قيل له: ليس في الآية دليل على ما ذكرتموه، بل فيه دليل على أنَّه أمر من الله تعالى بذلك، وليس فيه ما يدل على أنَّه لو طلقها لغير العدة ما يكون حاله، فيحمل قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}، على أن ذلك هو المندوب إليه والمسنون، ويحمل قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}، من غير استثناء شيء من الأحوال، على أنَّه يقع في جميع الأحوال، ثُمَّ السنن الواردة كلها تدل على صحة ما نذهب(1) إليه، منها ما مضى من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <مره فليرتجعها> فلولا أن الطلاق كان وقع، لم يأمره بالمراجعة.
وأخبرنا أبو العباس الحسني، حدثنا(2) عيسى بن محمد العلوي، حدثنا محمد بن منصور، عن محمد بن جميل، عن إبراهيم بن محمد، عن أيوب، عن جابر، عن منصور، عن أبي وائل، عن ابن عمر، أنَّه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، فقال: <مره أن يراجعها، وتعتد بتطليقة> فبان صحة وقوع الطلاق في الحيض.
وأخبرنا أبو العباس الحسني، أخبرنا أبو أحمد الأنماطي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني، عن عبدالرزاق، عن الثوري، عن عاصم، عن ابن سيرين، قال: سئل ابن عمر هل احتسبت بها؟ قال: وما يمنعني، وإن كنت قد عجزت، واستحمقت.
وفي بعض الأخبار قلت يا رسول الله: لو كنت طلقتُها ثلاثاً، قال: كانت تبين، و[كنت] (3) تعصي ربك.
وأخبرنا أبو العباس الحسني، حدثنا محمد بن الحسين بن علي الحسيني البصري، حدثنا أبي، حدثنا زيد بن الحسين، عن أبي بكر بن(4) أبي أويس، عن ابن ضميره، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام أنَّه كان يقول: (الطلاق في العدة على ما أمر الله تعالى، فمن طلق على غير عدة، فقد عصى الله تعالى، وفارق امرأته).
__________
(1) في (أ): يذهب.
(2) في (أ): أخبرنا.
(3) سقط من (أ).
(4) في (أ): عن.(56/3)
فإن قيل: فقد روي عن عبدالله بن مالك، عن ابن عمر أنَّه طلق امرأته وهي حائض، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: <ليس ذلك بشيء>.
قيل له: هذا خبر قد استضعف سنده، وأخبارنا أكثر وأشهر، وإن ثبت، فلا ظاهر له؛ لأنا قد علمنا أنَّه شيء قد حصل و[قد](1) وقع، فلا بد فيه من تأويل، وإذا احتجنا وخصمنا جميعاً فيه إلى التأويل، قلنا يحتمل أن يكون المراد به ليس شيئاً يستحب ويختار.
وليس لهم أن يقولوا: إن الزوج لما كان موقعاً للطلاق على وجه يكون به عاصياً، لم يقع طلاقه؛ لأنَّه ينتقض بمن يطلق في الصلاة حتى يقطع صلاته بما يلفظ به،
ويكشف أن يكون ما يوجب الفرقة معصية لا يمنع من وقوع الفرقة بالردة، إذ لا خلاف أنها توجب الفرقة، ويمكن أن تقاس الحائض على الطاهر بمعنى أنها امرأة يصح طلاقها، أو يقاس التي دخل بها على التي لم يدخل بها بتلك العلة، فوجب أن يصح طلاقها في الحيض، أو يقاس الطلاق على الظهار؛ بعلة أن كل واحد منهما لفظ له مدخل في المنع من الوطء، فوجب أن يصح حصول حكمه في الحيض، فإن قاسوه على الوكيل الذي أمر بأن يطلقها طاهراً، فطلقها حائضاً، بأنه تعدى ما أمر به، كانت قياساتنا أولى؛ لإستنادها إلى النصوص التي لا تحتمل تأويلاً، ولأنه يفيد وقوع الطلاق، على أن الوكيل لا يشبه المطلِّق، لأن المطلق يطلق عن نفسه، والوكيل يطلق على الموكل، فصارت قياساتنا أولى؛ لأنا رددنا حكم من يُلزم نفسَه الأمرَ إلى حكم من يلزم نفسه(2)، وهم ردوا حكم من يُلزم /129/ نفسَه إلى حكم من يُلزم غيره.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ب): غيره. وظنن في هامشها على ما أثبتناه.(56/4)
ومما يوضح الفرق بين الوكيل والمطلق أن الوكيل ينفذ ماهو وكيل فيه بأمر الموكل فقط دون ما سواه، فمتى تجرد الأمر في طلاقها ظاهراً، ولم يكن هناك أمر بطلاقها حائضاً، لم يصح طلاقه حائضاً، وليس كذلك المطلق؛ لأن طلاقه ينفذ، وإن لم يأمر الله به، بأن يخبر أنَّه نافذ واقع، أو بأن يدل عليه من غير جهة الخبر، فلا يمتنع أن يأمر بالطلاق على وجه مخصوص، ويدل على أنَّه قد يقع ذلك، وإن وقع على غير الوجه الذي أمر بإيقاعه عليه.
