ويدل على ذلك ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه قال لمولى عبد تزوج بغير إذنه فرق بينهما، فقال السيد لعبده: طلقها، فقال علي عليه السلام: (أجزتَ النكاح، فإن شئت أيها العبد، فطلق، وإن شئت، فأمسك). فبين أن الطلاق إلى الزوج ولا خلاف أن الأجنبي لا يقع /153/ طلاقه فكذلك المولى، والمعنى أن الطلاق غير الزوج بغير إذنه.
ويؤكد ذلك أن الله تعالى خاطب بالطلاق الأزواج فعُلم أن حكمه مقصور عليه، وهذا مما لا خلاف فيه بين الفقهاء، وإنما الخلاف فيه محكي عن الصحابة والإجماع بعد الخلاف يرفع حكم الخلاف.
وأما البيع فلا يكون طلاقاً؛ لما روي أن بريرة لَمَّا بيعت، خيَّرها رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم، ولم يجعل بيعها طلاقاً، وإذا ثبت ذلك في الأمة، ثبت في العبد، والعلة أن كل واحد منهما شخص مملوك، فلم يجز أن يكون بيعه طلاقاً، وهذا أيضاً مما لا خلاف فيه الآن، وحكي ذلك عن بعض المتقدمين، وكذلك الإباق لا خلاف أنه لا يكون طلاقاً؛ لأنه كسائر معاصيه في أنه لا يعترض النكاح مالم يكن رده، ولا يمكن أن يقال: إذا أبق، استضرت المرأة، فوجب أن تنقطع العصمة بينه وبينها؛ لأن المفقود يعترضه.
مسألة: [في الاستثناء في الطلاق]
قال: ولو أن رجلاً قال لزوجته أنت طالق إلا أن يشاء أبوك، أو غيره حبْسَك، وقُف طلاقها على مشيئته، فإن شاء حبْسَها، لم تطلق، وإن لم يشأ، طلقت، وكذلك لو اشترط المطلق فيه مشيئة نفسه.
ما ذكرناه أولاً منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2)، وما ذكرناه من اشتراط مشيئة نفسه فدل عليه كلامه.
__________
(1) انظر الأحكام 1/459.
(2) انظر المنتخب 149.(56/28)
ووجه ذلك أجمع أنه جعل المشيئة شرطاً واستثناءً، فوجب أن يكون سبيلها سبيل سائر ما يُشترط ويُستثنى، وحمل أبو العباس الحسني ـ رحمه الله ـ ذلك على الفور، وهو صحيح، وقد نص الهادي عليه السلام على مثله في (المنتخب) (1) في كتاب الأيمان في مسألة من قال: أنت طالق إن ركبت وهي راكبة، ووجهه أنه أوقع الطلاق، واستثنى بالمشيئة، وإن لم تقع المشيئة عقب الطلاق، وقع، ومثاله أن يقول: أنت طالق إلا أن يقوم زيد، فإن لم يقع قيام زيد عقيب القول، وقع الطلاق.
مسألة: [في تعليق الطلاق على مشيئة الله]
قال: ولو قال لها: أنت طالق إن شاء الله تعالى، لم يقع الطلاق إن كان يمسكها بالمعروف، فإن لم يمسكها بالمعروف، طلقت.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3)، وذهب عامة الفقهاء إلى أن الطلاق والعتاق لا يقعان على هذا، وفرق مالك بين الطلاق والعتاق، فقال في الطلاق: لا يقع، وإن العتاق يقع.
