باب القول فيما يرد به النكاح
[مسألة في عيون النكاح وفي المرودة حتى تستحق المهر]
إذا تزوج الرجل امرأة، ثُمَّ وجد بها الجنون، أو الجذام، أو البرص، أو القَرَن، كان له أن يردها بهذه العيوب، إذا لم يكن علم بها حين العقد، ولا مهر لها، إلاَّ أن يكون وطئها، فإن كان وطئها، فليلزمها، أو ليطلقها ولها المهر.
وهذا جميعه منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وذكر نحوه في (المنتخب) (2).
والأصل في رد النكاح بالعيب: حديث جميل بن زيد، عن ابن عمر، قال: تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم امرأة من بني غفار، فأدخلت عليه، فرأى في كشحها وضحاً، فردها، وقال: ((دلستم عليَّ دلستم علي))، وفي بعض الحديث قال لها: ((الحقي بأهلك)).
فإن قيل: يحتمل أن يكون ردها بالطلاق.
قيل له: ظاهر الخبر يقتضي أنَّه لم يكن غير الرد، وأنه ردها لِمَا رأى بكشحها من الوضح.
كما روي أن ماعز بن مالك زنى، فرُجم، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سهى، فسجد، وإذا ثبت الرد من البرص، فلا أحد قال بالرد منه إلاَّ قال بالرد من سائر ما ذكرنا.
ويدل على ذلك حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: (يرد النكاح بأربعة أشياء: الجنون، والجذام، والبرص، والقَرَن.
وورى هناد، حدثني وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن الشعبي، عن علي عليه السلام قال: (إن كان دخل بها، فهي امرأته، وإن لم يكن دخل بها، فرق بينهما)، وروي نحو ذلك عن عمر.
فإن قيل: روي عن علي عليه السلام أنَّه قال: هي امرأته، إن شاء أمسك، وإن شاء طلق.
قيل له: هذا الخبر مروي عن الشعبي، وقد روى الشعبي عنه ما قدمناه، فدل ذلك على المراد به بعد الدخول.
__________
(1) انظر الأحكام 1/3941.
(2) انظر المنتخب 132.(53/1)


ومما يدل على ذلك أن النكاح هو عقد معاوضة، فوجب أن يكون للرد بالعيب مسرح في كل واحد من البدلين، دليله البيع، ولا خلاف أن المهر يتأتَّى فيه الرد بالعيب، فوجب أن يكون البضع كذلك، والعلة أنَّه أحد البدلين في عقد النكاح، وأيضاً وجدنا الرَتَق يمنع من تسليم البضع، فوجب أن يكون ذلك يقتضي الخيار لمن يستحق التسليم، دليله من يشتري داراً، ثُمَّ وجد فيها غاصباً يمنع من التسليم، لا خلاف أن له الخيار في فسخ العقد، والعلة أنَّه عقد اقتضى تسليم المعقود عليه، فإذا حصل ما يمنع التسليم، كان لمن يستحق التسليم الخيار في العقد، ويبين أن الرتق مانع من تسليم البضع ـ أنَّه لاخلاف بيننا وبين أبي حنيفة أن التي خلا بها زوجها، وهي مُحْرِمَة، أو صائمة في رمضان حائض لا تستحق كمال المهر؛ لحصول ماهو مانع من تسليم البضع، وقد علمنا أن الرَتَقَ مَنْعُه أبلغ من منع الإحرام، والصوم، والحيض، وأنه الذي يمنع في الحقيقة، وهذه الأشياء تمنع حكماً، فإذا ثبت ذلك في الرتق، ثبت في سائر ما ذكرناه، على أن الجذام أيضاً مما يمنع من التسليم حكماً، وذلك لما: أخبرنا به عبدالرحمن بن محمد الأبهري، حدثنا محمد بن علي بن الحسين بن أبي الحديد الفقيه بمصر الصدفي، حدثنا يونس بن عبدالأعلى الصدفي، حدثنا أنس بن عياض، عن عبدالله بن عامر، حدثتني أمي فاطمة، عن الحسين بن علي عليه السلام، عن ابن عباس رحمه الله تعالى، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: <لا /90/ تديموا النظر إلى المجذومين، ومن كلَّمهم منكم، فليكلمهم وبينهم وبينه قيد رمح>، فلما منع صلى الله عليه وآله وسلم من(1) مكالمتهم ومقاربتهم، وأوجب أن يكون بين الواحد منهم وبينهم قدر رمح، كان ذلك مانعاً من التسليم.
فإن قيل: فإن هذه العلة منتقضة بالصائمة، والحائضة، والمحرمة؛ لأن من تزوج بهن لا خيار له بالإجماع، وإن كانت هذه الأمور مانعة من التسليم.
__________
(1) في (ب): عن.(53/2)


