وأخبرنا عبدالرحمن بن محمد الأبهري، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي الصدفي، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد، سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن عمر، قال: أيما امرأة تزوجت، وبها جنون، أو جذام، أو برص، فدخل بها زوجها، ثُمَّ اطلَّع على ذلك بعد ما مسها، فيريد الخصومة فيها، أن لها صداقاً بمسيسه إياها، وإن ذلك على وليها.
فلما ثبت ذلك عن علي عليه السلام، وعمر، ولم يرو خلافه عن غيرهما، جرى مجرى الإجماع، على أن الخلاف في الصدر الأول كان على وجهين، كان(1) منهم من لا يوجب رد النكاح بالعيب، ومنهم من يوجب رده بالعيب، ويوجب للزوج الرجوع بالمهر على من غره إذا استحق عليه بالوطء، ولم يكن فيهم من يوجب الرد، ولا يوجب الرجوع بالمهر على الغارَّ، فإذا ثبت [هذا] (2) بما بيناه من وجوب(3) الرد، ثبت وجوب الرجوع بالمهر على الغار؛ إذ لا فصل بينهما.
ومما يدل على ذلك أنَّه استحق بالمهر استدامة الإستماع علىالصحة، فلما تعذر ذلك، ولزمه المهر، صار ذلك في حكم التالف، فوجب أن يضمنه الغارّ، دليله لو أتلف عليه غير ذلك من ماله، ولا خلاف أن المغرور بالأمة يرجع على من غره بقيمة الأولاد، إذا لزمته، فوجب أن يرجع بالمهر على من غره، والمعنى أنَّه مال وجب بسبب نكاح فيه تدليس، فوجب أن يلزم الغار بالمنكوحة.
فإن قيل: لا يجوز للزوج أن يستحقه على الغار؛ لأنه قد استوفى ما في مقابلته وهو الإستمتاع.
قيل له: قد بيَّنا أن الذي يستحقه هو استدامة الإستمتاع على /97/ الصحة، وذلك مما لم يسلم له، فلا يصح قولكم أنَّه قد استوفى ما هو في مقابلة المهر، على أن المغرور قد حصل له الأولاد، ولم يمنع ذلك من الرجوع بقيمتهم على الغار.
فإن قيل: متى جعلنا للزوج الرجوع بالمهر على الولي، حصل له الوطء من غير مهر.
__________
(1) في (أ): لأن.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ب): ثبوت.(53/16)
قيل له: لا يلزم ذلك؛ لأنَّه قد استحقه على الزوج، والزوج إنَّما استحقه على الولي بوجه آخر، ألا ترى أنها لو أبرأته من المهر بعد استحقاقها إياه، جاز ذلك، ولم يجب أن يقال: إن الوطء حصل بلا مهر، وكذلك من زوَّج أمتَه عبدَه يجب مهرها، ثُمَّ يسقط، ولا يجب أن نقول: إن الوطء تحصل(1) بلا مهر، فبان سقوط هذا الإعتبار.
باب القول في نكاح المماليك
[مسألة في نكاح العبد لأربع، وعدد طلاقه]
المماليك حكمهم في عدد النكاح والطلاق حكم الأحرار.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2)، وذهب مالك، وأبو ثور، إلى أن العبد ينكح أربعاً مثل قولنا، وذهب عامة أهل العلم أنَّه لا ينكح إلاَّ اثنتين.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنْ النِّسَاءِ}، فعم(3)، ولم يخص الخطاب عبداً من حر، فوجب أن يستوي فيه العبد والحر.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى في أخرى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةٌ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، فدل ذلك على أن الخطاب للأحرار، إذ لا يجوز عندكم للعبد أن يطأ بملك اليمين.
قيل له: عن هذا جوابان:
أحدهما ـ أنَّه لا يمتنع أن يكون صدر الآية عاماً، وعجزها خاصاً، وخصوص عجزها لا يمنع من عموم صدرها، فلا يمتنع أن يكون ما ذكرنا عاماً في الحر والعبد.
والثاني: أن بعض أهل العلم تأول ذلك على أن المراد به نكاح ملك اليمين، وهذا غير ممتنع في العبيد.
فإن قيل: فقد روي أن هذه الآية نزلت في شأن قوم في حجورهم يتامى وأموالهم، وذلك حكم الأحرار، وهذا يمنع من دخول العبيد(4) فيها.
__________
(1) في (أ): حصل.
(2) انظر الأحكام 1/398.
(3) في (ب): يعم.
(4) في (أ): الأحرار.(53/17)
قيل له: ورود الآية على سبب لا يمنع أن يعم مَن له سبب، ومَن لا سبب له، ألا ترى أن نزول الآية فيمن كان على الصفة التي ذكرتم لا يمنع أن يبخل فيها سائر الأحرار، وإن لم يكن في حجورهم شيء من أموال اليتامى، أو أحد من اليتامى، فكذلك العبيد لا يمتنع دخولهم فيها.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِيْنَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}، فأباح لنا إنكاحهن، فلنا أن ننكحهم ـ أعني الأحرار والعبيد ـ حتى يمنع الدليل منه، وذلك بعد الأربع.
