المثل، وإن وجب ذلك على بعض الوجوه، على أن الشافعي يقول: إن المهر هو المسمى لها دون ما شرط للولي، فلا وجه لإفساد المهر بفساد ما ليس منه بسبيل.
ويؤكد ما ذهبنا إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أدوا العلائق). قيل: وما الطلاق؟ قال: (ما تراضى به الأهلون)، وفي مسألتنا هذه قد رضي(1) الأهلون بالمسمى فوجب أداؤه.
وبقوله: (المؤمنون على(2) شروطهم)، وقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}.
وروى أبو داود في (السنن) (3) بإسناده عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (أحق الشروط أن توافوا(4) به ما استحللتم به الفروج).
فإن قيل: فهذه الظواهر توجب أن يكون أحد المسمين للولي، وذلك خلاف مذهبكم.
قيل له: ذلك مخصوص بالإجماع؛ إذ لم /77/ يقل أحد أن الولي يستحق ذلك، فسقط، وإذا سقط ذلك، وجب الوفاء بالمسميين، ووجب أن يكونا جميعاً للمرأة.
وحكى ابن أبي هريرة في (التعليق) عن الشافعي أنَّه قال في (الأم): إنَّه إن تزوجها على ألفين على أن يعطي أباها ألفا، كان ذلك جائزاً، وكان الألفان مهراً لها، وهذا يمكن أن يجعل أصلاً يقاس عليه ما اختلفنا فيه، ويمكن أن يعترض به على جميع ما استُدل من جهة فساد المهر إذا تزوجها على ألف وعلى أن لأبيها ألفاً، وتحرير القياس أن يقال: قد أجمعنا على أنه إذا تزوجها على ألفين، على أن يعطي أباها ألفاً، صح المهر، فكذلك ما اختلفنا فيه، والعلة أن الألفين جُعلاً عوضاً للبضع، فوجب أن لايفسد لاشتراطه بعضه لوليها.
مسألة [في الرجل يظهر للمرأة أكثر من المسمى]
قال: ولو أن رجلاً تزوج امرأة على مهر معلوم، وأظهر لها فوق ذلك، لزمه ما أظهر، إلاَّ أن يقيم البينة على ما أسر، فإن لم يقم بينة، فعلى المرأة اليمين.
__________
(1) في (أ): تراضي.
(2) في (أ): عند.
(3) أخرجه أبو داود في السنن 2/250.
(4) في (أ): أن توافوا به فاستحللتم به من الفروج.(52/91)


وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) ومروي فيه عن القاسم عليه السلام.
ومعنى قولنا: إنَّه يلزمه ما أظهر ـ إنَّما هو في ظاهر الحكم، فأما فيما بينهما وبين الله تعالى، فعليهما أن يتصادقا، والمهر هو مهر السر فيما بينهما وبين الله تعالى؛ لأن النكاح انعقد عليه، والزائد تسمية لا حكم له، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
ووجهه: أن الذي أُظهر من المهر قد ثبت، فإذا ادعى الزوج أن بعض الثابت لا حكم له، وأنكرته المرأة، صار الزوج مدعياً، والمرأة منكرة، فوجبت البينة على الزوج، واليمين على المرأة؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <البينة على المدعي، واليمين على(2) المنكر>.
فإن قيل: ألستم قد قلتم في قِيم المتلفات إذا اختلف فيها الْمُتلِف ورب الشيء أن البينة على مدعي الأكثر، واليمين على المنكر، فكيف جعلتم البينة في هذه المسألة على الزوج وعلى أن المرأة هي التي تدعي الأكثر؟
قيل له: ليس الإعتبار في هذا الباب بالقلة والكثرة، وإنما الإعتبار بالدعوى والإنكار، والمدعي هو الذي يدعي خلاف الظاهر، والمنكر هو المستصحب للظاهر، والبينة أبداً على المدعي، واليمين على المنكر المدعَى عليه، ألا ترى أن رجلاً لو أقر لرجل بألف درهم، ثُمَّ ادعى بعد ذلك أنَّه قد ابرأه المقر له من خمسمائة درهم، كانت اليمين يمين المدعي للأكثر؛ لأنَّه هو المنكر في الحقيقة، والمستصحب لظاهر الإقرار، فكذلك في مسألتنا هذه.
مسألة [في الوكالة في النكاح]
قال: ولو أن رجلاً قال لرجل: زوجني فلانة بألف درهم، فزوجه إياها بألفين، وأجاز ذلك الرجل، جاز، وإن لم يُجز، بطل، وإن قال: أرضى بالعقد، ولا أرضى من المهر إلاَّ بألف، عرض ذلك على المرأة، فإن رضيت، ثبت النكاح، وإن أبت، انفسخ.
__________
(1) انظر الأحكام 1/354.
(2) في (أ): المدعى عليه.(52/92)