قيل له: هذا ليس بنقض؛ لأنا قسنا الفرع على الأصل، وقد علمنا إنَّما يمنع منه منعاً يسيراً في الأصل لا يوجب الخيار للمشتري، كأن يكون في الدار متاع للبائع يحتاج إلى تفريغها منه إلى ساعة أو يوم أو نحوه، وإنما يراعى في ذلك ما كان منعاً مستداماً، ويكون مثله عيباً، ألا ترى أن الحيض والصيام لا يكونان عيباً في الجارية، لأنهما وإن منعا من الوطء، فليس منعاً مستداماً، وليس كذلك الرتَق، فسقط بما بيناه اعتراضهم.
فإن قيل: لو رد النكاح بما ذكرتم، لوجب أن يرد بسائر العيوب.
قيل له: لا يمتنع اختلاف أحوال العيوب في العقود، ألا ترى أن المخالف لنا في هذه المسألة يجعل الذفر ـ إذا لم يكن من داء ـ عيباً في الجارية، ولا نجعله عيباً في العبد، والعيب الذي ليس بفاحش يجوز به أو الرد في البيوع، ولا يجوز رد المهر به، وإنما يجوز رده به إذا كان فاحشاً، ونجعل الزنا عيباً في الأمة، ولا نجعله عيباً في العبد، فقد بان لك أن العيوب تختلف أحوالها، وليس يجب أن يجري الجميع مجرى واحد، على أن اعتبارنا يترجح بالنقل، والفائدة الشرعية، وبأنه يجري مجرى إجماع الصحابة، ويعضده فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام، فوجب اتباعه.
فإن قيل: فكيف تدَّعون أنَّه جارٍ مجرى الإجماع، وقد روي عن ابن مسعود خلاف ذلك.
قيل له: قد قيل في الخبر: إنَّه ضعيف، وقيل: إن المراد به سائر العيوب.
وقلنا: إن له الرد بهذه العيوب إذا لم يكن علم بها؛ لأنَّه لا خلاف أن شيئاً من العقود لا يرد بعيب علمه المتبايعان، وتراضيا به.
وقلنا: إن كان وطئها، كان لها المهر، وكان له أن يطلقها، أو يمسكها؛ لأن الوطء مستحَقٌ به المهر؛ لأنَّه جارٍ مجرى استهلاك البضع، ولأنه لا خلاف فيه، وهو المروي عن علي عليه السلام وعمر.
وقلنا: إن شاء طلق، وإن شاء أمسك؛ لأن الوطء أبطل الخيار، وأوجب المهر؛ لكونه جارياً مجرى الإستهلاك.(53/3)


