قيل له: لم يحكه عن علي عليه السلام، وإنما هو قول أدرجه في الحديث، فلم يجب أن يصير ذلك معارضاً لحديثنا، على أنَّه قد روي عن عمر أيضاً ما يعارض ما اعتمدوه عنه، وذلك: ما رواه هناد، حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالرحمن بن يعقوب بن الصلت المطلبي، عن عبدالله بن عامر بن ربيعة، قال: بينا أسير مع عمر، إذ عرضت له امرأة شابه، فاستوقفته، فوقف لها، فقالت: يا أمير المؤمنين، امرأة شابة، وزوجها [شيخ] (1) كبير، وهي تريد ما يردن النساء من الولد وغيره. قال فما برحت حتى رفعت إليه زوجها، فقال له عمر: ويحك ما تقول هذه، قال: والله يا أمير المؤمنين ما آلو أن أحسن إليها، قال: تقيم لها ظهرها؟ قال: إي والله يا أمير المؤمنين، قال: خذ بيدها، انطلقي معه، لعَمري إن هذا ليجزي المرأة المسلمة.
وهذا أولى مما رووه؛ لأنَّه أخبر أن ذلك يجزي المرأة المسلمة، فدل ذلك على أنها لا تجب لها المطالبة بغير ذلك.
ومما يدل على ذلك: ما روي عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: جاءت امرأة رفاعة القرضي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، كنت عند رفاعة، فطلقني، فتزوج بي عبدالرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: <تريدين أن ترجعي إلى رفاعه؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك> فلو كان لها الخيار، وكان يتعلق بمضي سنة؛ لعرَّفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما عرَّفها الحكم في رجوعها إلى رفاعة، فلما لم يذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عُلِم أنها لا خيار لها في ذلك.
ومما يدل على ذلك أنَّه لا خلاف في أن العجز عن الوطء لا يوجب لها الخيار والتفريق في أول ما يظهر، لأنهم لا يختلفون في أن الزوج يؤجَّل مدة على حسب الخلاف فيها، فوجب أن لا يوجب لها الخيار والتفريق بعد انقضاء المدة، والمعنى أنَّه ظهور العنة.
__________
(1) سقط من (أ).(53/11)


فإن قيل: العنة لا تظهر إلا بمضي الفصول الأربعة.
قيل له: من أين لكم ذلك؟ وما الدليل عليه؟ وهذا مما لا سبيل إلى إثباته، على أنَّه يقال لهم: لا خلاف بيننا وبينكم أنهما ـ أعني الزوج والزوجة ـ لو تصادقا في أن الزوج عاجز عن الوطء منذ أربع سنين، فضلاً عن أربعة فصول، أنَّه لا يكون للمرأة الخيار في أول ما تُرافع، فقد بان صحة ما ذكرناه من أن ظهور العنة لا توجب لها الخيار والتفريق، وأيضاً لا خلاف أنَّه لو وطئها، ثُمَّ عجز عن الوطء، لم يجب الخيار، فكذلك إذا عجز قبل الوطء، والعلة أنَّه حصول العجز عن الوطء، فوجب أن لا يجعل لها الخيار.
ومما يؤكد ما ذهبنا إليها ويوضحه أن عقد النكاح لم يوجب لها المطالبة بالوطء، بدلالة أن الوطء مما يتكرر، فلو كان عقد النكاح موجباً لها المطالبة به، لتكررت المطالبة، ألا ترى أن سائر ما يوجب عقد النكاح المطالبة بها، يوجب المطالبة بتكريرها، كالنفقة، والكسوة، والسكنى، والقسم في الليالي والأيام، ولا يجب الإقتصار في شيء من ذلك على مرة واحدة، فلو جرى الوطء مجرى سائر ما ذكرناه، لم يجب الإقتصار فيه على كرة واحدة، يكشف ذلك أن الوطء لما كان مما أوجبه عقد النكاح للزوج، تكررت مطالبته به، ولم يجب الإقتصار على مرة واحدة، فإذا ثبت ذلك، لم يجب لها الخيار بالعجز عنه، كما لا يكون لها الخيار إذا عجز عن سائر ما ليس لها المطالبة به.
ومما يبين أن الوطء ليس بحق لها أنها تستحق العوض عليه، ولا يجوز أن يستحق الإنسان العوض على استيفاء حقه، ألا ترى /95/ أنَّه لما كان حقاً للزوج، لم يجز أن يستحق العوض على استيفائه، بل يُستَحق عليه العوض، وإذا ثبت أنَّه ليس بحق لها، وجب أن يكون العجز عنه لا يوجب لها خياراً.
فإن قيل: لا خلاف أن الْمُوَلى مطالب بالوطء، وهذا يعترض ما ذكرتموه.(53/12)


