قيل له: لا يمتنع ذلك من أن يكون النكاح وقع سراً(1) وعلى وجه منهي عنه، وهذا يوجب فساده، ألا ترى أن مسلماً لو تزوج مشركة ثُمَّ أسلمت بعد ذلك، لم يخرج بإسلامها النكاح من أن يكون وقع حين وقع على وجه الفساد، فكذلك ما اختلفنا فيه.
فإن قيل: فأنتم تجوزون النكاح الموقوف، فما أنكرتم أن يكون العقد موقوفاً على الإشادة؟
قيل له: يجوز نكاح الموقوف إذا لم يكن وقع على وجه الفساد، ألا ترى أنا لا نقف النكاح لو عقدته المرأة على رضى الولي وإجازته، وكذلك لا نوقف نكاح المشركة على إسلامها، فكذلك النكاح بغير شهود، على أن ما ذهبنا إليه مروي عن علي عليه السلام ـ على ما بيناه في حديث زيد بن علي عليه السلام ـ وقد روي أيضاً عن ابن عباس، ولا مخالف لهما.
ولا خلاف بين الفقهاء أن النكاح لا يجوز إلاَّ بأمر يضامه من إعلان، أو إشهاد، وأنه مخالف لسائر العقود.
والإشهاد أولى أن يكون شرطاً فيه لوجوه: منها النصوص الورادة فيه، ومنها: أن الإعلان لا يتم إلاَّ بالإشهاد(2) على ما بيناه. ومنها: أن الإشهاد له مدخل في الأحكام، في صحتها وفسادها، ولا مدخل للإعلان فيها، فثبت بما بيناه أن الإشهاد يجب أن يكون شرطاً فيه.
فأما ما ذهبنا إليه من أنَّه يجوز شهادة رجل وامرأتين، فهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وقال الشافعي لا بد من شهادة رجلين.
والدلي على صحة ما ذهبنا إليه حديث محمد وزيد ابني علي بن الحسين عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا نكاح إلاَّ بولي وشهود>.
وروي عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا نكاح إلاَّ بولي وشهود>.
وذلك يتناول الرجل والمرأتين؛ لأن اسم الشهود يتناولهم جميعاً.
وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: <لا نكاح إلاَّ بولي وشاهدين>، يقتضي صحة النكاح برجل واحد وامرأة واحدة، والثانية مضمومة إليها بالإجماع.
__________
(1) في (أ): سراً على.
(2) في (أ): بأشهاد.(55/2)
وقد استدل على ذلك بأن الرجل والمرأتين في الشرع شاهدان بقول الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيْدِيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ}، وعلى هذا يجب صحة النكاح برجل واحد وامرأتين بصحة إطلاق اسم الشاهدين عليه.
ويدل على ذلك أنَّه عقد معاوضة، فوجب أن يثبت بشهادة رجل وامرأتين، دليله البيع والإجارة، أو يقال: إنَّه حق لا تسقطه الشبهة، فوجب أن يثبت بشهادة رجل وامرأتين، دليله سائر الحقوق من النسب والولاء والعتاق وغيرها، أو يقال هو مما يثبت بالشهاة على الشهادة، فأشبه سائر الحقوق، واعتبارنا أولى من /62/ اعتبارهم، وقياسهم عقد النكاح على الحدود والقصاص، لأن الحدود والقصاص جارية مجرى العقوبات، وتعلقها بالجنايات والمآثم، والنكاح بسائر الحقوق والعقود أشبه، لأنَّه عقد يحصل(1) على طريق المراضاة.
فصل [في من تجوز شهاته في النكاح]
قال: ومن جازت شهادته في سائر الحقوق جازت في النكاح نحو العبد، والولد، والوالدين، وغيرهم.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2).
وهذه الجملة مما لا أحفظ فيها خلافاً ـ أعني أن من تقبل شهادته يصح به عقد النكاح ـ وإنما الخلاف في العبد هل هو من أهل الشهادة أم لا؟.
وقول أكثر العلماء في الولد والوالدين أن النكاح ينعقد بشهادتهم.
ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا نكاح إلاَّ بولي وشهود ـ وإلا بولي وشاهدين> فلم يستثن عبداً من حر، ولا قريباً من أجنبي، والعبد عندنا من أهل الشهادة، وكذلك الولد تقبل شهادته لأبويه، والأبوان تقبل شهادتهما لولدهما، وهذا مما يستقصي الكلام فيه في كتاب الشهادات، فإذا ثبت ذلك، وجب أن يثبت النكاح بشهادتهم، كما ثبت في(3) سائر الحقوق.
فصل [في اشتراط عدالة الشهود]
__________
(1) في (ب): تحصيل.
(2) انظر الأحكام 1/374.
(3) في (أ): ثبت سائر.(55/3)
نص يحيى صلوات الله عليه على أن النكاح لا بد في انعقاده من عدالة الشهود(1)، وهو قول الشافعي، قال أبو حنيفة: يجوز النكاح بشهادة الفاسق.
والدليل على ذلك ما قدمناه من حديث قتادة عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا نكاح إلاَّ بولي وشاهدي عدل>.
