وقلنا: إن عدة الأمة مثل عدة الحرة، وحكى نحوه عن صاحب الظاهر لقول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوْءٍ} ولم يخص أمة من حرة، وقال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} ولم يخص أمة من حرة، فأوجب عموم هاتين الآيتين استواء حال الإماء والحرائر في العدة.
ويدل على ذلك: ما أخبرنا به أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى، أخبرنا أبو أحمد الأنماطي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم /99/ الصنعاني، أخبرنا عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب أن علياً عليه السلام قال في المطلقة (يحل لزوجها الرجعة عليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وتحل لها الصلاة)، وهذا يعم الحرة والأمة.
وقد بينا تأويل ما روي عنه عليه السلام من قوله: (وعدتها حيضتان)، فلا غرض في الإعادة.
فإن قيل: كيف يسوغ لكم ذلك التأويل ومن مذهبكم بناء العام على الخاص؟
قيل له: نحن نوجب ذلك إذا كان يؤدي إلى إسقاط الخاص، فأما إذا أمكن فيه التأويل، فلا يجب ذلك فيه.
ويدل القياس على ذلك، لأنها معتدة كالحرة، فوجب أن تكون عدتها كعدة الحرة، وسائر ما مضى من طريق الترجيح في النكاح والطلاق يتأتَّى في العدة فلا غرض في إعادته، ولأنها إذا كانت حبلى فعدتها عدة الحرائر بالإجماع، فكذلك إذا لم تكن حبلى، والعلة أنها معتدة.
مسألة [في الأمة المتزوجة إذا عتقت](53/21)
قال: وإذا كانت الأمة تحت الزوج، ثُمَّ أعتقت، كان لها الخيار إن شاءت فسخت نفسها، وإن شاءت أقامت معه، سواء كان الزوج عبداً أو حراً. وهذا منصوص عليه في (الأحكام)(1) و(المنتخب)(2)؛ ونص عليه القاسم عليه السلام في (مسائل النيروسي) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، قال الشافعي لها الخيار إن كان الزوج عبداً، وإن كان حراً، فلا خيار لها.
والأصل في ذلك: ما أخبرنا به أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا أبو بشر الرقى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان زوج بريرة حراً، فلما أعتقت خيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاختارت نفسها(3).
فإن قيل: فقد روي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان زوج بريرة عبداً، ولو كان حراً، لم يخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(4).
قيل له: أما كونه عبداً، فلا إشكال فيه، وإنما الخلاف(5) في حالة وقت عتق زوجته بريرة، وقد ثبت أن الحرية تطرأ على الرق، وأن الرق لا يطرأ على الحرية في دار الإسلام، فلما روي عنها أنَّه كان حراً، فلما أعتقت خيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وروي أنَّه كان عبداً، وجب أن يكون قولها كان عبداً إخباراً عن حالته التي كان عليها من قبل، وأنه كان حراً، في وقت عتق بريرة.
__________
(1) انظر الأحكام 1/399 ـ 400.
(2) انظر المنتخب 226.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/82.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/82.
(5) في (ب): الخلاف فيه.(53/22)
فأما ما روي ولو كان حراً لم يخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا دلالة على أنَّه لفظ عائشة، ويحتمل أن يكون ذلك لفظ عروة، أو هشام، عن [عايشة] (1) فمن دونهما فلا يحص التعويل عليه.
وعلى هذا التأويل يحمل ما روي عن ابن عباس(2) أنه كان عبداً، على أن من صحت عبوديته إذا أخبر مخبر أنه صار حراً فهو أولى من خبر من يخبر أنه عبد؛ لأن من أخبر بعبوديته أخبر بظاهر الحال، ومن أخبر بحريته، أخبر بأمر طارئ على العبودية، يكشف ذلك أن شهادتين لو وقعتا، على هذا الحد كانت شهادة الحرية أولى.
فإن قيل: روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قا لها بعد عتقها: <إن شئت تمكثين مع هذا العبد> فسماه عبداً بعد عتق بريرة.
قيل له: يحتمل أن يكون(3) النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم سماه عبداً بعد الحرية على معنى أنه كان عبداً، كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم لبلال حين أذن قبل طلوع /100/ الفجر: <عد، فنادِ إن العبد نام>، وكان بلال حراً في ذلك الوقت.
وكما روي عن علي عليه السلام، أنه قال لشريح: (ما تقول أيها العبد الأبظر) وشريح كان حراً، وإنما كان الرق جرى عليه في الجاهلية، فسماه بذلك.
