والوجه الثاني ـ أن المراد به لو كان هو الرجعة، لم تكن القسمة صحيحة؛ إذ كان تكون حالة ثالثة غير الرجعة والطلاق، وهو الترك لها حتى تنقضي عدتها، فتبين، ومتى راجعها، لم يكن بعد إلا ما ذكر الله تعالى من الإمساك بالمعروف، أو التسريح بإحسان، فكان الأولى أن يحمل الإمساك على ما قلناه ليتم مقتضى الظاهر، ويؤكد ذلك: ما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر: في ابنه: <مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض وتطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق>، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإمساك بعد المراجعة(1).
ومما يدل على ذلك ما مضى من حديث ابن عمر أنه طلق امرأته حائضاً، فسأل عمرُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: <مره فليراجعها حتى تطهر، ثم يطلقها>، فلولا أن الطلاق لا يتبع الطلاق لم يكن لأمره صلى الله عليه وآله وسلم بالمراجعة، ثم الطلاق بعده، معنى، فدل ذلك على أن الطلاق الثاني لا يقع بعد الطلاق الأول إلا بتوسط الرجعة بينهما، يكشف ذلك أن هذه الرجعة لا ترفع التطليقة الأولى، ولاهي جارية مجرى التوبة من إساءته بإيقاعها، ولا هي معتبره بحكم العدة، فلم يبقَ وجه يكون أمراً بها من /136/ أجله غير ما ذكرناه من صحة وقوع التطليقة الثانية المسنونة.
ومما يدل على ذلك ـ أنه لا خلاف بيننا وبين الشافعي أن البائن لا يلحقها الطلاق وهي معتدة، فكذلك المطلقة طلاقاً رجعياً، والعلة أنها معتدة، فوجب أن لا يلحقها الطلاق حتى ترفع الثلمة الواقعة بالطلاق الأول.
__________
(1) أخرجه أبو داود في السنن 2/261.(56/18)


ويقال للشافعي وأبي حنيفة: لا خلاف بيننا وبينكم أن من قال لامرأته المدخول بها أَنتِ طالق ثلاثاً أنه لا يلحق ذلك طلاق مالم يرفع حكم ذلك اللفظ، فكذلك إذا قال لها: أنت طالق، والعلة أنها معتدة من طلاق، وليس لهم أن يدعوا أن علتنا لا تأثير لها؛ لأنها مؤثرة على أصلنا، إذ لا فصل عندنا بين قوله: أنت طالق، وبين قوله أنت طالق ثلاثاً.
فإن قيل: الزوج مالك للثلاث، فوجب أن يصح منه إيقاعها واحدة بعد أخرى، وإن لم يتخللهما الرجعة.
قيل له: لسنا نسلم أنه مالك للثلاث، على الإطلاق، بل على شرط أن يجعل بين الطلاق والطلاق ما يرفع الثلمة الواقعة بالطلاق الأول، على أن هذا ينتقض على الشافعي بالطلاق البائن، وعليهما جميعاً بالمنقضية عدتها.
فإن قيل: هو زوج بعد التطليقة الأولى إذا كانت رجعية فوجب أن يصح منه طلاقها.
قيل له: لا يمتنع من إجراء اسم الزوج عليه، ومع هذا لا يجوز طلاقه إلا مع(1) الشرط الذي ذكرناه؛ للأدلة التي مضت، ألا ترى أن الناس قد اختلفوا في طلاق السكران، وطلاق المكره، وطلاق الحائض، وإن لم يخرجوا الزوج من الزوجية، وإنما اتَّبعوا الأوكد من الأدلة مع بقاء الزوجية، فكذلك تجيء مسألتنا.
ومما يؤكد ذلك أن الثلمة الواقعة بالتطليقة الثالثة(2) مالم ترتفع، لم يكن لإلحاق الطلاق بها مسرح، فوجب أن يكون ذلك حكم كل ثلمة واقعة بالطلاق، أولاً كان، أو ثانياً، ويوضح ذلك أن قياسنا يزيد الطلاق الثاني شرعاً مستفاداً بالشرع، فهو أولى.
__________
(1) في (أ): على.
(2) في هامش (ب): الثانية.(56/19)


وأما أن الطلاق لا يتبع الطلاق البائن، فالخلاف فيه بيننا وبين أبي حنيفة دون الشافعي، والكلام فيه أظهر؛ لأنهما ليسا بزوجين، لأنهما ليسا يتوارثان، ولأن العصمة منقطعة، والمرأة قد ملكت بضعها، ويمكن أن يقاس على الأجنبية، بمعنى أنها لا تحل له إلا بنكاح جديد، فوجب أن لا يلحقها طلاقه، ولا خلاف أن الكنايات لا يلحقها الصريح قياساً على الأجنبية، أو يقاس الصريح على الكناية بعلة أنه من ألفاظ الطلاق، فوجب أن لا يقع عليها.
فإن قيل: روي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: <المختلعة يلحقها الطلاق>.
قيل له: الخبر قد قيل: إنه ضعيف، وإن ثبت، كان المراد به أن الخلع طلاق، وهذا التأويل أولى؛ لأنه يعم المختلعات أجمع، وما يتأولونه يختص بعض المختلعات؛ إذ فيهن من لا يطلقن(1) بعد الخلع، فلا يلحقها طلاق ثان على وجه من الوجوه، والتأويل الذي يُبقي العموم على جهته أولى من الْمُقتضي لتخصيصه، وليس لهم أن يقولوا نقول بالوجهين جميعاً؛ إذ من مذهبهم أنه لا /137/ يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى بعد ذكر الخلع: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}، فدل ذلك على أن المختلعة يلحقها الطلاق.
قيل له: هذا بيان حكم التطليقة التي هي المراد بقوله تعالى: {فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيْحٌ بِإِحْسَانٍ}، وقد بينا فيما تقدم أنه يجب أن يكون بعد الرجعة، أو إعادة الزوجية إن كانت قد إنقطعت، فيجب أن يحمل على ذلك قوله سبحانه: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}.
__________
(1) في (أ): يطلقهن.(56/20)