ووجه ما ذهبنا إليه أن الدلالة قد دلت أن الله تعالى لا يريد من أفعال العباد إلا الطاعات، واجبها والمندوب إليه(4) منها، وأنه لا يريد المباح منها، فإذا ثبت ذلك، فقد علمنا أن الله تعالى غير مريد لطلاق من يمسك زوجته بالمعروف؛ لأن الطلاق مباح غير واجب، ولا مندوب إليه، فوجب أن لا يقع طلاقه(5)؛ لأنه علقه بمشيئة الله تعالى، وقد علمنا أن الله تعالى لا يشاء، فكان سبيله سبيل من طلق على شرط، ثم لم يحصل الشرط، فأما إذا كان غير ممسك لها بالمعروف، فإن الله تعالى قد أوجب عليه إما الإمساك بمعروف، أو التسريح بإحسان، بقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ(6) بِمَعْرُوفٍ}.
فإن قيل: فإنه تعالى لم يشترط ذلك في كونه غير ممسك بالمعروف، بل خاطب به على سبيل العموم.
__________
(1) انظر المنتخب 176.
(2) انظر الأحكام 1/470.
(3) انظر المنتخب 151 ـ 152.
(4) في (أ): إليها.
(5) في (أ): طلاقه.
(6) في (أ): فإمساك بمعروف.(56/29)
قيل له: لا خلاف أن من كان ممسكاً لها بالمعروف لا يجب عليه أن يطلق، فيصير ذلك خصوصاً من العموم.
فإن قيل: إذا لم يمسك بالمعروف، فالواجب عليه أن يمسك بالمعروف، وليس يجب عليه أن يطلق.
قيل له: يجب عليه أحد الأمرين على التخيير بدلالة الآية.
فإن قيل: ما أنكرتم أن هذا اللفظ موضوع في الشرع(1) لمنع حصول ما علق به، كالإقرار إذا علق به لم يستقر؟
قيل له: الإقرار إذا علق بالشرط، لم يستقر، ألا ترى أن قائلاً لو قال: إن قدم زيد، فلك عليَّ ألف درهم، وإن أمطرت السماء، فلك عليَّ ألف، لم يصح الإقرار، وليس كذلك الطلاق والعتاق إذا علقا بشرط؛ لأنهما يقعان بحصول الشرط، وكذلك الجواب إن سألوا عن /154/ البيع المعلق بمشيئة الله تعالى.
فإن قيل: فإذا أجريتم ذلك مجرى قول القائل: أنت طالق إن دخل زيد الدار، وإن أمطرت السماء، فيجب أن لا توجبوا وقوع الطلاق إلا بعد أن تعلموا أن مشيئة الله تعالى قد حدثت بعد هذا القول، وذلك مالا سبيل إلى العلم به، فيجب أن لا يقع الطلاق.
قيل له: هذه اللفظة من طريق العادة جارية مجرى أن يقول الإنسان: أنت طالق إن كان مراد الله تعالى، وعلى هذه الطريقة يستعمل في سائر الأشياء؛ لأن الإنسان يقول: إفعل كذا إن شاء الله تعالى، ويريد إن كان تكليفي، أو لطفي، أو ما أحتاج إليه من القدر والآلة، وما جرى مجراها، مراداً لله تعالى من غير مراعاة تقدم الإرادة وتأخرها.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من حلف ثم قال: إن شاء الله تعالى فقد استثنى.
__________
(1) في (أ): في هذا الشرع.(56/30)
قيل له: هو دليلنا، وذلك أن من حكم الإستثناء أن يرفع بعض ما دخله دون كله، وعندهم أن قوله: إن شاء الله يرفع حكم ما دخل عليه رأساً، فلم يصح أن يكون ذلك استثناء، ألا ترى أنه لا خلاف فيمن قال لفلان: عليَّ عشرة دراهم إلا عشرة أنه لا يكون استثناء، لأنه اقتضى رفع جميع ما دخل عليه، فأما على مذهبنا، فإنه يكون قول القائل: إن شاء الله تعالى استثناء، إلا أنه يرفع بعض ما دخل عليه، فليس لأحد أن يدَّعي العرف في أنه جُعل لرفع ما دخل عليه؛ لأن أغراض الناس في استعمالهم في الكلام تختلف.
