وروي عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <إذا دعي أحدكم إلى الوليمة، فليأتها، فإن كان مفطراً، فليطعم، وإن كان صائماً، فليدع>.
مسألة [في خطبة المسلم على خطبة أخيه]
قال: ولا يجوز أن يخطب الرجل على خطبة أخيه بعد المراضاة، فأما قبلها، فلا بأس به.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، ومروي فيه عن القاسم عليه السلام.
والأصل فيه: ما أخبرنا به أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا إبراهيم بن أبي داود، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيدالله بن عمر، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه>(2).
__________
(1) انظر الأحكام 1/267 ، 268.
(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/3.(53/56)


وأخبرنا المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا عبيد بن بكير، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه قال: <لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه>(1)، فكان ذلك دالاً على أنَّه لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه على وجه من الوجوه. ثُمَّ روي ما دل على أن المراد به بعد المراضاة، وذلك: لما أخبرنا به أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أن مالكاً أخبرهُ عن عبدالله بن يزيد ـ مولى الأسود بن سفيان ـ عن أبي سلمة، عن عبدالرحمن بن عوف، عن فاطمة بنت قيس، قالت: لما حللت، أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم، خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ولكن انكحي أسامة بن زيد>. قالت: فكرهته، ثُمَّ قال: <أنكحي أسامة>(2). فنكحته، فجعل الله تعالى فيه خيراً واغتبطت به، فلما خطبها صلى الله عليه وآله وسلم بعد خطبة معاوية و أبي جهم، علم أن المكروه من ذلك أن يخطب الرجل على خطبة أخيه بعد المراضاة بينها، وبين الخاطب الأول، فأما قبلها، فغير مكروه.
وروى أبو جعفر بإسناد تركت ذكره للتخفيف عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم باع قدحاً، وحلساً، فيمن يزيد، فكان ذلك أيضاً دالاً على ما قلناه من أن المكروه من السوم والخطبة ما يكون بعد تراضي المتساومين والمتخاطبين(3).
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/4 وفيه: حدثنا علي بن معبد، حدثنا عدالله بن بكير.
(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/5 وفيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/6.(53/57)


باب القول في الإماء
[مسألة في وطء الأمة المشتركة]
قال: إذا اشترك الرجلان في أمة، لم يكن لواحد منهما وطؤها، فإن وطئها أحدهما، كان لصاحبه عليه نصف /117/ عقرها، ولا حد عليه.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).
لا خلاف فيما قلناه من أن الرجل إذا كان بينه وبين آخر أمة لم يكن لواحد منهما وطؤها، لأن وطأه يقع في ملك غيره، وملكه، ولا يجوز وطء ملك الغير لملكه بعضه؛ لأنَّه جار مجرى اجتماع وجه الحظر، ووجه الإباحة في الشيء، في وجوب حظره.
وقلنا: إن أحدهما إن وطئها كان عليه لصاحبه نصف عقرها، ولا حد عليه؛ لأن الشبهة الحاصلة في الوطء بملكه بعض الموطوءة أوجب درأ الحد عنه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <ادرؤا الحدود بالشبهات>، وإذا سقط الحد، وجب العقر؛ لإيجاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم المهر في النكاح الفاسد بقوله: <وإن وطأها، فلها المهر بما استحل من فرجها>، فوجب نصف العقر، لأن صاحبها ملك منها نصفها.
مسألة [في الأمة المشتركة تلد]
قال: فإن أولدها، ضمن له نصف قيمة الأمة يوم حملت، ونصف قيمة الولد يوم يولد، فإن كان شريك هذا الواطئ أخاه، ضمن له نصف قيمة الأمة، ونصف عقرها، ويسقط نصف قيمة الولد،
وكذا القول لو كان شريكه أباه، أوجده، أو ابنه، وكذا الأمة تكون بين الشركاء. ما ذكرناه من وجوب الضمان على الوجه الذي ذكرناه وسقوطه حيث ذكرنا سقوطه منصوص عليه في (الأحكام) (2).
وقلنا: إن الأب، والجد، والإبن، فيه كالأخ؛ إذ اقتضى ذلك قوله في (الأحكام)، وكذلك التسوية بين الشركاء والشريكين.
__________
(1) انظر الأحكام 1/397.
(2) انظر الأحكام 1/397.(54/1)


