ووجهه: أنها لما مُلكت، كان بضعها محرماً عليه لحق الإستبراء، فلما أعتقها، حصل وجه آخر من التحريم الثاني الحاصل بالعتق، ولم يجب أن يرتفع بإرتفاعه التحريم الأول، دليله لو اشتراها وهي مُحرِمة، ثُمَّ تزوجها لم يحل له وطؤها في إحرامها، وإن ارتفع التحريم الحاصل، فبان بما بيناه أن ارتفاع أحد التحريمين لا يوجب إرتفاع التحريم الآخر.
فأما المسبية فلا خلاف في وجوب الإستبراء منها، وفيه ورد النص، وهو الأصل في وجوب الإستبراء في غير المسبيات.
مسألة [في الجمع بين وطء الأختين في الملك]
قال: ولو أن رجلاً كانت عنده مملوكة، فوطئها، لم يكن له ان يطأ أختها حتى يخرج الأولى عن ملكه ببيع، أو عتق، أو هبة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
أما تحريم الجمع بينهما، فهو قول أمير المؤمنين علي عليه السلام، وروى(2) ذلك زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، وغيره ـ أيضاً ـ قد رواه عنه، وبه قال العلماء أجمع، إلاَّ عثمان من الصحابة، وداود من المتأخرة.
والدليل على ذلك قول الله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}، وليس لهم أن يعترضوا ذلك بقول الله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِيْنَ}، لوجهين: ـ
أحدهما ـ أن الآية التي تعلقنا بها حاظرة والحظر أقوى من الإباحة، وبه احتج أمير المؤمنين عليه السلام، والثاني أن الآية التي احتججنا بها أخص بموضع الخلاف؛ لأن المقصد بها تحريم الجمع، وفيه وقع الخلاف، والمقصد بما تعلقوا به إباحة ملك اليمين على الجملة، فأما إذا أخرج الأولى عن ملكه بما ذكرناه، فلا خلاف أنَّه يحل له وطء الثانية، واختلفوا إذا زوَّج الأولى، وعندنا أنها لا تحل له.
__________
(1) انظر الأحكام 1/356.
(2) في (أ): روى.(54/19)
والدليل على ذلك: قول الله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}، وقد ثبت أن تحريم الجمع بينهما بالوطء مراد بالآية لما(1) بيناه آنفاً، فلا يصح الجمع /126/ بينهما بالوطء إلاَّ بأن يطأ أحدهما بعد الأخرى، فصارت الآية تقتضي تحريم وطء إحداهما بعد الأخرى على جميع الوجوه، فوجب القضاء به إلاَّ حيث يخصه الدليل.
ولما اجتمع الجميع على أنَّه إذا أخرج الأولى عن ملكه بما ذكرناه، حلت له الثانية، قلنا به، وبقَّينا حكمها على التحريم، وإن زوج الأولى، أو كاتبها؛ لإيجاب الظاهر ذلك، ولا خلاف أنَّه لو لم يزوج الأولى، وتركها على حالها أنَّه لا يجوز له وطء الثانية، فكذلك إذا زوَّجها، والعلة أن ملكه ثابت عليها باق، فكل من وطء ملك يمينه لم يحل له وطء أختها ما دام ملكه باقياً عليها، وأيضاً لا خلاف لو أنَّه أذن لها في الإحرام، فأحرمت، لم يجز له أن يطأ أختها، فكذلك إذا زوَّجها، والعلة أن تحريم الأولى يجوز أن يرتفع من غير تجدد ملك، أو عقد نكاح، يؤكد ذلك أن من تزوج حرة لم يحل له التزوج بأختها إلاَّ مع بطلان نكاح الأولى، فوجب أن لا يجوز له وطء الثانية من المملوكات إلاَّ مع بطلان ملكه للأولى؛ لأن كل واحد منهما سبب إباحة الوطء، ويستند قياسنا إلى الظاهر، ويقتضي الحظر، فهو أولى من قياسهم المتزوجة على المبيعة.
مسألة [فيمن طلق أمته ثلاثاً ثم ملكها]
قال: ولو أن رجلاً طلق أمة ثلاث تطليقات ثم ملكها لم يكن له أن يطأها حتى تنكح زوجاً غيره، وكذلك لو كان سيدها وطئها بعد تطليقه لها ثلاثاً لم تحل له. هذا منصوص عليه في (الأحكام) (2).
والأصل فيه قول الله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ}، إلى قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زُوجاً غَيْرَهُ}، ولم يخص في ذلك أمة من حرة.
__________
(1) في (أ): بما.
(2) انظر الأحكام 1/472 ـ 473.(54/20)
وقد علمنا أن السيد ليس بزوج، ولا يطأ بالزوجية، فوجب أن تكون محرمة على من طلقها ثلاثاً، وإن وطئها سيدها، مالم تنكح زوجاً غيره.