مسألة [في العلم بالعيب بعد الخلوة من غير وطء]
قال: وإن كان خلا بها، ولم يكن وطئها، ثُمَّ ردها بالعيب، لم يكن لها المهر.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب)(1).
قال الناصر عليه السلام: لها المهر إذا خلا بها.
ووجه ما ذهبنا إليه أن الخلوة أوجبت المهر؛ لأنها كانت تسليماً صحيحاً للبضع، ألا ترى أنَّه لو خلا بها وفي البيت معهما غيرهما، أو كانت هي ممن لا تصلح للجماع للصغر، أو كانت محرمة، أو صائمة، أو حائضاً، لم تستحق كمال المهر؛ لأن التسليم لم يقع صحيحاً كما اقتضاه العقد، فكذلك ما ذهبنا إليه؛ لأن التسليم الصَّحيح لم يقع، ألا ترى أن من سلَّم إلى المشتري عبداً معيباً، لم يمنع ذلك التسليم خيار الرد، وكان حاله بعد التسليم كحاله قبل التسليم مالم يستهلك المشتري العبد، فكذلك الزوج إذا /91/ خلا بالمعيبة، لا يُبطل ذلك خياره، ولا يوجب المهر مالم يطأها؛ للعلة التي ذكرناها.
مسألة [في العبد يدلس على الحرة فتتزوجه على أنه حر]
قال: وإذا دلس العبد على الحرة، فتزوجته على أنَّه حر، كان لها الخيار إذا علمت، إن شاءت أقامت معه، وإن شاءت فسخت نفسها منه، هذا إذا أجاز سيد العبد نكاحها، وعلى سيد العبد المهر، إن كان دخل بها،وإن لم يُجزه، كان النكاح باطلاً، فإن كان العبد دخل بها، كان عليه مهر مثلها تطالب به إذا عتق.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2).
__________
(1) انظر المنتخب 132، 134.
(2) انظر الأحكام 1/407.(53/4)


قلنا: إن لها الخيار إذا دلس العبد عليها؛ لأنَّه قد ثبت أن العبد ليس بكفؤ للحرة، وأن وليها لو زوجها من غير كفؤ، كان لها الخيار، فوجب أن يكون لها الخيار إذا دلس العبد عليها على نفسه، والعلة أنَّه تزوجها مَن ليس بكفؤ بغير رضاها، وهي بالغة، فوجب أن يكون لها الخيار، على أن أبا حنيفة قد قال: إن المرأة إذا غُرَّت بنسب رفيع شريف أشرف من نسبها، ثُمَّ وجدته دون ذلك، كان لها الخيار، فالعبد أولى به، يكشف ذلك أنها إذا لم ترضَ إلاَّ بقدر من المهر، فلها أن تمنع نفسها إذا مُنِعَت ما به رضيت، فكذلك النسب والحرية؛ لأن جميع ذلك حق لها، لأنها يلحقها، ويلحق بولدها الغضاضة بعقد(1) الحرية والكفاءة كما يلحقها الضرر بقصور المهر.
وقلنا: إن سيده إن أجاز ذلك له، فعليه المهر؛ لأن أذنه في النكاح يجري مجرى الضمان للمهر، وهذا إذا دخل بها، أو طلقها قبل الدخول، ولم تختر المرأة الفسخ، فإن فإن اختارت المرأة الفسخ قبل الدخول، فلا مهر لها؛ لأن الفرقة جاءت من قبِلَها، وإن كان ذلك بعد(2) الدخول بها، فلها المهر على ما سلف القول فيه.
وقلنا: إن السيد إن لم يجز نكاحه، بطل النكاح؛ لأن نكاح العبد لا يصح إلاَّ بإذن سيده، وقد مضى القول فيه.
وقلنا: إن كان العبد دخل بها، فلها المهر عليه، تطالبه به إذا عتق؛ لأن المهر قد وجب بالوطء، وقد رضيت المرأة بكونه في ذمته، فليس لها أن تطالبه به إلاَّ إذا عتق، وصح منه الملك، كما أن رجلاً لو أقرضه مالاً، أو باعه شيئاً، كان الحق عليه يطالبه به إذا عتق؛ لأنَّه قد رضي بكون ذلك في ذمته.
مسألة [في إيهام العبد الحرةَ بأذن سيده له]
قال: فإن كان العبد أوهمها أن سيده قد أذن له في نكاحها، كان ذلك خيانة(3) من العبد يلزم سيده لها.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (4).
__________
(1) في (أ): بفقد.
(2) في (ب): قبل.
(3) في (أ): جناية.
(4) انظر الأحكام 1/475.(53/5)

108 / 142
ع
En
A+
A-