ويدل على ذلك أن عقد النكاح عقد مؤبد، ومعنى قولنا: مؤبد أنَّه باق إلى الموت مالم يعرض ما يوجب إبطاله، فصار الموت موجباً حصول ما أوجبه العقد، فوجب أن يستحق العوض كملاً، كما أن من استأجر داراً شهراً، وخلي بينه وبينها، فلم يسكنها حتى مضي الشهر، يستحق عليه الأجرة، لما حصل من استيفاء الزمان الذي اقتضاه العقد، فكذلك المهر مع الموت.
ويمكن أن يقاس أيضاً مدة العمر على الدخول في وجوب استيفاء المسمى، والمعنى أن أحد موجبي العقد يحصل به.
مسألة [في موت الزوج قبل تسمية المهر]
قال: وإن تزوجها، ولم يفرض لها مهراً، ثُمَّ مات قبل الدخول، فلا مهر لها.
وقال في (المنتخب) (1): لها مهر مثلها، فإن مات بعد الدخول، فلها المهر، ما ذكرناه أولاً هو رواية (الأحكام) (2)، وهو قول القاسم عليه السلام، وهو الأصح عند أصحابنا، وكان أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى يتأول رواية (المنتخب).
ويجعل الروايتين كالرواية الواحدة، والمعتمد رواية الأحكام، وهذا أحد قولي الشافعي قال أبو حنيفة بمثل رواية المنتخب، والذي يدل على ما حكيناه أولاً ـ حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليهم السلام) (3) في رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقاً، ثُمَّ توفي قبل أن يفرض لها، وقبل أن يدخل بها، قال: لها الميراث، وعليها العدة، ولا صداق لها.
وروي نحوه عن زيد، وابن عمر.
فإن قيل: روي عن عبدالله خلافه.
__________
(1) انظر المنتخب 130.
(2) الذي في الأحكام 1/355: (إذا تزوج الرجل المرأة ثم مات عنها ولم يكن سمى لها مهراً فأن لها الميراث وعليها عدة المتوفى عنها زوجها). قال: (وكذلك لو أنه تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها ولم يفرض لها مهراً كان لها المتعة ولا مهر لها).
(3) سقط من (ب).(52/106)
قيل له: هو قول علي عليه السلام وهو أولى من قوله، أما على أصول أصحابنا، فلأنا نوجب اتباعه، وأما على غير هذا الأصل، فلأن فيما روي عن عبدالله ما دل على أنَّه قال باجتهاد، ألا ترى أنَّه قال(1): أقول فيه برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله تعالى، وإن يكن خطأ فمن الشيطان.
وفي قول علي عليه السلام ما يدل على أنَّه قال بالسنة، ألا ترى أنَّه قال فيمن روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا نقبل(2) قوله على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدل ذلك على أنَّه كان يقول ما يقول في ذلك عن السنة.
فإن قيل: فقد قال معقل بن سنان الأشجعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بذلك في امرأة يقال لها: بروع بنت واشق.
قيل له: قد سقط خبره عندنا بتجريح(3) علي عليه السلام له، لأنَّه قال: لا نقبل قول اعرابي بوال على عقبيه على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن شرط خبر الواحد أن يسلم سنده، ولا جرح أقوى من جرح علي عليه السلام.
فإن قيل: فأنتم قبلتم خبر فاطمة ابنة قيس في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل لها سكنى، ولا نفقة، مع جرح عمر لها، فما أنكرتم على مخالفكم إذا قبل خبر معقل مع جرح علي عليه السلام؟
قيل له: عن هذا جوابان ـ
أحدهما: أن على أصولنا ليس جرح علي عليه السلام كجرح عمر.
والثاني: أن عمر جرحها بما ليس بجرح(4)، فلم يلزم قبول جرحه، لأنَّه قال: لا نقبل(5) حديث امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، ولأن كان /85/ هذا طعناً فيها، فيجب أن تبطل أخبار الآحاد، لأن هذا قائم في جميع الرواة، فلما ثبت ذلك، بطل جرحها.
