وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حلف ركانة حين طلق امرأته البتة، فدل ذلك على أن لليمين مدخلاً في الطلاق، وإذا ثبت ذلك في الطلاق، ثبت في النكاح، والرجعة، والولاء، والنسب؛ إذ لم يفرق أحد بين هذه الأشياء، ولا خلاف أنَّ من ادُّعى عليه مال، أو حق من شفعة، أو بيع، أو قصاص، لزمته اليمين، فكذلك النكاح وسائر ما اختلفنا فيه، والمعنى أنَّه حق لآدمي له /64/ مطالب معين(1)، أو لأنَّه فيما يقبل فيه شهادة النساء، فوجب أن تلزم فيه اليمين.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتموه ثانياً لايصح؛ لأن القصاص لا تقبل فيه شهادة النساء، ومع ذلك يجب فيه اليمين.
قيل له: لا يفسد القياس، لأنَّه إثبات الحكم بغير العلة التي ذكرناها، ومثل هذا لا يمنع.
فإن قيل: هذا في هذه الأمور مما لا يصح بذله من جهة الحكم بالنكول، والنكول بذل، فلا يصح أخذه بالنكول،وإذا لم يصح اخذه بالنكول، بان أنَّه لا تلزمه اليمين؛ لأن اليمين لو لزمت، لكانت لا تسقط رأساً، ولكان النكول يؤخذ به.
قيل له: قد علمنا أن لزوم اليمين للمدعى عليه آكد في الشريعة من الأخذ بالنكول، لأن لزوم(2) اليمين نص ومجمع عليه، والحكم بالنكول طريقه الإجتهاد، فعلى هذا كان الأولى على ماذهبتم إليه أن تلزموه اليمين، فإن اسقطتم الحق بالنكول، فلا وجه لإسقاط لزوم اليمين مع تأكده في الشرع بسقوط النكول الذي هو يعترض الإجتهاد.
فإن قيل: نحن وجدنا اليمين تسقط في مواضع بالإتفاق كمن يُدعى عليه شرب الخمر، أو الزنا ونحوهما، ولم نجد في أصولنا ـ النكول يسقط في شيء من المواضع مع لزوم اليمين، فكذلك قلنا: إن اليمين تسقط؛ إذ قد وجدنا ذلك في بعض الأصول، ولم نقل: إن حكم النكول يسقط مع لزوم اليمين، لأنا لم نجده في الأصول، فلما وجدنا حكم النكول في هذه المواضع ساقطاً، قلنا: إن اليمين لا تلزم فيها.
__________
(1) في (أ): متعين.
(2) في (أ): لزومه.(55/7)


قيل له: ما ادعيتم من أنكم لم تجدوا في الأصول سقوط حكم النكول مع لزوم اليمين أمراً استبددتم به دون المخالف لكم، فلا يصح احتجاجكم به، وإذا لم يصح الإحتجاج به، كان أكثر ما فيه أنَّه مستمر على أصولكم، فيعود الأمر إلى ما قلناه من أن إسقاط حكم النكول أولى من إسقاط لزوم اليمين للوجه الذي بيناه، على أنَّه لا خلاف بيينا وبين أبي حنيفة وأصحابه أن الذين يلزمهم الأيمان للقسامة لو نكلوا، لم يكن يجب الحكم بنكولهم فقد أريناهم في أصل اتفقنا نحن وهم عليه أن حكم النكول يسقط مع لزوم حكم اليمين.
فإن قيل: هذه الأشياء لما لم يصح فيها البذل، أشبهت الحدود في أن لا يمين فيها.
قيل له: هذا ينتقض بالقصاص، لأن القصاص لا يجوز به البذل، ومع هذا فقد أوجبتم فيه اليمين.
فإن قيل: فهو مما يصح فيه البذل، لأن رجلاً لو قال لآخر: اقتلني، فقتله لم يكن عليه قصاص.
قيل له: هذا الذي ذكرتموه فاسد من وجهين:
أحدهما ـ أنكم وإن لم توجبوا عليه فيه القصاص، فقد أوجبتم فيه الدية، و إن قلتم: إنها استحسان.
والثاني ـ انكم لما فرقتم بين النكول والإقرار فجعلتم النكول بذلاً، وامتنعتم أن يكون الإقرار بذلاً، قلتم: إن الإنسان مخير بين أن ينكل وبين أن يحلف، وليس هو مخير بين أن يقر، وبين أن لا يقر، لأن /65/ الإقرار إن كان الحق عليه ثابتاً، وجب أن لا يجوز الإمتناع منه، وإن لم يكن الحق عليه، كان كذباً لا يجوز الإتيان به، وهذا بعينه موجود في بذل القتل، لأن الإنسان إن كان دمه محظوراً، لم يكن له أن يبذل قتل نفسه، وكان ذلك أعظم من أن يقر، ولا حق عليه، وإن كان دمه مستحقاً، لم يكن له أن يمتنع منه، فبان أن حكمه حكم الإقرار الذي امتنعتم من القول بأنه بذل أشبه، فإذا ثبت ذلك، ثبت انتقاض تعليلكم لإسقاط اليمين في النكاح، فإنه لا يصح بذله، وصح ما قلناه.(55/8)


