قيل له: لا يشبه ذلك نكاح الشغار من وجه، وذلك أن نكاح الشغار يقع عقده فاسداً؛ لأن فيه استثناء بعض ما أوجبه العقد على ما سلف القول فيه، ولا خلاف أن العقد الذي ذكرناه يصح، وإنها الخلاف في إيجاب مهر آخر سوى ما لزمها من القيمة، على أن نكاح الشغار ليس فيه إيجاب(1) مال، وقد بينا أن ما اختلفنا فيه مال به انعقد النكاح.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون مالزمها من ذلك لا يجوز أن يُجعل، صداقها، لأنَّه قيمتها، وهي مجهولة؟
قيل له: قد يجوز أن تكون قيمتها معلومة لهما جميعاً، فسقط هذا السؤال، على أنها وإن كانت مجهولة، فلا يفسد(2) أن يكون مهراً؛ لأن دخول الجهالة في المهر لا تبطله، ألا ترى أنَّه لو تزوجها على وصفٍ موصوف، أو غير موصوف، جاز ذلك، ولم يجب الرجوع إلى مهر المثل، وقد بينا فيما تقدم أن من تزوج على مكاتب، أو مُدَّبر، أو أم ولد، وجب الرجوع إلى قيمتهم دون مهر المثل، والأصول تشهد لصحة ما ذهبنا إليه، وذلك أنَّه لا خلاف أن من تزوج امرأة على سكنى دار مدة، أو خدمة عبد مدة، جاز ذلك؛ لتعلق جميع ذلك بضمان ماهو مال، وقد حكي عن زفر أنَّه قال: إن امتنعت أن تتزوجه بعد ذلك، لم تضمن شيئاً، ووجه ما ذهبنا إليه أنَّه اعتقها برضاها على بدل اشترطه عليها، فلما امتنعت من البدل، لزمتها(3) قيمة ما أفادتته من ملكه دليله لو أفاتته غير ذلك من ملكه.
مسألة [في عتق الأمة قبل مراضاتها أن عتقها مهرها]
قال: ولو أنَّه قال: قد أعتقتك قبل مراضاتها، وقوله لها: قد جعلت عتقك مهرك، ثُمَّ أبت المرأة أن تتزوجه، لم يكن عليها شيء.
وهذا منصوص عليه في (لأحكام) (4).
__________
(1) في (ب): إيجاب بمال.
(2) في (أ): يبعد.
(3) في (أ): لزمها.
(4) انظر الأحكام 369، 370.(52/96)


ووجهه أنَّه أعتقها من غير أن يشترط(1) عليها بدلاً من عتقها، فوقع العتق، فلم يكن له عليها سبيل، كما أنَّه لو أعتقها من غير هذا الحديث عتقاً مطلقاً، لم يكن له عليها سبيل.
مسألة [في المرأة تهب مهرها لزوجها قبل الدخول]
قال: ولو أن رجلاً تزوج امرأة على مملوك، فقبضته منه، ثُمَّ وهبته له قبل أن يدخل بها على سبيل صلة الرحم إن كان بينهما، أو كانت الهبة لوجه الله تعالى، ثُمَّ /80/ طلقها قبل أن يدخل بها لم يكن لها أن ترجع عليه فيما وهبته، وكان له أن يرجع عليها بنصف قيمة العبد، وإن كانت وهبته له استعطافاً له واستمالة لقلبه، كان لها أن ترجع عليه بالعبد، وله أن يرجع عليها بنصف قيمته.
وهكذا القول لو تزوجها على عين(2) أو وُرق أو غيرهما.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (3).
أما الكلام في أحكام الهبات وما يجوز الرجوع فيها، ومالا يجوز، فسيأتي في كتاب الهبات إن شاء الله تعالى.
ووجه قولنا: إنها لو وهبت(4) مستميلة لقلبه، جاز لها الرجوع فيها؛ لأن هذه هبة على ما يجري مجرى العوض، فإذا فقدت العوض، جاز لها الرجوع فيها، كما لو وهب واهب على عوض معين جاز له الرجوع فيها متى لم يصل إلى العوض.
__________
(1) في (أ): يشترط.
(2) في (ب): غيره.
(3) انظر الأحكام 1/370، 371.
(4) في (أ): وهبته.(52/97)