__________
(1) في (أ): قال فيه.
(2) في (ب): يقبل.
(3) في (أ): بجرح.
(4) في (أ): يجرح به.
(5) في (ب): يقبل.(52/107)
وأما علي عليه السلام فجرح معقلاً بما هو في الحقيقة جرح، ألا ترى أنَّه قال: لا نقبل قول أعرابي بوال على عقبيه، وهذا وصف من لا يعرف الفرائض والسنن، ولا يعمل بها، وهو أبلغ في الجرح، فوجب صحة جرحه وسقوط حديثه، وروي عن الزهري أنَّه قال لم يزل الناس ينكرون هذا الحديث.
فإن قيل: فقد قبله عبدالله بن مسعود.
قيل له: لو ثبت أنَّه قبله، كان جرح من جرحه أولى؛ لأن الجرح أقوى من التعديل، على أنَّه لا يثبت أن عبدالله قبله، لأنَّه كان حكم [فيه] (1) باجتهاده قبل سماع هذا الخبر، وإنما روي أنَّه لما سمع هذا الخبر سُرَّ به، وهذا لا يدل على أنَّه قبله، ولا على أنَّه عمل به.
ومما يدل على ذلك ـ أنَّه لا خلاف في أنَّه لو طلقها قبل الفرض والدخول، كان لا مهر لها، فكذلك إذا مات قبلهما(2)، والمعنى أنَّه فراق حصل قبل الفرض والدخول، وأيضاً لو حصلت الفرقة بينهما في حال حياتهما، لم يجب لهما مهر، كذلك إذا حصلت بالموت، دليله لو كان جرى بينهما عقد فاسد، أو كانت أم ولد، يوضح ذلك أن الموت يقرر ما أوجب لها في حال الحياة، وقد علمنا أن قبل الموت لم يجب لها شيء، فوجب ألا يجب بالموت كما لا يجب بالإرتداد.
فإن قيل: فإن مهر المثل يجب بالعقد، فوجب أن يؤكد بالموت كالمسمى.
قيل له: لسنا نسلم أن مهر المثل يجب بالعقد، وإنما يجب بتراضيهما، أو بحكم الحاكم به مع اختيار الزوج لبقاء النكاح، ألا ترى أنَّه لو اختار فراقها، لم يحكم الحاكم به، وكذلك لو تراضيا بدونه، أو بأكثر منه، لم يجب، فبان أنَّه لا يجب بالعقد.
فإن قيل: الزوج قد ملك البضع بالعقد، وغير جائز استباحته بغير بدل، فإذاً قد ملك عليه البدل.
قيل له: لا نختلف أن هذا العقد يصح بغير بدل، وإنما يجب لها البدل بعد ذلك بشرائط ذكرناها، ألا ترى أنَّه لو لم يكن يصح إلاَّ بالبدل، لوجب(3) أن يفسده فساد البدل كالبيع والإجارة.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ب): قبلها.
(3) في (ب): لو وجب.(52/108)
فإن قيل: لولا أنَّه واجب لها، لم يحكم الحاكم لها به.
قيل له: قد(1) علمنا أن الحاكم يحكم لها مع اختيار الزوج لتبقية النكاح، ولسنا نختلف في أنها تستحق مهر المثل على بعض الوجوه، وإنما اختلفنا أنَّه يجب بالعقد أو بغيره.
فإن قيل: قد علمنا أنها تستحقه بالدخول، والدخول تصرف من الزوج فيما ملكه وتصرف الإنسان فيما يملكه لا يوجب عليه شيئاً، فإذاً الموجب هو العقد.
قيل له: لا خلاف بيننا وبينكم أن عقد الإجارة يملك المستأجر به المنافع، ولا يستحق الأجرة عليه بالعقد، وإنما يستحق باستيفاء المنافع، فلا يمتنع ألاَّ تستحق التي لم يسم لها مهراً بالعقد شيئاً، وإنما يستحق بالتصرف فيها، كالمؤاجر لا يستحق على المستأجر الأجرة بالعقد، وإنما يستحق باستيفاء المنافع.
