والأصل في هذا أن جنايات العبيد تلزم رقابهم على ما يجيء القول فيه، وتغرير العبد لها جناية عليها، فوجب(1) أن يكون في رقبته، كما أنَّه لو قتل، أو غصب مالاً، فاستهلكه يكون ذلك في رقبته، وكذلك في مسألتنا هذه.
فإن قيل: المرأة قد رضيت بكون ذلك في ذمته، فلم يجب أن يكون ذلك جناية.
قيل له: إنَّما رضيت بكون ذلك في ذمة سيده دون ذمته، لأنها إذا غرت بأن السيد أذن له فيه، فهي رضيت بكون المهر على السيد دونه، فأما إذا لم يكن السيد أذن له في ذلك، حصل المهر في غير الذمة التي رضيت بها، فيكون ذلك جناية منه، كما أنَّه إذا غصب واستهلك يكون ضمانة في ذمةٍ لم يرض بها المغتصَب منه، فيكون ذلك جناية، وكذلك إن غرها بأنه حر، وأنها تكون قد رضيت بكون المهر في ذمته بشرط الحرية، فإذا كان عبداً، يحصل ضمانة في ذمة لم ترض بها المرأة، فسبيله سبيل الغاصب على مابيناه.
فإن قيل: أرأيتم لو أن حراً فقيراً غرها بالغنى، أليس المهر يكون في ذمته تطالبه به إذا أيسر، فما أنكرتم على من قال لكم: إن ذلك سبيل العبد؟
قيل له: عن هذا جوابان:
أحدهما ـ أن ذمة الفقير كذمة /92/ الغني بصحةَ توجُّه المطالبة عليها على بعض الوجوه.
والثاني ـ أن أكثر ما يجب فيما ذكرتم أن الغارَّ يكون بذلك خائناً، إلاَّ أن خيانته لا تتجاوز ذمته؛ لأنَّه لا فصل بين ما يحصل في ذمة الفقير على وجه الخيانة(2)، أو على غير وجه الخيانة(3)، في أنَّه لا تتعدى ذمته، وليس كذلك العبد، لأنها(4)تلزم رقبته، وتتعدى إلى سيده.
مسألة [في الأمة تدلس نفسها أنها حرة فيتزوجها الحر]
__________
(1) في (ب): فوجب.
(2) في (أ): الجناية.
(3) في (أ): الجناية.
(4) في (ب): لأن جنايته.(53/6)
قال: وإذا دلست الأمة نفسها على الحر، فتزوجها على أنها حرة، فسخ النكاح أيهما شاء من الزوج أو سيد الأمة. وهذا مما تقتضيه أصول يحيى عليه السلام: لأنَّه قد نص على أن نكاح الأمة لا يصح بغير إذن سيدها، ونص أيضاً على أن النكاح يتوقف على الإجازة، وعلى أن المغرور له أن يرد ما غر به.
أما ما قلناه: إن سيدها يفسخ النكاح إن شاء، فالخلاف فيه مع الشافعي من وجه أنَّه لا يجيز النكاح الموقوف، فاقتضى أصله فساد هذا النكاح، فلم يكن للفسخ فيه مسرح، وما قدمناه من جواز النكاح الموقوف يُفسد قوله، ويوضح ما ذكرناه.
وما ذكرناه من أن للزوج أن يفسخ النكاح، فالخلاف فيه مع أبي حنيفة؛ لأنَّه لا يوجب رد المرأة بشيء من العيوب، وما قدمناه من أن النكاح يرد بالجنون، والجذام، والبرص، والرتق، يدل على صحة هذه المسألة إذ لا أحد فرق بين الرق في المرأة، وبين سائر العيوب فيها في رد النكاح به؛ لأن من أوجب الرد بها، أوجب الرد بالرق، ومن أبى الرد بها، أبى الرد بالرق، فإذا ثبت جواز الرد بسائر العيوب التي ذكرناها، ثبت الرد بالرق.
ومما يدل على ذلك ـ أيضاً ـ أنَّه لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة وأصحابه أن الحرة إذا دلس عليها العبد نفسَه كان لها الخيار في فسخ النكاح، فوجب أن يكون ذلك سبيل الحر إذا دلست الأمة عليه نفسها، والعلة أنَّه نكاح عقد على التغرير بالرق، فوجب أن يكون للمغرور الخيار.
فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إن المرأة جُعل لها الخيار؛ لأنها لا تملك رفع النكاح إلاَّ بالفسخ، وهي لم ترض بذلك النكاح، وليس كذلك الزوج؛ لأنَّه مالك للطلاق؟(53/7)
قيل له: كونه مالكاً للطلاق، لا يمنع من ثبوت الخيار إذا شارك المرأة فيما أوجب لها الخيار، وهو التغرير بالرق، فكان ما ذكرتم جارياً مجرى الفرق مع وجود العلة، على أن المرأة أيضاً تقدر على فسخ النكاح بالردة، وهذا لا يمنع من ثبوت الخيار لها، فبان أن الاعتبار به لا معنى له، وأن الخيار إنَّما ثبت لها لأنها غرت بالرق، فإذا شاركها الزوج في ذلك، وجب أن يثبت له(1) الخيار.