ووجه قولنا: إنَّه إن أولدها، ضمن لصاحبه نصف قيمة الأمة يوم حملت؛ لأنها لما حملت صار نصيب الشريك منها مستهلكاً بما كان من شريكه؛ لأنَّه لا يجوز للشريك بعد ذلك بيعها ولا هبتها، ولا سائر التصرف فيها فجرى ذلك مجرى الإستهلاكات من القتل وغيره، في أنَّه إذا وقع بفعل أحد الشريكي،ن لزمه نصف قيمتها لشريكه، واعتبرنا قيمتها يوم العلوق؛ لأنَّه وقت الإستهلاك كما نقول ذلك في سائر المستهلكات، وأوجب(1) نصف قيمة الولد يوم يولد كما أوجبنا على المغرور قيمة ولده لسيد الأمة، وذلك مما لاخلاف فيه؛ لأن كل واحد منهما وطئ في ملك الغير بغير أذنه على وجه الشبهة، فوجب أن يلزم قيمة الولد لسيد الأمة.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: إن الواطيء لما ضمن نصيب شريكه من الأمة، لم يجب أن يضمن الولد، لأن الولد يكون حاصلاً في ملكه.
قيل له: بنفس وجوب الضمان لا يملك المضمون حتى يضمنه برضاه، أو حكم الحاكم، يكشف ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم إليه حَمْل مشوي، امتنع من أكله، وسأل عنه، فعرف أنَّه أخذ لبعض الناس على أن يؤدوا إليه الثمن، فامتنع صلى الله عليه وآله وسلم من أكله، وأمر به، فأطعم الأسارى(2)، فدل ذلك على أن وجوب الضمان لا يوجب التمليك، وأيضاً لا خلاف أن الغاصب ضامن المغصوب، ومع ذلك فلا يحصل مالكاً له، وإذا ثبت ذلك لم يجب أن يسقط عنه ضمان نصف قيمة الولد.
فإن قيل: ألستم تقولون في الغاصب(3) للنواة والبيض، إذا زرع النوى، وحضن البيض، أنَّه يصير مالكاً لهما، وأنه ليس لمالكهما من قبل غير قيمتهما، فما أنكرتم أن يكون ذلك سبيل المستهلك للأمة بالإستيلاد؟
__________
(1) في (أ): أوجبنا.
(2) في (أ): الأسرى.
(3) في (أ): للغاصب.(54/2)


قيل له: لا نقول في الغاصب أنَّه /118/ يملك، وإن قلنا أنَّه ليس للمغتَصب منه إلاَّ قيمة ما غُصب حتى يؤدي القيمة برضاه، أو حكم الحاكم، فكذلك الأمة. وقلنا: إنَّه يضمن نصف قيمة الولد يوم ولد؛ لأنَّه الوقت الذي حصل والده مانعاً لسيد الأمة منه مع كونه في حكم الملك، فأشبه الغاصب في أنَّه يضمن المغصوب يوم يغصبه، لأنَّه الوقت الذي يحصل فيه المنع من الغاصب للمغصوب، وكذلك ما اختلفنا فيه، يؤكد ذلك أنَّه الوقت الذي ينفرد المولود فيه بحكم نفسه، فكان ذلك الوقت أولى أن يراعى فيه حكم قيمته. وقلنا: إن الشريك إن كان أخاه لم يضمن له نصف قيمته؛ لأن الدلالة قد دلت على أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه، على ما نبينه من بعد، فإذا ثبت ذلك، لم يجب أن يضمنه الواطيء؛ لأن الولد لما عتق على المالك للرحم التي بينهما، لم يحصل الوطء مانعاً له من حقه، فلم يلزمه ضمان قيمته.
وقلنا: إن حكم الشركاء فيه حكم الشريكين؛ لأن الحقوق الثابتة بالشركة لا تنفصل بين أن تكون للشريكين والشركاء.
مسألة [في تنازع الشريكين على ولد الأمة المشتركة]
قال: وإذا كانت الأمة بين الشريكين، فحبلت، وادعى الولد أحدهما، كان الولد للمدعي دون صاحبه، فإن ادعى كل واحد منهما، كان بينهما، يرثهما ويرثانه، وهو للباقي منهما.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وهو قول أبي حنيفة، قال الشافعي يعرض على القافة.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <الولد للفراش>، وقد علمنا أنها فراش لكل واحد منهما، فوجب أن يكون الولد لهما.
فإن قيل: فمن أين ادعيتم أنها فراش لكل واحد منهما؟
__________
(1) انظر الأحكام 1/408.(54/3)

119 / 142
ع
En
A+
A-