ولو أن رجلاً وكل وكيلاً بتزويج(1) حرمته على ما يرى من المهر، فزوجها على دون مهر مثلها بما يتغابن بمثله الناس، جاز، وإن كان مما لا يتغابن في مثله الناس، كان لها مهر مثلها، فإن أحب الزوج، وفاها(2)، وإن أحب، فارقها، ولها نصف ما سمى لها، وإن زوجها على أكثر من مهر مثلها، جاز.
وجميعه منصوص عليه في (الأحكام) (3).
ووجه مسألتنا الأولى أن الرجل لما قال لوكيله: زوجني فلانة على ألف درهم، فزوجه إياها بألفين، كان العقد الواقع غير ما أمر به الموكِل، فوجب أن لا ينبرم، وإن توقف على إجازته، فكذلك قلنا: إنَّه إن أجاز جاز، وإن لم يُجز، بطل، فإن قال: رضيت بالعقد دون المهر لا يكون أيضاً العقد على جهته، فلم يجب أن ينبرم، ولم يخرج من أن يكون موقوفاً على رضى المرأة، ألا ترى أنَّه رضي بغير ما وقفت المرأة عليه، فجرى ذلك مجرى أن يقول: أجزت العقد بشرط أن /78/ ترضى المرأة بألف، فلم يجب أن تكون إجازته مطلقة، فلذلك قلنا: إنها إن رضيت، ثبت النكاح، فإن أبت، انفسخ النكاح.
ووجه المسألة الثانية: أن وكيل ولي المرأة إذا زوج بما يتغابن في مثله الناس من مهر مثلها لم يكن عليه معترض؛ لأنَّه يكون فعل ما وكل به، وما وقع فيه من التقصير في حكم مالم يقع.
فأما إذا زوَّجها بدون مهر مثلها بما لا يتغابن بمثله الناس، فالعقد ثابت بينه وبين الزوج، وإنما يقع للمرأة الخيار بين أن ترضى(4)، أو تطالب بكمال مهرها، فإن امتنع الزوج من ذلك، طلقها، ولزمه لها نصف المسمى؛ لأنَّه طلاق وارد قبل الدخول مع التسمية، فوجب نصف المسمى.
فأما إن كان زوَّجها على أكثر من مهر مثلها، فهو جائز؛ لأن العقد وقع على زيادة رضي بها الزوج.
مسألة [في جعل عتق الأمة مهرها]
__________
(1) في (أ): بتزوج.
(2) في (أ): وفاها.
(3) انظر الأحكام 1/403، 373، 374.
(4) في (أ): ترضى به.(52/93)


