والثاني: إنَّه بين ما يقوله الإمام، ولم يذكر فيه ربنا لك الحمد، فإذا ثبت ذلك في الإمام، كان سبيل المنفرد سبيل الإمام؛ لأنَّه لا إمام له، فلذلك قلنا: إن الإمام والمنفرد يقتصران على أن يقولا: سمع اللّه لمن حمده.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع: (( سمع اللّه لمن حمده، ربنا لك الحمد )).
قيل له: وردت في هذا روايات تدل على أن ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك بعد قوله: سمع اللّه لمن حمده، قاله على سبيل القنوت(1).
وروى أبو جعفر بإسناده، عن عبيد الله عن أبي رافع، عن علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّه كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: (( اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد )).
وروى مثله عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وزاد: (( أنت أهل الثناء والمجد، وأحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ))(2).
وروي عن أبي هريرة أنَّه قال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه من الركوع يقول: (( سمع اللّه لمن حمده، ثم يقول: ربنا لك الحمد، اللّهم أنج الوليد بن الوليد ))(3).
فبان بما ذكرناه أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم ما زاد على قوله: سمع اللّه لمن حمده، إلاَّ على سبيل القنوت.
مسألة [ ويعتدل ثم يسجد واضعاً يديه قبل ركبتيه ]
قال: وإذا اعتدل قائماً، خرَّ لله ساجداً، ثم قال: (( اللّه أكبر ))، ويبدأ بوضع يديه قبل ركبتيه على الأرض.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/239. وفيه: عبد الله، بدل عبيد الله.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/239.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/239 ـ 240.(16/20)


قال في (الأحكام)(1): "فإذا اعتدل قائماً حتى ترجع مفاصل ظهره إلى مواضعها، كبر، وخر ساجداً". ونص في (المنتخب)(2) على وضع اليدين قبل الركبتين.
ذكر الاعتدال لما في الخبر الذي ذكرناه من مسألة صفة الركوع، وهو حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( فإذا رفعت رأسك من الركوع، فأقم صلبك حتى يقع كل عضو مكانه )).
وأخبرنا(3) أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن أبي داود، حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثني سليمان بن بلال، قال: حدثني شريك بن أبي نمر، عن علي بن يحيى، عن عمه رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان جالساً في المسجد، فدخل رجل فصلى، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إليه: فقال: (( إذا قمت في صلاتك، فكبر، ثم اقرأ إن كان معك قرآن، وإن لم يكن معك قرآن، فاحمد اللّه، وكبر، وهلل، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم قم حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، فإذا فعلت ذلك، فقد تمت صلاتك، وما ينقص من ذلك فإنما ينقص من صلاتك )). فأمر صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعتدل بعد الركوع قائماً.
وأما التكبير إذا خر ساجداً، فقد تظاهرت به الأخبار، وهو مما لا خلاف فيه.
وأما وضع اليدين قبل الركبتين، فقد اختلف فيه، ورأى كثير من الفقهاء أن يضع ركبتيه قبل يديه.
ووجه ما اخترنا من ذلك ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا علي بن عبد الرحمن، حدثنا أصبغ بن الفرج، حدثنا الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه كان إذا سجد، بدأ بوضع يديه قبل ركبتيه، وكان يقول: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصنع ذلك(4).
__________
(1) ـ الأحكام 1/94.
(2) ـ المنتخب ص41.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/232.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/254.(16/21)


وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا صالح بن عبد الرحمن، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا محمد بن عبدالله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (( إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن يضع يديه قبل ركبتيه ))(1).
فإن قيل: روي عن أبي هريرة خلافه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه شبه وضع اليدين قبل الركبتين ببروك البعير.
قيل له: خبرنا أولى؛ لأن الذي فيه من التشبيه أصح، وذلك أن البعير أول ما يضع على الأرض المفصل الذي في يديه، وذلك المفصل يجري من البعير مجرى الركبة من بني آدم، فاعتماد الإنسان على ركبتيه قبل يديه أشبه ببروك البعير على ما بيناه.
فإن قيل: فقد انفرد حديث وائل بن حجر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يضع يديه قبل ركبتيه(2).
والنظر أيضاً يؤكد ما اخترناه من وضع اليدين قبل الركبتين، وذلك أنا وجدنا الأحكام الشرعية المتعلقة باليد والرجل تبدأ بما يكون من حكم اليد على حكم الرجل مثل الطهارة والقطع، ولم نجد حكم الرِّجل يبدأ به على حكم اليد، فوجب أن يبدأ بوضع اليدين قبل وضع الركبتين، وليس لأحد منهم أن يرجح مذهبه بأنه أشق؛ لأنا لا نعلم في كل موضع أن الأشق أولى، كيف وقد قال اللّه عزَّ وجل: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدَّيْنِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:87].
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/254. وفيه: ثم ركبتيه.
(2) ـ في هامش (ب): هنا سقط لا يستقيم الكلام من دونه، والذي في شرح القاضي زيد في هذا الموضع: (( فإن قيل روي في حديث وائل بن حجر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يضع ركبته قبل يديه. قلنا: هذا معارض بما رواه السيد المؤيد بالله بإسناده، عن نافع، عن ابن عمر، أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يضع يديه قبل ركبتيه )).(16/22)


فإن قيل: إن ذلك أولى؛ لأنَّه على التوالي يبدأ بالركبتين ثم باليدين، ثم بالجبهة؟
قيل له: خلاف ذلك أولى؛ لأن الطهارة عبادة موضوعة على خلاف التوالي، ولو اعتمدنا ذلك كان أولى.
مسألة [ في هيئات السجود وكيفيته ]
قال: ثم يسجد، فيمكن جبهته من الأرض، ويضع أنفه مع جبهته، وليس وضع الأنف على الأرض بفرض، ويخوي في سجوده، ويمد ظهره، ويسوي آرابه، وينصب قدميه، ويجعل كفيه حذاء خديه، ويضم أصابعه، ويفرج آباطه، ويبين عضديه ومرفقيه عن جنبيه، وإن كانت امرأة تضممت، ثُمَّ قال في سجوده: "سبحان الله الأعلى وبحمده"، ثلاثاً.
جميع ذلك منصوص عليه في (الأحكام)(1)، غير ضم الأصابع، وتضمم المرأة، فإنهما منصوصان عليهما في (المنتخب)(2)، وأن وضع الأنف ليس بفرض رواه في (الأحكام)(3)، عن جده القاسم عليه السلام.
والأصل في ذلك الأخبار الواردة، منها:
ما أخبرنا به أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن مرزوق، حدثنا أبو عامر، حدثنا فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل الساعدي: اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد، فذكروا صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان إذا سجد مكّن أنفه وجبهته من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذاء منكبيه(4).
وأخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: أخبرنا الطحاوي، حدثنا أبو أمية، حدثنا الحماني، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، قال: رأيت البراء إذا سجد، خوى، ورفع عجيزته، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل.
__________
(1) ـ انظر الأحكام 1/132.
(2) ـ انظر المنتخب ص41.
(3) ـ انظر الأحكام 1/132.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/257.(16/23)


وأخبرنا أبو بكر المقرئ، حدثنا الطحاوي، حدثنا علي بن شيبة، حدثنا أبو صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن جعفر بن ربيعة، عن عبدالرحمن بن هُرمُز، عن عبدالله بن بحينة أنَّه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سجد فرَّج بين ذراعيه، وبين جنبيه حتى يُرى بياض إبطيه(1).
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا الطحاوي، حدثنا أبو بكرة، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سجد، يجعل يديه حيال أذنيه(2).
وأخبرنا أبو بكر، حدثنا الطحاوي، حدثنا ابن أبي داود، حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جُحَادة، حدثنا عبد الجبار بن وائل بن حجر، قال: صليت ـ وكنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي ـ، فحدثني وائل بن علقمة، عن أبي ـ وائل بن حجر ـ، قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان إذا سجد، وضع جبهته بين كفيه(3).
قال: وروى الطحاوي بإسناده عن البراء، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى يضع جبهته بين كفيه(4).
فإن قيل: ففي الخبر الأول، خبر أبي حميد أن رسول الله كان يضع يديه حذو منكبيه.
__________
(1) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/231.
(2) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/257.
(3) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/257. وفيه: كنت غلاماً لا أعقل صلاة، أي من غير صليت. وفيه: وضع وجهه، بدل: جبهته.
(4) ـ أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/257.(16/24)

64 / 138
ع
En
A+
A-