__________
(1) في (أ) و (ب): عن ابن عباس. وخطأه في (أ)، ونبه على ما أثبتنا، وهو عن عائشة في هامش (ب) وهو الصواب، حيث هشام وعروة لم يرويا عن ابن عباس في هذا الحديث، وإنما رواه عنه عكرمة، انظر شرح معاني الآثار للطحاوي 3/82.
(2) في هامش (ب): عن عائشة، وفي (أ) و (ب) عن ابن عباس.
(3) في (أ): أنه كان.(53/23)
وعلى هذا يُتأول قول اللّه تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوالَهُمْ}، وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: <اليتيمة تستأمر>، على أنه لو لم يثبت أنه كان حراً، وثبت أنه كان عبداً، لم يكن له فيه حجة؛ لأن قضاء النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في شخص قضاء في الجميع، ولا يجب أن يميَّز فيه حر من عبد، أو عبد من حر، بل لا ينفصل المعنى فيه من أن يكون حراً أو عبداً في وجوب كون ذلك قضاء في الأحرار والعبيد، إلا أن تمنع الدلالة من ذلك، فبان أن الأمر لو كان على ما ذكر(1) لكان يجب أن يثبت الخيار لكل معتقة تحت زوج، حراً كان الزوج، أو عبداً، ويكشف ذلك ما روي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم سها فسجد، فثبت حكماً في كل من سها في الصلاة وحراً كان أو عبداً، وما روي أن ماعزاً زنى فرجُم، يجب أن يكون حكماً شاملاً للجميع، ولولا الدلالة كان يجب أن يستوي فيه حكم الحر والعبد.
فإن قيل: لو كان الأمر فيه يستوي بين أن يكون الزوج حراً أو عبداً، لم يكن لنقل أنه كان عبداً فائدة.
قيل له: لا يمتنع أن يكون الراوي يروي كثيراً من الأحوال، وإن لم يكن لها تأثير في الحكم، ألا ترى أنه روي أن بريرة أعتقت، وأن زوجها كان يسمى مغيثاً، ولا تأثير لكون المعتقة حرة مسماة بريرة، ولا لكون زوجها مغيثاً.
وروي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مر بشاة لميمونة وهي ميتة، ولا يتغير الحكم بين أن تكون لميمونة أو غيرها، ولا بين أن تكون الميتة شاة أو غير شاة، ونظائره أكثر من أن تعد.
وروي أن زنجيا وقع في بير زمزم، ولا فرق بين أن يكون الواقع زنجياً أو رومياً أو عربياً أو عجمياً، على أنه لا يمتنع أن يكون الراوي اعتقد أن يكون زوجها عبداً فيه تأثير، فروى ذلك لإعتقاده.
__________
(1) في (أ): ذكروا.(53/24)
فإن قيل: روي عن القاسم عن عائشة أنها قالت: كان عندي غلام لي، تحته جارية لي، فأردت أن أعتقها، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: <ابدأي بالرجل قبل المرأة>، وهذا يدل على أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أمرها بذلك؛ لئلا يكون للمرأة الخيار في فسخ النكاح؛ إذ لا وجه له غير ذلك، ولو كان لها الخيار إذا أعتقت تحت الحر، بطلت فائدة الخبر.
قيل له: وأي غرض للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في أن لا تحصل بتلك الصفة الخيار حتى يُحمل قوله على ذلك.
فإن قيل: لأنه لا فائدة فيه متى لم يحمل عليه.
قيل له: يحتمل أن تكون الفائدة في ذلك فضل الرجال على النساء، ولقول اللّه تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةً}، وكما روي في حديث القسامة أن حويصة ومحيصة لما قدماً(1) إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: <الكِبَر الكِبَر> فأراد تقديم الأكبر لِمَا جُعل للأكبر من الفضل على الصغير(2).
ومما يدل على ذلك أنها ملكت بضعها وهي تحت زوج، فوجب أن يحصل لها الخيار في فسخ النكاح، دليله لو كانت تحت عبد، وهذه علة قوية تترجح على ما يعارضها؛ /101/ لأنها علة منصوص عليها.
لما روي عن النبي(3) صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: <ملكتِ بضعك فاختاري>فجعل العلة الموجبة لخيارها(4) أنها ملكت بضعها من غير أن تملك هي ما قابله من المهر، وهذه العلة موجودة إذا كانت تحت حر، فوجب أن يحصل لها الخيار، ويقوي قياسنا أنا نراعي الأمر المتجدد، وهو العتق، وبه تعلق الحكم، وهو المجاور للحكم، فوجب أن يكون تعلق الحكم به أولى؛ لأنه يفيد شرعاً.
فإن قيل: العلة فيها أن العبد ليس بكفؤ.
__________
(1) في (أ): تقدما.
(2) في (أ): الأصغر.
(3) في (أ): أن النبي.
(4) في (أ): لاختيارها.(53/25)