مسألة [في الأمة المدلسة بالحرية إذا وطئت أو حملت]
قال: فإن كان الزوج وطئها، لم يرجع عليها بالمهر، وإن كان أو لدها، كان لسيد الأمة قيمة أولادها على أبيهم، وكان للأب أن يرجع بها على سيد الأمة؛ لأنها جناية منها، فيتقاصان، إلاَّ أن تكون قيمة الأولاد أكثر من قيمة الأمة، فيجب على الأب إيفاء الزيادة لسيد الأمة. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2)، وفيه أن قيمة الأولاد إن زادت على قيمة الأم فللزوج أن يطالب بتسليم رقبتها بجنايتهاإن طولب بكمال قيمتهم.
ووجه وجوب المهر بالوطء ما مضى من قوله صلى الله عليه وآله وسلم في النكاح الفاسد: <فإن وطئها، فلها المهر بما استحل من فرجها>، وما قد ثبت من أن الوطء الواقع بالشبهة لا بد له من مهر، ولا يبعد أن يقال على أصل يحيى عليه السلام أنَّه يرجع به على سيدها، إن كانت هي التي غرت؛ لتنصيصه في المعيبة إذا وطئت، ثُمَّ ردت، رجع بالمهر على من غره.
وقوله: إن الزوج لا يرجع عليها بالمهر محمول على أحد الوجهين ـ إما أن /93/ يكون المراد حصول الإستحقاق، وإن استحق الزوج عليه بدله، أو يكون المراد به إذا لم تكن المرأة غارة، وكان الغار غيرها.
__________
(1) في (أ): لها.
(2) انظر الأحكام 1/405.(53/8)
فأما الأولاد فلا خلاف بين الصدر الأول والفقهاء من بعدهم في أنهم أحرار، ولم يختلف السلف أنهم مضمونون على الأب، وإن اختلفوا في كيفية الضمان، فروي عن عمر أنَّه قال: غلام بغلام، وجارية بجارية، وقول علي عليه السلام: إن الواجب فيهم القِيَم، وإليه يذهب عامة الفقهاء.
ويقوي ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه حكم في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما وهو مؤسر، أن يضمن قيمته، ولم يحكم عليه بنصف عبد مثله، فصار ذلك أصلاً في أن ضمان الحيوان ضمان القيم، وأيضاً لا يختلف الفقهاء أن من استهلك لغيره حيواناً، أو ثياباً، أنَّه يضمن القيمة دون الْمِثْل، فكذلك في مسألتنا، لأنَّه أعدل، وأبعد من الجهالة، ألا ترى أن المستهلَك لو كان مما يكال أو يوزن، ضمن المستهلِك مثله، لما كان المثل فيه أعدل، وأبعد من الجهالة، ولا خلاف أيضاً أن المغرور يرجع بقيمتهم على الغار، فلذلك قلنا: إنها إذا كانت هي الغارة، كانت القيمة في رقبتها، واختُلف في ذلك فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن القيمة تكون في ذمتها تطالَب بها إذا عتقت.
وقلنا نحن: إنها تكون في رقبتها بمنزلة جناياتها التي تلزم سيدها، كما قلناه في سائر الجنايات، وهذه الجملة نوضح القول فيها بعد، والذي يختص هذا الموضع بيان أن التغرير جناية، وقد سلف القول فيه، فلا وجه لإعادته.
مسألة [في إكراه العنين على فراق زوجته]
قال: ولا يجبر العنين على فراق زوجته.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وهو قول القاسم عليه السلام، ورُوى ذلك عن الحكم بن عتيبه.
والأصل في ذلك أن النكاح من حكمه أن يستدام، ولا يثبت فيه خيار إلاَّ بدلالة شرعية، ولا دلالة على ثبوت الخيار للمرأة.
__________
(1) انظر الأحكام 1/356.(53/9)
وروى أبو العباس الحسني ـ رحمه الله تعالى ـ بإسناده عن أبي إسحاق، عن هاني بن هاني، أن امرأة جاءت إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام، جميلةً، عليها ثياب حسنة، فقالت: أصلح الله تعالى أمير المؤمنين، انظر في أمري فإني لا أيم، ولا ذات بعل، فعرف أمرها، فقال لها: ما اسم زوجك؟ قالت: فلان بن فلان. فقال: أفيكم من يعرفه؟ فأتي بشيخ كبير يدب، فقال له: مالأمرأتك تشكوك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ألست ترى عليها أثر النعمة؟ أليست حسنة الثياب؟ فقال: فهل عندك شيء؟ قال: لا. قال: ولا عند السَحَر؟ قال: لا. قال: فهلكت وأهلكت. قالت: انظر يا أمير المؤمنين في أمري، قال: ما أستطيع أن أفرق بينكما، ولكن اصبري.
وروى هناد، عن وكيع، عن قبيصة، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن هاني، بن هاني، نحو ذلك. وروى أنها قالت: فما تأمرني يا أمير المؤمنين؟ قال: تتقين الله تعالى، وتصبرين، وما أستطيع أن أفرق بينكما، فدل ذلك على أنها لا خيار لها، وأنها مما يجب لها الصبر على ذلك، أحبته أم كرهت.
فإن قيل: فقد روي عن عمر أنه قال: يؤجل العنين سنة، فإن وصل إلى أهله وإلا فرق بينهما.
قيل له: عندنا أن قول علي عليه السلام أولى بالإتباع، على أنَّه لو لم يكن قوله أولى بالإتباع أيضاً لقابل قول عمر، ووجب الرجوع إلى أن لا خيار لها، لأن ذلك هو الأصل في النكاح.
فإن قيل: فقد روي عن الضحاك بن مزاحم، أن علياً عليه السلام أجَّل العنين سنة، فإن /94/ هو وصل إلى أهله، وإلا فُرِّق بينهما.(53/10)