ويدل على ذلك حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <البغايا اللاتي يزوجن أنفسهن بغير بينة>، والبينة إذا أطلقت اقتضت الشهود العدول؛ لأنها اسم لما يبين الشيء من جهته، والفاسق لا يبين(2) الشيء من جهته بشهادته، فاقتضى ما ذكرناه من الحديث أن تكون العدالة شرطاً في الشهود الذين ينعقد بهم النكاح.
وأيضاً لاخلاف أن النكاح لا يثبت مع التجاحد بشهادة الفاسق، فوجب أن لا يثبت حين الانعقاد بشهادته بعلة أنَّه عقد نكاح، ولا خلاف أن النساء إذا انفردن لا يثبت بشهادتهن النكاح، فوجب ان لا يثبت بشهادة الفاسق؛ قياساً على شهادتهن منفردات، والمعنى أنَّه عقد معاوضة، ويقاس الفاسق على الكافر في أن النكاح لا ينعقد بشهادته بلا خلاف بين المسلمين، والعلة ماهو عليه من الفجور.
فإن قيل: لا معتبر بحال التحمل إذا كان من أهل الشهادة.
__________
(1) انظر الأحكام 1/346، 374.
(2) في (أ): يتبين.(55/4)
قيل له: لسنا نسلم ان الفاسق من أهل الشهادة، ولا خلاف أنه يجب الاعتبار بحال تحمل الشهادة في عقد النكاح، ألا ترى أن الصبي والكافر لا ينعقد بهما النكاح، وكذلك العبد عند مخالفينا، فوجب أن لاتجوز شهادة الفاسق، وأن يعتبر حاله عند انعقاد النكاح كما اعتبر حال غيره، ويشهد لنا قول /63/ الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}، وقوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}، فأوجب الكف عن امضاء شهادة الفاسق، ويعضد قياسنا جميع أصول الشرع، لأن كل موضع احتيج فيه إلى الشهادة،لم تجز فيه شهادة الفاسق، على أن شهادة الفاسق أسوأ حالاً من شهادة الكافر عندنا، وعند مخالفينا، لأنه لا خلاف بينه وبيننا في أن شهادته لا يحكم بها بتة، ويحكم عندنا وعندهم بشهادة أهل الذمة إذا شهدوا على أهل ملتهم، فأما تعلقهم بعموم قوله: <لا نكاح إلاَّ بولي وشاهدين>، فلا وجه له، لأن الزيادة في الخبر يجب أن تكون مقبولة، كيف وقد قالوا هم أن زيادة اللفظ أولى من زيادة المعنى؟ وفي خبرنا لفظ زائد وهو قوله: <وشاهدي عدل>، على أنا نخص خبرهم بخبرنا؛ لأنا نبني العام على الخاص.
مسألة [في الإقرار بالنكاح من الرجل والمرأة]
قال: ولو أن رجلاً وامرأة أقر كل واحد منهما أنَّه زوج صاحبته، وزوجة صاحبها، جاز إقرارهما، فإن أقرا بنكاح من غير شهود، كان النكاح باطلاً، وإن ادعيا غيبة الشهود، أو موتهم، جاز إقرارهما، فإن اتهم أمرهما، استباحث عن حالهما احتياطاً واستحباباً.(55/5)
نص في (الأحكام)(1) على أن إقرارهما بالنكاح جائز، فاقتضى ذلك أن ادعاءهما موت الشهود، أو غيبتهم لا يمنع من جواز إقرارهما، ولا يكون ذلك إلاَّ إذا لم يكن هناك ما يبطل إقرارهما، ودل كلامه في (المنتخب)(2) على باقي ما ذكرناه من أن إقرارهما بالنكاح جائز إذا لم يكن هناك ما يبطل الإقرار مما لا خلاف فيه، لأن كل واحد منهما أقر على نفسه بحق للغير، فوجب أن يلزمه، وثبت مثل سائر الحقوق إذا وقع الإقرار بها.
وقلنا: إنهما إذا أقرا بنكاح من غير شهود، كان النكاح باطلاً، لأنهما أقرا بأن النكاح الذي كان بينهما كان فاسداً، فوجب لذلك بطلانه.
فأما ادعاؤهما موت الشهود، أو غيبتهم، فلا يقدح في إقرارهما، فلذلك أجزنا إقرارهما، وقلنا: إن التهمة لو توجهت إليهما استبحث عن حالهما استحباباً للإحتياط، ولم نوجبه؛ إذ لا وجه له، لأن التهمة لا توجب إزالة ما أوجبه إقرارهما.
مسألة [في الرجل يدعي نكاح امرأة فتنكر أو العكس]
قال: ولو أن رجلاً ادعى نكاح امرأة، فأنكرت المرأة، كان على الرجل البينة، وعلى المرأة اليمين.
وكذلك إن ادعت المرأة النكاح، وأنكر الرجل.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3)، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يحلف المنكر للنكاح.
والأصل في ذلك: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <البينة على المدعي، واليمين على المنكر>، فاقتضى الظاهر أن كل مدعى عليه تلزمه اليمين، كما أن كل مدع تلزمه البينة، سواء كانت الدعوى في النكاح، أو في غيره.
__________
(1) انظر الأحكام 1/378.
(2) انظر المنتخب ص 131.
(3) انظر الأحكام 1/378.(55/6)