مسألة: [في استثناء الطلاق من الطلاق]
قال: ولو قال لها: أنت طالق واحدة إلا واحدة، أو أقل، أو أكثر، وقعت تطليقة واحدة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
ووجهه أنها تطلق واحدة بقول الزوج، أنت طالق، فإذا قال بعد ذلك واحدة، كان ذلك في حكم البيان لما وقع من الطلاق، فإذا قال: إلا واحدة، لم يوجب هذا الإستثناء شيئاً؛ لأن الإستثناء من حكمه أن يرفع بعض ما دخل عليه دون الكل، فأما إذا استثنى الكل، فهو باطل لا خلاف فيه، وهذا كما تقول لفلان عليَّ عشرة إلا عشرة، لا خلاف أن هذا الإستثناء لا حكم له.
مسألة: [في طلاق الأب عن ابنه الصغير]
قال: وإذا زوج الرجل ابناً له صغيراً ثم طلق عنه لم يقع الطلاق، وهذا قد اشتمل عليه قوله في (الأحكام) (2) في الأمة المزوجة إنها لا تحل لناكح حتى يطلقها زوجها، وهذا مما لا خلاف فيه، ووجهه ما مضى في أن طلاق المولى لا يقع عن العبد، فلا معنى لإعادته.
مسألة: [في الغلط في إيقاع الطلاق]
قال: ولو أن رجلاً نادى امرأة من نسائه قد عزم على طلاقها، فأجابته أخرى، فقال: أنت طالق، وقع الطلاق على التي نوى طلاقها دون التي أجابته.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3) و(المنتخب) (4).
__________
(1) انظر الأحكام 1/459.
(2) انظر الأحكام 1/436.
(3) انظر الأحكام 1/460.
(4) انظر المنتخب 152.(56/31)
ووجهه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <الأعمال بالنيات، وإنما لإمرء ما نوى>، وهذا لم ينو(1) طلاق التي أجابته، وإنما نوى طلاق التي ناداها، فيجب أن يكون الواقع طلاقها دون التي أجابته، ولا خلاف أن الثانية لو لم تكن أجابته، لكان الطلاق يقع على الأولى، فكذلك إذا أجابته الثانية، والعلة أنها هي المقصودة بما أوقع من الطلاق، وكذلك لو كانت هناك ثالثة، لم يجب أن يقع عليها طلاق، فكذلك التي أجابته، والعلة أنها غير مقصودة بالطلاق.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: إن هذه لما أجابت، صار الخطاب خطاباً لها؟
قيل له: إن الخطاب لا يصير خطاباً للمخاطب بما يكون منه من الأحوال؛ لأن المؤثر في الفعل إنما هو أحوال الفاعل دون غيره، وإنما يصير لمن يقصد المخاطِب أن يجعله خطاباً له، فإذا ثبتت هذه الجملة، وقد علمنا أن الْمُطلِّق كان قاصداً إلى أن يجعل قوله: أنت طالق خطاباً للأولى، لم يؤثر فيه جواب الثانية.
فإن قيل: قول الزوج بعد إجابتها له جار مجرى أن يقول: /155/ أيتها المجيبة أنتي طالق.
قيل له: [المناداة مقصودة بالخطاب] (2) صرف اللفظ إليها أولى من صرفه إلى من يقدر فيها ما ذكرتم.
مسألة: [في الفراق بردة أحد الزوجين]
قال: وإذا ارتد الرجل عن الإسلام، بانت منه زوجته إذا خرجت من عدتها، وحلت للأزواج، وإن مات، أو قتل، أو لحق بدار الحرب قبل خروج المرأة من العدة، ورثته، وإن ارتدا جميعاً، فهما على نكاحهما حتى يعرض عليهما الإسلام، فإن أسلما، فهما على نكاحهما، وإن أبيا، قتلا. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3).
__________
(1) في (ب): هذا إذا لم.
(2) ما بين المعكوفين سقاط من (أ) و (ب) وظنن عليه في الهوامش.
(3) انظر الأحكام 1/391.(56/32)