ومما يدل على ذلك أن العبد ممن أجيز له النكاح، فوجب أن يجوز له الجمع بين أربع، دليله الحر، وأيضاً وجدنا سائر الملاذ من المطاعم والمشارب، وغيرهما قد سُوِّي في إباحتها بين الحر والعبد، فوجب أن نسوي بينهما في إباحة النكاح، والعلة أنَّه من جملة الملاذ.
فإن قيل: هذا ينتقض؛ لأن الحر يطأ بملك اليمين، وليس ذلك للعبد.(53/18)
قيل له: هذا ليس ينتقض؛ لأن العبد لا يملك، فهو في حكم من ليس له ملك من الأحرار، فالتفرقة لم تقع في معنى الوطء، وإنما وقعت في معنى الملك، ويؤيد ما ذهبنا إليه أن أحكام العبيد مثل أحكام الأحرار في أصول النكاح وغيره، بل في سائر التكاليف، فوجب أن /98/ تكون أحكامهم مثل أحكام الأحرار، وهذا أولى من رد ذلك إلى الحدود والقصاص؛ لأن أحكام النكاح بأحكام النكاح أشبه، على أن تنصيف أحكامهم لم توجد في معنى من المعاني، إلاَّ في بعض الحدود، فكان ذلك كالمخصوص من جملة الأصول، فوجب أن يكون القياس على غيره أولى، ألا ترى أن سائر الأحكام إما أن لا تصح منهم، وإما أن تستوي أحوالهم وأحوال الأحرار، كالإقتصاص منهم، وحد السرقة، ومقدار ما يُقطع فيه، وكسائر ما كُلِّفوا من الصلاة، والصيام، والحج، وافتقار نكاحهم إلى الولي والشاهدين، والمهر، وغير ذلك، وإما ما لا يصح منهم بتة، كالتمليك، والإقرار بما في أيديهم، أو النكاح بغير إذن الولي، والولاية في النكاح والإمامة العامة، فلما كانت الأصول على ما وصفناه، وجب أن يكون حكمهم في عدد النكاح مثل حكم الأحرار. وأيضاً لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة أن الإماء يجوزالجمع بين أربع منهن في النكاح كالحرائر، فوجب أن يكون للعبد الجمع بين أربع كالأحرار، والعلة أنَّه العدد المعتبر في النكاح، فوجب أن يستوي مع الرق والحرية، على أن أبا حنيفة(1) يُجوِّز للعبد أن يطلق ثلاثاً إذا كان تحته حرة، فوجب أن يجوز له أن ينكح أربعاً، والعلة أنَّه يطلق ثلاثاً، دليله الحر.
__________
(1) في (أ): يجوز.(53/19)
وقلنا: إنَّه يطلق ثلاثاً، سواء كانت تحته حرة، أو أمة؛ لقوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ..} الآية، فدل سبحانه بذلك على أن الطلاق ثلاث تطليقات، ولم يخص أن يكون الْمُوقِع لها حراً أو عبداً، فوجب بعمومه أن يكون طلاق العبد ثلاثاً كطلاق الحر، ويدل على ذلك: ما أخبرنا به أبو العباس الحسني رحمه الله، أخبرنا الحسين بن علي بن عبدالحميد القطان، حدثنا الحسين بن علي بن محمد الطنافسي، حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء، حدثنا أبو ثور، وهشام يعني ابن يوسف الصنعاني، عن مَعمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عمرو بن مغيث، عن الحسن مولى بني نوفل، قال: سئل ابن عباس، عن عبد طلق أمة تطليقتين، ثُمَّ عتق، أيتزوجها بعد ذلك؟ قال: نعم. قيل: عمن؟ قال: أفتى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقد صرح بأنها لا تحرم عليه بتطليقتين، مع أنها أمة، فبان أنَّ له أن يطلقها ثلاثاً.
فإن قيل: فقد روي عن علي عليه السلام أنَّه قال: (طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان)، وروي مثله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قيل له: يحتمل أن يكون قال ذلك في أمة بعينها قد طلقت مرة، وانقضت من عدتها بحيضة، وما ذكرناه من القياس والترجيح في أن العبد ينكح أربعاً يصح مثله في أنَّه يطلق ثلاثاً، فلا وجه لإعادته.
ويقال لأبي حنيفة: إذا كان العبد يطلق الحرة ثلاثاً، وجب أن يصح منه أن يطلق الأمة ثلاثاً، والمعنى أنَّه ممن يصح طلاقه، ويقال لمالك: إذا كان العبد مثل الحر في عدد النكاح، وجب أن يكون مثله في عدد الطلاق، والمعنى أنَّه عدد حكم مباح يختص البضع.
[مسألة: في عدة الأمة](53/20)