فإن قيل: فالمطلقة(2) قبل الدخول والمسيس قد استحقت من مال الزوج شيئاً وهو /86/ المتعة، فوجب أن تستحق بالوفاة شيئاً من ماله.
قيل له: لا يمتنع من ذلك فإنها تستحق الميراث بالإجماع، ونفقة العدة، على أن المتعة لا تستحقها المرأة بالنكاح، وإنما تستحقها بالطلاق، بدلالة أنها لا تطالب بها إلاَّ بعد الطلاق، وقياسهم الموت على الدخول في إيجاب المهر لا يصح، وإنما يصح ذلك في تقرير المسمى، وذلك أن الدخول أوجب المهر؛ لأنَّه استيفاء منافع البضع، بدلالة أنَّه لو وطئها بعقد فاسد، لاستحقت المهر عليه، والموت لا يستوفى به منفعة، فلم يجب أن يكون سبيله سبيل الدخول في هذا الباب، وإنما وجب أن يتقرر المسمى به كالدخول لأن أحد موجبي العقد يحصل به، على ما بيناه في المسألة التي قبل هذه، على أن الموت يوجب الفراق، والفراق لا يوجب المهر، فيبطل ما اعتمدوه، وليس لهم أن يقولوا: إنها لما جعلت المطالبة لها بمهر المثل دل ذلك على ثبوته؛ لأنا لا نسلم ذلك. ونقول: إن لها المطالبة بأن يفرض لها ثُمَّ تطالب بعد ذلك بالمهر.
__________
(1) في (أ): وقد.
(2) في (أ): والمطلقة.(52/109)
ووجه رواية (المنتخب) ما أوردناه سائلين في مسألتنا هذه، والعمدة فيه أن يحيى عليه السلام حين قال ذلك لم يكن ثبت عنده جرح أمير المؤمنين عليه السلام لمعقل، وأما مع ثبوت ذلك، فلا قول إلاَّ ما في (الأحكام) على ما بيناه، فأما إذا مات بعد الدخول، فلا إشكال في وجوب المهر إذا المرأة قد استحقته بالدخول على ما بيناه في المسائل التي تقدمت، ولا وجه لإعادته.
مسألة [في عدم تسمية المهر مع حصول الدخول]
قال: وإذا ثبتت الزوجية، والبناء بين الزوجين، قُضى للمرأة بمهر مثلها، وهذا مما قد مضى شرحه وبيانه فيما تقدم في مواضع، والمراد به إذا لم يكن بينهما مهر مسمى، وإن تداعيا مسمى، واختلفا فيه، فالقول قول المرأة مع يمينها إلى مهر مثلها، وفيما زاد على ذلك يكون القول قول الزوج مع يمينه، وهذا مما نوضحه في كتاب الدعاوي والبينات [إن شاء الله تعالى] (1).
مسألة [فيما يوجب المهر]
قال: وإذا خلا الزوج بزوجته، وأُرخى الستر دونهما، وجب المهر كاملاً إذا كانت المرأة تصلح للجماع، ولو أُرخي الستر عليهما، ومعها في البيت غيرهما، ولم يمسها، لم يجب المهر كاملاً.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (2) و(المنتخب) (3).
وما ذكرناه من كونها ممن تصلح للجماع منصوص عليه في (المنتخب) (4).
والقول بأن الخلوة توجب جميع المهر قول علي عليه السلام، ورأى جميع أهل البيت عليهم السلام، لا أحفظ عن أحد منهم خلافاً فيه.
وروى نحو ذلك عن عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأحد قولي الشافعي، والقول المشهور للشافعي: إنها لا تستحق كمال المهر إلاَّ بالوطء.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) انظر الأحكام 1/401، 402.
(3) انظر المنتخب 129.
(4) انظر المنتخب 129.(52/110)