 / 142
ع
En
A+
A-