قيل له: لا خلاف بين المسلمين أن أحدهما لو ادعى الولد دون صاحبه، كان الولد له، وكانت الأمة فراشاً له، فإذا ادعاه الآخر، وجب أن تكون الأمة فراشاً لهما بمشاركته صاحبه في جميع ما أوجب كونها فراشاً له، فإذا ثبت ذلك، ثبت أنها فراش لهما جميعاً، ووجب إلحاق الولد بهما، وورد في ذلك: ما أخبرنا به أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا روح بن الفرج، حدثنا يوسف بن عدي، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك مولى لبني مخزوم، قال وقع رجلان على جارية في طهر واحد، فعلقت الجارية فلم يدر من أيهما، فأتيا عمر يختصمان في الولد فقال عمر: ما أدري كيف أحكم، فأتيا علياً عليه السلام، فقال: هو بينكما يرثكما وترثانه، وهو للباقي منكما.
وأخبرنا أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن مرزوق، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن ثوبة العنبري، عن الشعبي، عن ابن عمر ـ أن رجلين اشتركا في طهر امرأة فولدت، فدعا عمر له القافة، فقالوا: أخذ الشبه منهما جميعاً، فجعله بينهما.
وأخبرنا المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن مرزوق، حدثنا وهب، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن ابن المسيب، عن عمر نحوه قال سعيد: ميراثه لآخرهما موتاً.
فلما ثبت ذلك عن علي عليه السلام، وعن عمر، ولم يرو خلافه، جرى مجرى الإجماع من الصحابة، ويدل على ذلك أنا وجدناهما قد استويا في السبب الموجب للنسب، واستحقاق الإرث، دليله الإبنان لما اشتركا في السبب الموجب للنسب، واستحقاق الإرث، ثبت بينهما وبينه النسب، واستحقاق الإرث.(54/4)


وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رجلين تنازعا بعيراً، فأقاما عليه البينة، فقضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم به بينهما نصفين، لما تساويا في السبب الموجب للإستحقاق، وهو البينة مع الدعوى، والأصول كلها تشهد لقياسنا؛ لأن كل رجلين /119/ اشتركا في السبب الموجَب من غير مزية، اشتركا في الموجب للسبب، كالشريكين في الربح، والشريكين في الشفعة، والشريكين في اليد، وغير ذلك، على أنَّه لا قول في هذه المسألة إلاَّ ما قلناه، والقول بالقافة، وقد دلت الدلالة على بطلان القول بالقافة، فوجب أن يثبت صحة ما قلناه.
فإن قيل: فلم(1) أبطلتم القول بالقافة؟
قيل له: لأنَّه حكم لم يقتضه العقل والشرع، فوجب أن يكون باطلاً.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال: إن الشرع قد ورد به، وذلك ما رواه الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: دخل مجزز المدلجي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرأى أسامة وزيداً وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسروراً يبرق أسارير وجهه، فبان ذلك أن قول القافة توجب ضرباً من العلم، لولا ذلك لما كان لسرور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معنى، ولا يجوز أن يرى باطلاً ولا ينكر.
__________
(1) في (أ): غير.(54/5)


قيل له: أما سرور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يدل على أنَّه جعل قول مجزز محكوماً به على وجه من الوجوه، كيف وقد كانت بنوة أسامة بن زيد قد ثبتت قبل ذلك، فإذا كان هذا هكذا، فلا حجة للقوم فيه، ولا يلزمنا أن نعرف السبب الذي له سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على أنَّه يحتمل أن يكون سروره لما وافق ظن مجزز الصواب، والإنسان قد يتعجب من مثله، ويتبسم حتى يظهر أثر السرور على وجهه، على أنَّه لا يمتنع أن يكون سرور النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمر سواه صادف تلك الحال، على أنَّه قد روي أن المنافقين كانوا يطعنون في نسب أسامة؛ لأن أسامة كان أسود، وكان زيد أبيض، وكانوا يعتبرون صحة ما يقوله القافة، فيجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع تكذيب المنافقين من الجهة التي يعتقدون صحتها، فسر به.
فأما قوله: لا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرى(1) باطلاً فلا ينكره، فهو كذلك، إلاَّ أن قول مجزز: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، لم يكن باطلاً، بل كان حقاً، فلم ينكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما المنكر عندنا هو الحكم بقوله: فلا تعلق لهم بهذا الخبر على وجه من الوجوه.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِياً}، فقد ثبت أنَّه لم يكن للعرب حكم اختصوا به غير حكم القافة، فثبت أنَّه هو المنزل.
قيل له: ليس في الآية ما يدل على ما ذهبتم إليه، لأنَّه قد قيل: إن الكتابة كانت مما تختص به العرب، فيجوز أن يكون(2) هو المراد، [ويجوز أن يكون المراد] (3) بالحكم البيان، فكأنه سبحانه وتعالى قال: بياناً عربياً.
فإن قيل: فقد روي عن عمر أنَّه رجع إلى القافة.
__________
(1) في (أ): رأى.
(2) في (أ): يكون المراد.
(3) سقط من (أ).(54/6)