قيل له: نحن إنَّما أنكرنا أن يكون الوطء مما يجب بعقد النكاح، فوجوبه بالإيلاء لا يعترض ما قلناه، على أنا لسنا نسلم أن الإيلاء يوجب الوطء على الإطلاق؛ لأنَّه عندنا يجب بشرط القدرة عليه، فإن عجز، كفاه أن يفيء بلسانه.
فإن قيل: فإنها لما تملك عليها بضعها، وجب أن تملك هي المهر، وتستحقه استحقاقاً صحيحاً، وذلك لا يكون إلاَّ بالوطء، لأن من الناس من لا يرى إيجاب المهر بالخلوة.
قيل له: عندنا أنها بالخلوة تستحق كمال المهر استحقاقاً صحيحاً، فالسؤال ساقط عنا.
فإن قيل: لا يكون ذلك الإستحقاق صحيحاً؛ لأنَّه من الجائز أن يترافعا إلى حاكم لا يحكم بكمال المهر في الخلوة.
قيل له: وما في ذلك مما يمنع كونها مستحقة لكمال المهر عندنا، على أن حاكماً لو كان حكم لها بالخلوة بكمال المهر، لم يكن لحاكم غيره فسخ ذلك، وتكون هي قد استحقته استحقاقاً لا يصح الإعتراض عليه، ومع ذلك فإنكم تثبتون لها الخيار، فبان أن تعلقكم بذلك مما لا معنى له.
فإن قيل: فإنا لو لم نجعل لها الخيار، كنا قد أضررنا بها، لأنها لا تصل إلى الإستمتاع إلاَّ من جهة الزوج.
قيل له: هذا الإعتبار فاسد، لأنها إذا وطئت مرة واحدة، فالضرر الذي ذكرتموه قائم، ومع ذلك فإن عرضت لزوجها عنه، لم يكن لها خيار.
مسألة [في إجبار المعسر على فراق زوجته]
قال: وكذلك المعسر الذي يعجز عن النفقة لا يجبر على فراق زوجته. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وهو قول القاسم عليه السلام، وأبي حنيفة وأصحابه.
قال الشافعي: يفرق بينهما، إن اختارت المرأة الفراق.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلِيْهِ رِزْقَهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ} فبين تعالى حكم المعسر، وأنه ليس عليه إلاَّ ما آتاه الله، وأنه يجعل له بعد عسر يسراً، فدل ذلك على ما قلناه من وجهين:
__________
(1) انظر الأحكام 1/493 ـ 494.(53/13)


