قيل له: قلنا ذلك في الموضع الذي سألتم عنه؛ لأنَّه ليس هناك ما يجوز أن يكون مهراً على وجه من الوجوه، وقد ثبت أنَّه لا بد في النكاح من المهر، فكذلك أوجبنا لها مهر المثل، وفي مسألتنا هذه قد سمى(1) لها ما يجوز أن يكون مهراً في الشرع، ورضيت المرأة بكمال مهر مثلها بما شرطت، وكمالها حق يتجرد(2)، فوجب أن يكون رضاها محكوماً به، ولم يكن كذلك فيما سألتم عنه؛ لأن ابتداء المهر، وإن كان لها فيه حق(3)، فإنه ليس بحق لها مجرد، بل هو حق الله(4) تعالى، فلم يكن رضاها بإسقاطه محكوماً به.
مسألة [في الزوجين إذا أسلم أحدهما]
وإذا كان الذمي تحته ذمية، فأيهما أسلم قبل صاحبه، وقعت الفرقة، وللمرأة المهر، كملاً إن كان الزوج دخل بها، أو نصف المهر إن لم يكن دخل بها. قد(5) نص في (الأحكام)(6) على ما ذكرناه من إيجاب المهر كملاً بعد الدخول، أيهما أسلم قبل صاحبه، ونص فيه على أن الرجل إذا أسلم قبل الدخول، ولم تسلم المرأة، كان لها نصف المهر، وكنا سوينا بين ذلك وبين أن تكون المرأة هي التي أسلمت قبل الدخول، فأقام(7) الزوج على الذمية في إيجاب نصف المهر لها تخريجاً، ثُمَّ تأملنا أصول يحيى عليه السلام أفضل تأمل، وراعينا ما حصله أبو العباس الحسني رحمه الله تعالى في /82/ (النصوص) من مذهبه في هذا الباب، فكان الأولى التفرقة بين المسألتين، وأن لا يحكم للمرأة بشيء من المهر إن كانت هي التي أسلمت قبل الدخول، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة على الضد من ذلك في المسألتين.
__________
(1) في (ب): يسمى.
(2) في (أ): يتجدد.
(3) في (ب): جزء.
(4) في (أ): لله.
(5) في (أ): وقد.
(6) انظر الأحكام 1/394، والكلام فيه حول من أسلم ثم ارتد قبل أن تسلم زوجته.
(7) في (أ): وأقام.(52/101)
ووجه ما قلناه من أن المهر يجب كملاً إذا أسلم أيهما كان بعد الدخول، مع أنَّه مما لا أحفظ فيه خلافاً أن الوطء قد وقع في نكاح صحيح، فوجب أن يحصل به استحقاق المهر كملاً، ولم يجب أن يبطل ما استحقته من ذلك بما طرأ على النكاح مما أوجب فسخه وارتفاعه.
ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <فإن دخل بها، فلها المهر بما استحل من فرجها>، فأوجب المهر بالدخول في النكاح.
وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه لما لاعن بين عويمر العجلاني، وبين زوجته، قال عويمر: مالي مالي ـ يعني ما أعطاها من المهر ـ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: <لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فيما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد>، فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنها قد استحقت المهر بما استحل من فرجها، وأما إذا كان الإسلام قبل الدخول، فمن أيهما وقع، كانت الفرقة من جهته، فإن كان الزوج هو الذي أسلم، فالفرقة من جهته، فوجب أن يحكم لها بنصف المهر، لأن الفرقة إذا كان من جهة الزوج، وجب ذلك،
وإن كانت المرأة هي التي أسلمت دون الزوج، فالفرقة من جهتها، فوجب أن لا يحكم لها بشيء من المهر؛ لأن الفرقة متى جاءت من قبلها قبل الدخول، بطل حقها من المهر.
فإن قيل: إن الإسلام لا يوجب الفرقة، وإنما الموجب لها هو الكفر، فوجب أن يقال في المسألتين على الضد مما قلتم.(52/102)
قيل له: عندنا أن الإسلام قد يوجب الفرقة كما يوجبها الكفر؛ لأن الله تعالى حرم النكاح بين المؤمنين والكافرين، فلم يكن الكفر(1) أن تتعلق به الفرقة أولى من الإسلام، فإذا ثبت ذلك، كان الأولى بأن يتعلق حكم الفرقة بالطارئ منهما دون الثاني(2)؛ لأنَّه هو المجاوز للحكم، ألا ترى أنهما لو بقيا على ذمتهما، لم تقع الفرقة، بينهما حتى إذا أسلم أحدهما حصلت الفرقة فكان الإسلام هو المجاوز للحكم، فيجب أن يكون هو العلة، ألا ترى أن المسلمين إذا ارتد أحدهما حصلت الفرقة بينهما، فكان سبب الفرقة بينهما هو الكفر؛ إذ هو المجاوز للحكم دون الإسلام الذي لو بقيا عليه لم تجب الفرقة.
فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: إن الإباء للإسلام هو الموجب للفرقة في مسألة الذميين، فيكون هو المجاوز للحكم، ويبطل على هذا ما ذهبتم إليه؟
قيل له: ليس إباء من أبى منهما الإسلام، أكثر من بقائه على الكفر، وليس ذلك بأمر طارئ، وإنما الطارئ هو ،الإسلام فكان تعليق الحكم به أولى.
فإن قيل: أو ليس قد قال يحيى(3) عليه السلام في الذمية البالغة إذا كانت تحت ذمي صغير، فأسلمت: إنها(4) توقف إلى أن يبلغ الزوج، فيسلم، أو يكفر، فلم يجعل طرو الإسلام موجباً للفرقة؟
قيل له: لا نسلم(5)؛ لأنا لا نجعل طرو الإسلام موجباً للفرقة في كل موضع، وإنما نقول: إن الفرقة إذا حصلت، فتعلقها بالإسلام الطارئ أولى من تعليقها بالكفر الباقي، وفي المسألة التي ذكرتها لم /83/ تحصل الفرقة لأنها لا تحصل عندنا بمجرد الإسلام مالم يضامه انقضاء العدة في المدخول بها.