قيل له: الأخبار في ذلك قد اختلفت، فقد روي أنَّه رجع إليه، ثُمَّ ألحق بأبوين له، وهذا خلاف مذهب القائلين بالقافة، بل هو الذي نذهب إليه، فأحتمل(1) أن يكون رجوعه إليه ليعلم أهل القافة بعد على باطلهم، أو تركوه، وقد روي في بعض الأخبار أنَّه ضربه حتى أوجعه.
وروي أنَّه قال في بعض الأخبار: لا أدري ما أقضي فيه، حتى حكم فيه [علي] (2) عليه السلام بإلحاقه بالمدعيين له، على ما أثبتناه بإسناده، فلما حصل مما(3) روي عنه هذه الإختلافات، لم يصح لهم التعلق به، وأما أن يحمل على موافقة قول علي عليه السلام، وأما أن يسقط، فينفرد قول علي عليه السلام، وروي نحوه [عن] (4) شريح.
فإن قيل: قد ثبت(5) أن العرب /120/ كانت تحكم بالقافة كما كانت تجعل الظهار والإيلاء طلاقاً حتى نسخ الله ذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فلو كان حكم القافة منسوخاً، لبين الله تعالى نسخه، فإذا لم يثبت ذلك، فهو باق على ما كان عليه.
قيل له: الحكم الذي من شأنه أن يثبت بالشرع، متى لم يرد به شرع، كان باطلاً، وإن لم يرد شرع ببطلانه ونسخه، وإنما يفتقر إلى ورود النسخ فيه إذا كان مما قد ثبت وروده شرعاً، فأما إذا لم يثبت ورود شرع فيه أصلاً، فهو كاف في بيان فساده، فإن ورد شرع في بيان فساده، كان ذلك مؤكداً لفساده، ولم يكن نسخاً، فإذا ثبتت هذه الجملة، فرجوع العرب إلى حكم القافة لا يوجب صحته، فكيف يحوج إلى نسخه؟ وهذا سؤال من لا يعرف طريقة النسخ وأحكامه، وقد نبه الله تعالى على ما ذكرناه بقوله تعالى: {أَفَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ..} الآية فذم ابتغاء حكم الجاهلية.
__________
(1) في (أ): فاحتمل ذلك.
(2) سقط من (أ).
(3) في (أ): فيما.
(4) سقط من (ب).
(5) في (ب): أثبت.(54/7)


ومما يؤكد ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينتظر بهلال بن أمية وزوجته حتى تلد، ولم يراع فيه الشبه، ولاعن بينهما، فدل ذلك على أن لا حكم للشبه، ولا خلاف أن القافة لو نسبوه إلى غير المدعيين، لم يثبت قولهم، فصار ذلك أيضاً موضحاً لما قلناه.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون قول القافة مرجحاً للدعوى، والفراش كاليد، كانت مرجحة للبينة.
قيل له: هذا يثبت في اليد، لما ثبَّت تعلق الحكم بحصولها على بعض الوجوه، فأما قول القافة، فلم يثبت تعلق شيء من الأحكام عندنا به، فبطل قول من رام أن يجعله تأكيداً أو ترجيحاً، ومما يدل على بطلان القول لمن ادعى الشبه في الحكم: ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتاه رجل فقال: إن امرأتى ولدت غلاماً أسود، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل لك من إبل؟ فقال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر. قال فهل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فمن أين جاءه ذلك؟ قال: لعل عرقاً نزعه. قال: فلعل هذا نزعه عرق، فأبطل صلى الله عليه وآله وسلم حكم الشبه في باب النسب، على أن وجوب اللعان بين الزوجين إذا نفى الزوج الولد يدل على أن لامعتبر بقول القافة؛ لأنَّه لو كان بقولهم معتبر، لرجع إليه، ولم يرجع إلى اللعان.
مسألة [في الشريكين أحدهما أرفع رتبة على ولد أمتهما]
قال أيده الله تعالى: هذا إذا كانا حرين مسلمين، فإن كان أحدهما ذمياً، أو عبداً، والآخر مسلماً حراً، وادعاه كل واحد منهما، كان الولد للحر دون العبد، وللمسلم دون الذمي، ويعزران جميعاً. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1).
__________
(1) انظر الأحكام 1/408.(54/8)

120 / 142
ع
En
A+
A-