ومما يؤكد ما قلناه، ويدل عليه، أنا وجدنا كل حق إذا ثبت بإقراره، لم يكن لرجوعه عنه حكم يلزم فيه اليمين إذا أنكر، وكل موضع يكون لرجوعه عنه حكم لم يلزمه اليمين.
ووجدنا النكاح والطلاق وما أشبههما من هذه الأمور التي اختلفنا فيها إذا ثبتت بإقرار المقر، لم يكن لرجوعه عنه حكم، فوجب أن يلزم فيه اليمين، أو يقال: إن النكاح عقد معاوضة، فوجب أن يكون حكمه حكم البيع في وجوب اليمين فيه، على ان قولهم: إن النكول بذل نفسه، لأنَّه لو كان كذلك، لم يصح من المريض إلاَّ الثلث، ويفسد ما قالوه من أنا لو أوجبنا عليه اليمين، ثُمَّ لم نحكم عليه بالنكول، لأدى ذلك إلى إسقاط وجوب اليمين بالإمتناع منه، وذلك أنَّه يمكن أن يقال: إذا لم يحلف، حبس، كما قلنا نحن وهم في القسامة.
مسألة [في المرأة تدعي على زوجها الدخول]
قال: وإذا ادعت المرأة على زوجهالدخول بها، كانت عليها البينة، وعلى الزوج اليمين.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
ووجهه ما مضى في المسألة التي قبلها، فلا غرض في إعادته.
__________
(1) لم أعثر عليه في الأحكام في خطابه وهو في المنتخب 130.(55/9)


كتاب الطلاق
باب القول في صفة الطلاق وتنوعه
[مسألة في طلاق السُّنَّة]
إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته طلاق السنة، طلقها في طهرها من غير جماع. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب) (2)، وهو مما لا خلاف فيه.
والأصل فيه: قول الله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءِ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}، ثُمَّ ورد فيه: ما أخبرنا به أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا أبو بكرة، وإبراهيم بن مرزوق، قالا: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، قال: سمعت عبدالرحمن بن أيمن، يسأل ابن عمر، عن الرجل يطلق امرأته، وهي حائض، فقال: فعل ذلك عبدالله بن عمر، فسأل عن ذلك عمرُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: <مره فليرتجعها حتى تطهر، ثُمَّ ليطلقها، ثُمَّ قرأ {إذا طلقتم النساء فطلقوهن} في قبل عدتهن>(3).
وأخبرنا المقري، حدثنا الطحاوي، أخبرنا ابن أبي داود، حدثنا عبدالله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، حدثني سالم بن عبدالله، أن عبدالله بن عمر أخبره أنَّه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: <مره فليرتجعها، ثُمَّ يمسكها حتى تطهر، ثُمَّ تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها طاهراً قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمر الله تعالى>(4).
__________
(1) انظر الأحكام 1/418، 453.
(2) انظر المنتخب 141.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/51 وفيه: ثم قرأ {فطلقوهن لعدتهن} أي في قبل عدتهن.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/53 وفيه: فإن بدا له أن يطلقها فليطقها ظاهراً.(56/1)


وحدثنا(1) أبو الحسين البروجردي، حدثنا محمد بن عمر الدينوري، حدثنا أبي، حدثنا المصار بن جارود، عن هشيم(2)، عن أبي بشر جعفر بن إياس السكوني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: طلقت امرأتي وهي حائض فردها إليَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى طلقتها وهي طاهر.
وكل الأخبار دلت على ما قلناه، وأنه المراد بالآية.
مسألة [في الطلاق البدعي وحكمه]
قال: فإن طلقها في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، وقع الطلاق، وخالف(3) السنة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (4).
أما كونه مخالفاً للسنة، فلا خلاف فيه، وقد مضى من الخبر والآية ما يدل على ذلك، والأخبار فيه أكثر من أن تعد، وأما وقوع الطلاق فيه، فهو قول أكثر العلماء إلاَّ ما ذهبت إليه الإمامية، ورووه عن جعفر عليه السلام أن الطلاق لا يقع في الحيض، وهو الأظهر من قول الناصر عليه السلام.
والدليل على أن الطلاق يقع في الحيض قول الله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ}، وقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}.
فبين أحكام الطلاق، ولم يستثن حالاً من حال، فأوجب ذلك وقوع الطلاق في جميع الأحوال.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ /128/ لِعِدَّتِهِنَّ} فدل ذلك على أن الطلاق لغير العدة لا يقع.
__________
(1) في (أ): أخبرنا.
(2) في (أ): هشام.
(3) في (أ): وقد خالف.
(4) انظر الأحكام 1/444.(56/2)

125 / 142
ع
En
A+
A-