مسألة [في ردة الزوج أو الزوجة]
قال: وإذا ارتد الرجل عن دينه، وجب للمرأة عليه المهر، وإن ارتدت دونه، فلا مهر لها تخريجاً، إلاَّ أن يكون دخل بها.
__________
(1) في (أ): للكفر بأن.
(2) في (أ): الباقي.
(3) انظر الأحكام 1/395.
(4) في (ب): إلى أنها.
(5) في (ب): يلزم.(52/103)
أصول يحبى بن الحسين صلوات الله عليه توجب ما ذكرناه؛ لتنصيصه على أن الردة توجب الفرقة(1)، وتعليقه حكم الفراق بالطارئ، فإذا طرأت الردة على الإسلام فيجب أن تكون الفرقة من جهة من ارتد من زوج أو زوجة، على ما بيناه في المسألة التي قبلها، فلذلك(2) قلنا إن الردة إن كانت من الزوج، وجب للمرأة نصف المهر، وإن كانت من المرأة، فلا شيء لها؛ لأن الفرقة تكون من قِبَلها، فلذلك(3) لم نوجب لها شيئاً من المهر، فإما إن وقعت الردة من أيهما كان بعد الدخول، فيجب المهر؛ لأن الطارئ على النكاح طرأ بعد استحقاق المرأة ما استحقته من المهر بدخول الزوج، فلا يبطل ما استحقته، كما لا يبطل سائر حقوقها من الأموال على ما أوضحناه في المسألة التي قبل هذه.
مسألة [في تسمية المهر بعد العقد]
قال: وإذا تزوج الرجل المرأة، ولم يفرض لها مهراً، ثُمَّ فرض لها بعد العقد، لزمه ما فرض لها.
وهذا منصوص عليه في (المنتخب) (4).
وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف إذا فرض لها بعد العقد، وطلق المرأة قبل الدخول بها، فإن أبا حنيفة قال: يسقط المسمى، وتجب المتعة، وقال الشافعي: يجب نصف المسمى، وعليه يدل ظاهر قول يحيى عليه السلام؛ لأنَّه قال في أول النكاح من (الأحكام) (5)، وحكم التي لم يدخل بها، ووقع طلاقها، بنصف ما فرض لها، فلم يشرط(6) أن يكون الفرض مع العقد أو بعده.
والدليل على صحة ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمُسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيْضَةً فَنِصْف مَا فَرَضْتُمْ} فأوجب نصف المهر المفروض، ولم يستثن ما فرض منه بعد العقد للنكاح، فوجب أن يستوي فيه حكم ما فرض مع العقد أو بعده.
__________
(1) انظر الأحكام 1/394، 395.
(2) في (أ): فكذلك.
(3) في (أ): فكذلك.
(4) انظر المنتخب 130.
(5) انظر الأحكام 1/341.
(6) في (أ): يشترط.(52/104)
ويقاس على التسمية في حال العقد، بعلة أنَّه تسمية مهر صحيح، فوجب أن تستحق المطلقة قبل الدخول نصفه، ويمكن أن يقال: هو مسمى يستقر بالموت، أو الدخول(1) فوجب أن تستحق المطلقة قبل الدخول نصفه.
فإن قيل: هو بمنزلة مهر المثل فوجب أن يسقطه الطلاق.
قيل له: هذا شاهد لملتنا؛ لأن مهر المثل لما لم يكن مسمى مفروضاً، أسقطه الطلاق كله، فأما أن يسمى مهر المثل وفرض، فإنه لا يسقطه عندنا الطلاق، بل يجب نصفه.
فإن قيل: فإن هذه التسمية ملحقة بالعقد، وقد بطل العقد، فوجب أن يبطل ما أُلحق به.
قيل له: وما في أنها ملحقة بالعقد ما يوجب بطلانه ببطلان العقد، ألا ترى أن المسمى مع العقد تعلقه بالعقد أوكد من تعلق الملحق به، ولم يجب أن يبطل المسمى مع العقد لبطلان العقد، فوجب أن لا يبطل الملحق بالعقد لبطلان العقد، على أنا وجدنا الطلاق من شأنه أن يقرر نصف ما يقرره الموت والدخول، فكما أن المسمى بعد العقد يقرره الموت والدخول، وجب أن يكون الطلاق يقرر نصفه.
مسألة [في موت أحد الزوجين بعد تسمية المهر]
قال: وإذا تزوجها على مهر معلوم، فمات أحدهما قبل الدخول، أو بعده، وجب المهر كاملاً.
نص في (المنتخب) (2) في مسألة الصغيرين إذا زوجهما أبواهما وهما طفلان راضعان، فمات الصبي أن المهر يلزم.
ونص في (الفنون) (3) على /84/ أن موت المرأة قبل الدخول يوجب المهر، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً إلاَّ عن الناصر عليه السلام، فقد حكي عنه أنَّه كان يشبه الموت بالطلاق، ويوجب بالموت نصف المهر كما يوجب بالطلاق، والإجماع يحجه، ويعترض قوله، لأن الصدر الأول اختلفوا فيمن مات، [ولم يفرض] (4) ولم يدخل، فأما من مات وقد فرض، فلم يختلفوا فيه.
__________
(1) في (ب): والدخول.
(2) انظر المنتخب 128.
(3) انظر الفنون 427 ـ 428.
(4) سقط من (أ).(52/105)