ووجه قولنا: إن الزوج يرجع عليها بنصف قيمة العبد: أن الطلاق يوم وقع لم يكن العبد في ملك المرأة، وكان في حكم المستهلكات، لأنها تملكه بالرجوع وإجابة الزوج، أو حكم الحاكم، فإذا كان كذلك، لم يستحق الزوج عليها إلاَّ نصف قيمته؛ لأن سبيلها سبيل من أخذ العبد، ثُمَّ استهلكه، ثُمَّ طلقها الزوج قبل الدخول في أنَّه لايرجع عليها إلاَّ بنصف قيمة العبد، ورجوع العبد عليها بعد ذلك لا يغير حكم استحقاق الزوج لما استحقه، وكذلك الهبة إن كانت هبة لا يجوزالرجوع فيها يجب للزوج نصف قيمة العبد لكون العبد مستهلكاً، قال أبو حنيفة: لا يرجع عليها بشيء، لأن ما استحقه قد رجع إليه بغير ضمان، وهذا غير مسلم، لأن ما استحقه الزوج في تلك الحال نصف قيمة العبد دون العبد على ما بيناه، على أنَّه لا يخالف أن ذلك لو كان ذهباً أو وُرْقاً، رجع عليها بنصف ذلك، فكذلك ما سواهما، والعلة أنَّه نصف ما قام مقام المهر، على أن رجوع ذلك إليه من غير ضمان لا معتبر به إذا لم يرجع إليه من الجهة التي استحق.
فأما إن كان العبد قائماً بعينه على ما كان عليه يوم قبضه، فالمذهب يقتضي أن يكون بين الزوج والزوجة نصفين، وكذلك إن كان ما تزوجها عليه عيناً، أو وُرْقاً، أو غيرهما، ثُمَّ طلقها قبل الدخول، والأصل في جميع ذلك قول الله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ..} الآية.
مسألة [في الشرط في النكاح]
قال: فإن تزوجها على أن يكون المهر عليها، كان الشرط فاسداً، وللمرأة على الرجل مهر مثلها، وكذلك لو تزوجها على أن لا يخرجها من مصرها، أو من قرب والديها، أو على أن يكون الجماع بيدها، أو الطلاق، كان ذلك كله فاسداً، فإن كانت نقصت من أجل ذلك الشرط شيئاً من مهرها، كان لها مهر مثلها متى لم يفِ الزوج بما شرط لها تخريجاً، وكذلك لو شرط الزوج لنفسه عليها أن لا ينفق عليها، أو تنفق هي عليه، لم يلزمها الوفاء له به.(52/98)


وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) (1)، خلا ما ذكرناه من التخريج فإنه مخرج على ما نص عليه في (المنتخب) (2) فيمن باع وشرط شرطاً ثبت البيع دونه إذا نقص من الثمن شيئاً للشرط، كان له الرجوع فيما نقص متى لم يقع الوفاء بالشرط.
ووجه قولنا: إن الرجل إذا تزوج على أن يكون المهر على المرأة فسد الشرط، ووجب لها مهر المثل، لأن بضع المرأة هو الذي يملك عليها، فلا /81/ يجوز أن يلزمها العوض، فوجب فساد هذا الشرط، ولم يفسد النكاح؛ لأن الأصل في الشروط الفاسدة أنها لا تفسخ النكاح إذا لم يقتض وقوع العقد على غير وجه الصحة، وكان الشرط منفرداً عن العقد، وأوجبنا فيه مهر المثل؛ لأنَّه نكاح بعقد بغير مهر، وقد مضى الكلام في أن النكاح المعقود على غير مهر يجب فيه مهر المثل، فلا وجه لإعادته، وكذلك سائر الشروط التي ذكرناها لا تثبت، لأنها لا يقتضيه العقد، وتقع منفردة عن العقد، فلا يجب الوفاء بها.
__________
(1) انظر الأحكام 1/376، 358، 359.
(2) انظر المنتخب 194 ـ 195.(52/99)


ووجه قولنا: إنها إن كانت نقصت من أجل ذلك الشرط شيئاً من مهر مثلها، كان لها مهر مثلها، إذا لم يَفِ الزوج بتلك الشروط؛ لأنَّه شرط منفعة مع المسمى من المهر، فكانت المنفعة المشروطة جارية مجرى تمام مهر مثلها، ولم يلزم الزوج تسليمها؛ لأنها ليست مهراً صحيحاً، فلما كان ذلك كذلك، ولم يفِ الزوج لها بذلك، وجب أن تبلع بالمسمى مهر المثل؛ إذ لا بد مما يقوم مقام المنفعة المشروطة، كما أنَّه لو تزوجها على مسمى دون مهر مثلها وعبد فوجد العبد حراً أنه لا بد لها مما يقوم مقام العبد المشروط؛ لأنها لم ترضَ بدون مهر مثلها إلاَّ مع المنفعة المشروطة لها، يكشف ذلك أن من باع عبداً بثمن لا يلزمه تسليم العبد إلاَّ بعد استيفاء ماهو عوض للعبد، فكذلك المرأة لا يلزمها تسليم بضعها إلاَّ بعد استيفاء ماهو عوض له، وكمال عوضه هو مهر مثلها، أو المسمى مع المنفعة المشروطة لها، فوضح ما بيناه أن الزوج متى لم يَفِ لها بالمنفعة المشروطة التي كان المهر مقصراً لأجلها عن كمال مهر المثل، لزمه تبليغ مهر مثلها.
فإن قيل: أليس لو تزوجها على هذه المنفعة من غير مسمى أوجبتم(1) لها مهر المثل، وإن وفى بالشرط، فما أنكرتم على من قال لكم: إنَّه لا بد لها من كمال مهر مثلها، وإن وفي الزوج بالشرط؟
__________
(1) في (أ): أو ضم. والصواب ما أثبتناه في هامشها.(52/100)

104 / 142
ع
En
A+
A-