ولا خلاف أنها لو وطئت بشبهة، أو زنى، لم تحل للزوج الأول، والعلة فيه أنَّه وطء وقع في غير نكاح صحيح، فكذلك الأمة، والعلة أنه(1) وطء مطلقة ثلاثاً، يؤكد ذلك أنَّه لا اعتبار بوجود الوطء، ألا ترى أنَّه لو وطئها، وهما مُحرِمان، أو أحدهما، أو كانت حائضاً، جاز لها الرجوع إلى الأول، فبان أن الإعتبار بما ذكرنا [أولاً] (2) من حصول الوطء في نكاح صحيح، دون أن يكون الوطء حراماً أو حلالاً.
فأما إذا طلقها ثلاثاً، ولم يكن سيدها وطئها، فتحريم وطئها بأن يملكها أظهر وأوضح؛ لقول الله سبحانه وتعالى: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} وهي لم يطأها واطئ بملك، ولا نكاح، فوجب أن لا يحل له وطؤها بالملك على وجه من الوجوه، مالم تنكح زوجاً غيره، على ما مضى الكلام آنفاً(3).
مسألة [في تفريق ذوي الأرحام في السبي]
قال: ولا يجوز في السبي أن يفرق بين الولد والوالدة، قال القاسم عليه السلام: إلا أن يكون الولد كبيراً جاز التفريق، قال: ولا يجوز التفريق ما دام صغيراً.
ما ذكرناه أولاً منصوص عليه في (الأحكام) (4)، وما حكيناه عن القاسم عليه السلام منصوص عليه في (مسائل النيروسي)، ونص يحيى عليه السلام في (المنتخب) على أن من باع جارية ولها ولد صغير يرد(5) بيعها إن لم يبع ولدها معها، فكان تحصيل المذهب أن الجارية إذا كان لها ولد صغير، لم يجز بيع أحدهما دون صاحبه، وبه قال الشافعي.
__________
(1) في (ب): أنها.
(2) سقط من (أ).
(3) في (أ): أيضاً.
(4) انظر الأحكام 2/52 ـ 53.
(5) في (أ): لم يبع معها يرد بيعها إن لم يبع ولدها معها.(54/21)
والأصل فيه حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: قدم زيد بن حارثة بسبي، فتصفح رسول الله صلى الله عليه وآله /127/ وسلم الرقيق، فنظر إلى رجل منهم وامرأة كئيبين حزينين [من] (1) بين الرقيق، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: <مالي أرى هذين كئيبين [حزينين] (2)؟>، فقال زيد: يا رسول الله احتجنا إلى نفقة على الرقيق فبعنا ولداً لهما، فأنفقنا عليهم بثمنه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: <ارجع حتى تسترده من حيث بعته، فرده على أبويه>، وأمر مناديه فنادى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمركم أن لا تفرقوا بين ذوي الأرحام من الرقيق>، فدل ذلك على ما ذهبنا إليه من أنَّه لا يصح بيع أحدهما دون صاحبه، ولا يصح تعلقهم بقول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ}؛ لأن خبرنا يخصه، ولا يصح لهم قياس أيضاً؛ لأنَّه مدفوع بالنص الذي ذكرنا.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) سقط من (ب).(54/22)
باب القول في شهادة النكاح
[مسألة: في نصاب شهادة النكاح]
لا ينعقد النكاح إلاَّ بشهادة رجلين فما فوقهما، أو رجل وامرأتين.
نص في (الأحكام)(1) و(المنتخب) (2) على أن النكاح لا يكون إلاَّ بشاهدين، ودل كلامه في غير موضع من (الأحكام) (3) على أنَّه يجوز بشهادة رجل وامرأتين.
ما ذهبنا إليه من القول بأنه لا ينعقد النكاح بغير شهود، هو قول أبي حنيفة، والشافعي، وعامة الفقهاء، وهو قول القاسم.
قال مالك، وأبو ثور، و داود: ويجوز النكاح بغير الشهود.
والدليل على ما ذهبنا إليه ما قدمناه من الأحاديث منها: حديث الحسن، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول(4) الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا نكاح إلاَّ بولي، وشاهدي عدل>.
وحديث محمد وزيد ابني علي عليهم السلام، قالا: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا نكاح إلاَّ بولي وشهود>.
وحديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا يجوز نكاح إلاَّ بولي وشاهدين>، وقد مضت أسانيد هذه الأحاديث، والأخبار في هذا كثيرة بألفاظ مختلفة.
وروى أبو بكر الجصاص بإسناده عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: <البغايا اللاتي يُنكحن أنفسهن بغير بينة>.
وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: ((لا /61/ نكاح إلاَّ بولي وشاهدين)).
وروي <أعلنوا النكاح>، <وأشيدوا النكاح>، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن نكاح السر.
وكل ذلك يوجب الإشهاد؛ لأنه ما لم يحضر قوم لا يكون إعلاناً وإشادة، ويكون سراً.
فإن قيل: يعلن من بعد ويشاد.
__________
(1) انظر الأحكام 1/345، 352.
(2) انظر المنتخب 125.
(3) انظر الأحكام 1/377، قال: ولا يصح بشهادة نساء لرجل معهن، وكذلك انظر الأحكام 2/455.
(4) في (أ): النبي.(55/1)