أحدهما ـ أنَّه بيان حكم المعسر، ولم يذكر وجوب الخيار لزوجته، فوجب أن لا يكون لها الخيار.
والثاني: أنَّه تعالى دل بهذه الاية أنَّه لا يكلفه إلاَّ ما آتاه(1)، فبان أنَّه ليس يلزمه ما عجز عنه، وإذا لم يلزمه ذلك، لم يفرق بينه وبين امرأته لذلك، كما لا يفرق بينه وبينها لعجزه عن سائر ما يلزمه.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيْحٌ بِإِحْسَانٍ}، فإذا لم يمسك بمعروف، وجب أن يُسرح بإحسان.
قيل له: هو عندنا ممسك بمعروف إذا أمسك على حسب الطاقة؛ لأنَّه مؤد ما كُلِّف [به] (2)، على أن الظاهر لا تعلق لهم به، وذلك أنهم لا يخالفون في انه لو لم يمسكها بمعروف مع القدرة على النفقة، لم يفرق بينهما، وإنما يوجبون التفريق للعجز، وليس في الآية ذكر العجز، ويدل على ذلك أنَّه لو عجز عن نفقة المؤسر، لم يجب التفريق، كذلك إذا عجز عن النفقة (3)، والمعنى حصول العجز عن الإنفاق، ولا خلاف أن المفقود عاجز عن الإنفاق، ولا يفرق بين وبينه امرأته، فكذلك الحاضر وإن عجز، والعلة حصول العجز عن الإنفاق، فوجب ألا يوجب التفريق، ويشهد لصحة ما ذهبنا إليه حصول سائر ما تستحقه المرأة من السكنى، والقَسْم، ونفقة الخادم، إن كانت المرأة ممن لا تخدم نفسها وتجب لها الخدمة؛ لأنَّه لا يجب أن يفرق بينها وبين الزوج، وإن عجز الزوج عنه، فكذلك النفقة، وعمدتهم في هذا الباب خيار العنة، ونحن لا نقول به، فلا يمكنهم الإعتماد عليه، وذكر ابن أبي /96/ هريرة أن الزوج إذا عجز عن المهر بعد الدخول، فلا خيار للمرأة قولاً واحداً، وهذا أيضاً يشهد لصحة ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: فالمشتري إذا أفلس والسلعة في يده قائمة بعينها، يكون للبائع الخيار في فسخ البيع، فكذلك العاجز عن النفقة.
__________
(1) في (أ): آتاه الله.
(2) سقط من (ب).
(3) في (أ): بعض النفقة.(53/14)


قيل له: الثمن في مقابلة السلعة فإذا بطل الثمن، كان للبائع الرجوع فيه، وليس كذلك النفقة، لأنها ليست عوضاً من البضع، فلم يجب أن يكون سبيلها سبيل الثمن، على أن الأشبه بالثمن هو المهر، ولا يخالفون أن العجز عنه بعد الدخول لا يوجب لها الخيار، وإن كان ذلك عندهم قبل الدخول على قولين: فالأَولى أن يكون العجز عن النفقة لا يوجب الخيار، على [أن] (1) المهر أيضاً مفارق للثمن؛ لأن البيع لا يتم إلاَّ بالثمن، وفساد الثمن يقتضي فساد البيع، وليس كذلك المهر، لأن النكاح يثبت دونه، وفساده لا يوجب فساد النكاح.
مسألة [في تدليس الولي على الزوج بامرأة معيبة]
قال: ولو أن ولياً دلس بمعيبة على رجل، فتزوجها، ودخل بها، كان للمرأة عليه المهر، ورجع الزوج به على الولي. وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (2)، ونص فيه على أنَّه يلزم الولي إذا عرف العيب، ودلس، وهو(3) قول مالك، وحكي عن ابن أبي هريرة أنَّه القول القديم للشافعي.
والأصل فيه ما ذكره يحيى بن الحسين صلوات الله عليه في (الأحكام) (4) ـ أن أمير المؤمنين عليه السلام رُفع إليه رجل له ابنة من امرأة عربية، وأخرى من عجمية، فزوج التي هي من العربية من رجل، وأَدخل عليه بنت العجمية، فقضى(5) عليه السلام للتي أُدخلت عليه بالمهر، وقضى للزوج بالمهر على أبيها،؛ لتغريره، وقضى للزوج بزوجته، فبان بهذا وجوب المهر على الولي إذا غر.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) انظر المنتخب 134 ـ 135.
(3) في (ب): هو.
(4) انظر الأحكام 1/404.
(5) في (أ): فقضى عليٌ.(53/15)

110 / 142
ع
En
A+
A-