ومما يوضح كلامنا في المسألتين جميعاً ـ أعني أن الطلاق لا يتبع الطلاق الرجعي، ولا البائن ـ أن موضوع الطلاق إنما هو أن يؤثر في النكاح؛ لأنه إما يوجب قطع العصمة، أو يوجب فيه ثلمة، وأقل ذلك أن يوجب قطع العصمة بانقضاء العدة، ووجدنا الطلاق الثاني لا يؤثر فيه شيئاً من التأثير غير حصوله في نفسه، فوجب أن يشبه طلاق الأجنبية، والمنقضية عدتها، ووجب أن لا يكون له حكم.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً قال لامرأته: أنت طالق، أو قال: أنت طالق تطليقة أو تطليقتين،

نقص من هنا فلينظر من صفحة 138 ــ 150 في المطبوع.

مسألة: [في طلاق السكران]
قال: وطلاق السكران واقع، ويقع الطلاق في الحيض. نص في (الأحكام)(1) على أن طلاق السكران واقع، وكذلك عتقه، خرَّجه أبو العباس الحسني ـ رحمه الله تعالى ـ في (النصوص)، على من لم يزل عقله بالسكر، وحكاه عنه أحمد بن يحيى رضي الله عنه، وبناه على قول القاسم عليه السلام في بيع السكران وشرائه أنهما جائزان إذا لم يكن زال عقله، وتعليل يحيى عليه السلام يدل على ما ذكرناه، لأنه قال في (الأحكام): وطلاق السكران وعتقه جائزان، لأن الذي أزال عقله جنايته، فدل ذلك على أنه يوقعه مع زوال العقل.
والذي يدل على ما ذهب إليه يحيى بن الحسين عليه السلام حديث زيد بن علي عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (طلاق السكران جائز).
وروي نحوه عن عمر، وابن عباس.
وعندنا أن ما روي عن علي عليه السلام يجب اتباعه.
ويدل على ذلك الظواهر الواردة في الطلاق نحو قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ}، وقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}. وقوله: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ}، وكل ذلك عام في السكران والصاحي.
__________
(1) انظر الأحكام 1/437.(56/21)


ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا قيلولة في الطلاق>، وهو عام في طلاق السكران وغيره.
ويدل على ذلك ما روي أن عمر استشار الصحابة في حد الخمر فقال [علي عليه السلام] (1): (إنه إذا سكر، هذى، وإذا هذى، افترى، وإذا افترى، وجب عليه الحد بما افترى، ولم يرو أن أحداً منهم أنكر ذلك، فدل ذلك على أن السكران إذا قذف، لزمه الحد، وإذا ثبت ذلك، وجب أن يقع طلاقه، دليله الصاحي، لما كان مؤاخذاً بقذفه، وقع طلاقه، ويشهد(2) لقياسنا المغمى عليه، والمجنون، والصبي فإنهم لما لم يؤاخذوا بقذفهم، لم يقع طلاقهم.
ويوضح قياسنا أن الحد تسقطه الشبهة، ولا تسقط الطلاق، وإذا(3) كان السكران مؤاخذ بما يُسقط بالشبهة، ولم يكن سكره موجباً للشبهة، وجب أن يؤاخذ بالطلاق، ولم يجب أن يصير سكره شبهة في أنه لم يقصد الطلاق.
فإن قاسوا على المجنون، والمغمى عليه، بعلة زوال العقل، فقد بينا أنه يشهد لقياسنا، على أنا قد علمنا أن المجنون والمغمى عليه لا يتعلق الحكم بشيء من /150/ أقوالهم، فكان لفظهم بالطلاق كسائر أقوالهم، وقد بينا أن قذف السكران يتعلق به حكم فلم يجب أن يكون سبيله سبيل المجنون، والمغمى عليه، يؤكد ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيْدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءُ فِيْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرُ}، فجعل تعالى للعدواة(4) الواقعة عن الخمر حكماً، وهو لا يقع إلا في حال السكر، فبان أنه قد يتعلق الحكم بأفعال السكران.
فإن قيل: إذا كنتم تقولون إن الطلاق لا يقع إلا بالقصد، وتمنعون وقوع طلاق المكرَه لما معه من الأمارة الدالة على عدم قصده، فما أنكرتم أن يلزمكم القول بأن طلاق السكران لا يقع لمثل ذلك؟
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (أ): شهد.
(3) في (أ): إذا.
(4) في (أ): العداوة.(56/22)

129 / 142
ع
En
A+
A-