مسألة [في طلاق الصغيرة والآيسة والحامل]
قال: ويستحب لمن أراد أن يطلق صغيرة لم تحض، أو آيسة، أن يكف عن مجامعتها شهراً، ثُمَّ يطلقها، وكذلك القول فيمن أراد أن يطلق الحبلى. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1). ووجهه أنَّه لما استحب أن يكون بين الجماع والطلاق حيضة في ذوات الحيض، استحببنا أن يكون بينهما شهراً في اللواتي لم يحضن من الصغيرة، والكبيرة والحبلى؛ لأن الشهر قد أقيم مقام الحيضة الواحدة في كل حكم له مدخل في استبراء الرحم، نحو العدد، والإستبراء في الإماء.
مسألة [في الطلاق الرجعي]
[قال] (2): وإذا طلق الرجل امرأته طلاق السنة، ولم تكن تلك التطليقة ثالثة، فالرجل أولى بها ما دامت في عدتها، فإذا انقضت عدتها، كان الرجل خاطباً من الخطاب. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3) و(المنتخب) (4). وهو مما لا خلاف فيه، سواء كان الطلاق للسنة، أو واقعاً في الحيض في معنى المراجعة، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ابن عمر حين طلق امرأته حائضاً: <مره أن يراجعها>، وكذلك في أن العدة لو انقضت قبل المراجعة أن الزوج يكون خاطباً من الخطاب، وذلك إذا وقع الطلاق لا على عوض، وقد دل على ذلك قول الله تعالى: {وَبُعُولَتِهِنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِيْ ذَلِكَ}، أن المراد به المراجعة.
__________
(1) انظر الأحكام 1/420.
(2) سقط من (أ).
(3) انظر لاأحكام 1/418 ، 419 ، 420 ـ 453.
(4) انظر المنتخب 141.(56/5)
مسألة [في الإشهاد على الطلاق والمراجعة]
قال: وقال القاسم عليه السلام: ولا بد من الإشهاد في الطلاق والمراجعة؛ ليكون أبعد من الخلاف والمنازعة. وهذا منصوص عليه في (مسائل النيروسي)، ومروي عنه في (الأحكام) (1)، وقد دل تعليله بالبعد من الخلاف والمنازعة على أنه قاله على سبيل الإستحباب، ولم يجعله شرطاً في صحة الطلاق، ولا في صحة الرجعة.
وقد ذكر يحي عليه السلام الإشهاد في (الأحكام) (2)، ولم يذكر أنه شرط في صحتها(3) فدل ذلك على أنه استحباب، وقال أيضاً: ينبغي للمطلق أن يشهد على طلاقه إن شاء حين يتلفظ به، وإن شاء عند انقضاء عدتها، ودل ذلك أيضاً أنه لا يجعل الإشهاد، شرطاً في صحة الطلاق، وهو قول عامة الفقهاء، وذهبت الإمامية إلا أن الطلاق من شرط صحته الإشهاد وأحد قولي الشافعي أنه شرط في صحة الرجعة.
والدليل على أن الإشهاد ليس بشرط في صحة الطلاق، ولا في صحة الرجعة قول الله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}، وقوله سبحانه: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ}، وقوله سبحانه: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}، وقوله سبحانه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيْحٌ بِإِحْسَانٍ}، فلم يشترط /130/ فيه شيئاً من الإشهاد، فعُلِم أنه ليس بشرط في صحته.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}، فأمر بالإشهاد.
__________
(1) انظر الأحكام 1/422.
(2) فانظر الأحكام 1/419 ، 240.
(3) في (أ): صحته.(56/6)
قيل له: لسنا نخالف أنه مأمور بالإشهاد، وإنما الخلاف في أنه شرط فيهما، أو في أحدهما، ويدل على أنه ليس بشرط في الرجعة قول الله تعالى: {وَبُعُولَتِهِنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِيْ ذَلِكَ}، من غير اشتراط الإشهاد(1)، وما تعلق به الفريقان من قوله سبحانه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}، لا يصح تعلق واحد منهما؛ لأنه وارد بعد ذكر الطلاق والرجعة، وليس تعلقه بأحدهما أولى من تعلقه بالآخر، ولا خلاف أنه غير متعلق بهما على الوجه الذي ذهبوا إليه، فبطل تعلقهم به، وصح أن المراد به الندب، فصح تعلقه على وجه الندب بالطلاق، والرجعة جميعاً.
ومما يدل على صحة ما نذهب إليه من ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر حين سأل عن طلاق ابنه في الحيض: <مره فليراجعها حتى تطهر، ثم يطلقها>، ولم يشترط في واحد منهما الإشهاد، فدل ذلك على أن الإشهاد ليس بشرط فيهما، ولا خلاف أن الإشهاد ليس بشرط في العتق، فوجب أن يكون كذلك الطلاق.
والعلة أنه إزالة ملك، وفي الرجعة حكم لا يفتقر إلى الولي، فوجب ألا يكون الإشهاد شرطاً فيه، دليله سائر العقود من البيع والإجارة وغيرهما، أو يقال: إن الرجعة هي استباحة البضع من غير أن يكون عقد النكاح، فوجب أن لا يفتقر إلى الإشهاد، دليله شراء الأمة، ثم الأصول كلها تشهد لقياسنا؛ لأن شيئاً منها لم يغلظ بالحاجة إلى الولي، فلم يغلط بالحاجة إلى الشهود، فوجب أن تكون الرجعة كذلك.
مسألة [في الخلع وألفاظه]
__________
(1) في (أ): في الاشهاد.(56/7)