قال: ولا بأس أن يجعل الرجل عتق أمته مهرها ويتزوجها عليه، فإذا أراد ذلك، فليراضيها على ذلك، فإن رضيت قال: قد جعلت عتقك مهرك، فأنت على ذلك حرة لوجه الله تعالى، ويُشهد على ذلك تأكيداً، فإن أبت الأمة أن تتزوجه بعد ذلك، لزمتها قيمتها تسعى فيها.
وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1)، وقال الشافعي، وأبو حنيفة، ومحمد، يجب لها المهر إن تزوجته بعد ذلك. والأصل فيه: ما أخبرنا به محمد بن عثمان النقاش، حدثنا الناصر للحق الحسن بن علي، عن محمد بن منصور، عن(2) راشد، عن نصر، عن إسرائيل، عن أبان، عن ابن عباس، عن أنس، قال: أعتق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صفية، وجعل عتقها صداقها.
وأخبرنا أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا محمد بن خزيمة، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان، وحماد بن زيد، قال: حدثنا شعيب بن الحبحاب، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها(3).
وأخبرنا أبو بكر المقري، حدثنا الطحاوي، حدثنا أحمد بن دواد، حدثنا يعقوب بن حميد، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عون، قال: كتب إليَّ نافع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ جويرية في غزوة بني المصطلق، فأعتقها، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، أخبرني بذلك عبدالله بن عمر، وكان في الجيش(4).
فإن قيل: روي عن عائشة أنها قالت: أن جويرية بنت الحارث كانت وقعت في سهم لثابت بن قيس، أو لابن عمر، فكاتبته، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تستعين به على كتابتها، قالت فقال لها: <فهل في خير من ذلك أقضى عنك كتابتك، وأتزوجك؟> قالت: نعم. قال: <قد فعلت>، فدل ذلك على تزوجه إياها صلى الله عليه وآله وسلم بعد عتقها.
__________
(1) انظر الأحكام 369 ـ 370.
(2) في (ب): بن. وهو وهم.
(3) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/20.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/20 وفيه عن ابن عون.(52/94)


قيل له: ليس في الحديث أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم أدى كتابتها حتى عتقت، ثُمَّ تزوجها، وإنما فيه أنَّه عرض ذلك عليها، ويجوز أن يكون الأمر لم يتم في ذلك حتى ملكها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثُمَّ أعتقها، وجعل عتقها صداقها، ليكون ذلك جمعاً بين الخبرين، على أن عائشة ذكرت أنها كانت في سهم لثابت، أو لابن عمر، فلم تكن عرفت القصة على التحقيق، على أن جويرية إن كانت في سهم ابن عمر، فهو لا شك أعرف بحقيقة الأمر من عائشة، فيجب أن يحمل قول عائشة على قول ابن عمر وروايته.
فإن قيل: فيحتمل أن يكون ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّه كان جائزاً له /79/ أن يتزوج بغير صداق، وذلك غير جائز لنا.
قيل له: ليس في الحديث أنَّه تزوجها بغير صداق، وإنما فيه أنَّه جعل عتقها صداقها فهو إذاً لم يتزوجها إلاَّ بالصداق، وإنما جعل عتقها صداقها، وذلك مما لا حجة لكم فيه.
ومما يدل على ذلك أنَّه لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة ومحمد أنَّه لو راضاها على ذلك، ثُمَّ أعتقها، فامتنعت من أن يتزوجها، أن له عليها قيمتها تسعى فيها، فإذا ثبت ذلك ثبت، أن هذا العتق قد ألزمها مالاً، فغير ممتنع أن يتزوجها على ذلك المال، ألا ترى أنَّه لو اعتقها على ألف، كان له أن يتزوجها بذلك الألف، فكذلك ما اختلفنا فيه، والعلة أنَّه تزوجها على مال موجِب للعتق، وليس قولنا في صفة المال أنَّه موجَب بالعتق؛ لأنَّه من صفات العلة، بل لبيان جهة المال، وإلا فالعلة أنَّه تزوجها على مال، فليس لأحد أن يدعي علينا أنا زدنا في العلة وصفاً لا يؤثر.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون سبيله سبيل نكاح الشغار؟(52/95)

103 / 142
ع
En
A+
A-